نقد

خطاب اللاعب… خطاب الجمهور

 

كانت ثنائية العبد والسيد تعكس التمايز بين العمل الفكري والعمل اليدوي. كما أن ثنائيتي الشيخ والمريد، والشريف والعامي، تبين الفرق بين سالك الطريق، ومن يريد السير على النهج، أو بين ممتد الأصل، ومقطوع النسب. أما التفريق بين البورجوازية والبروليتاريا فيسجل في التاريخ رؤية جديدة للصراع والتحول الاجتماعي، تماما كما نجد في التفريق بين دول الشمال والجنوب. ما أكثر الثنائيات التي يمكن اعتمادها منطلقا لتحليل الظواهر، وتمفصل العلاقات داخل المجتمعات، أو بين الأمم والشعوب. تتبدل هذه الثنائيات، في ضوء التحولات التي يمكن أن تطرأ على البنيات المجتمعية، وتتغير بتغير السياقات التاريخية.

تستجمع ثنائية اللاعب والجمهور، مختلف الثنائيات التي يمكن تأطيرها في نطاق نظرية اللعب. فاللاعب يمكن أن يكون الشيخ، أو الشريف، أو البورجوازي، أو الدولة المتقدمة. كما أنه يمكن أن يكون السياسي، أو رجل المال والأعمال، أو المغني، أو اللاعب الرياضي، إنهم جميعا يضطلعون بدور «العامل» الذي يؤثر في طرف يدخل معه في علاقة تضعه في مرتبة «التابع»، سواء كان هو المريد، أو العامي، أو الناخب، وتجعله يحتل موقع «المتفرج» الذي يردد ما يقوله العامل المتكلم، أو يضطلع بالتصفيق أو ترديد ما يدعيه العامل.

إذا اعتبرنا الخطاب إنتاجا، من قبل مرسل بهدف التأثير في المتلقي كانت العلاقة خطية من الأعلى إلى الأسفل. وبما أن الخطية تتصل بوسيط شفاهي أو كتابي أو صوري فإن تاريخ الوسائط لمراحل ما قبل بروز التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل أعطى لصاحب الخطاب السلطة على جعل ما ينتجه ذا بعد مؤسسي ترعاه التربية والإعلام، وغيرهما من وسائل القوة، لفرض الهيمنة، وبسط السيطرة. تركز كل نظريات الخطاب على بعد التأثير الذي يهدف إلى تحقيقه في المتلقي. لكن هذا التأثير يمكن أن يستند إلى دعامات ليست متصلة دائما ببلاغة الخطاب وقدرته على الحجاج، أو بنياته القائمة على الاتساق والانسجام.

إن التأثير غالبا ما يكون نتاج عوامل أخرى تتصل بوضعية المتلقي وشروط نظام حياته. فالإفحام ليس الإقناع، والإنذار ليس التبشير، والصدق ليس الكذب، والتخويف ليس بعث الأمل. حين لا يكون خطاب الفاعل، أي خطاب السلطة، مدعوما بوسائل أخرى في خدمته، يستحيل تحقيقه التأثير المنشود. لهذا السبب نجد تغير الدول، وسقوط بعضها وبروز أخرى وليد تبدلات منتجي الخطابات ومتلقيها، وبحثها عما يدعمها لتصبح واقعا.

كان خطاب اللاعب العربي ينهض على أساس التسويف، والتبرير، والإيهام، والكذب. وكانت تحليلات المعلقين الرياضيين تصب في خدمة اللاعب: فالريح، والحظ، والحكم، كلها أساليب للخداع والتمويه.

لا يمكن لأي خطاب أن يكون أزليا. فخطاب اللاعب، وخطاب الجمهور قابل كل منهما للتبدل والتغير متى برزت شروط جديدة تفرض تحويل موقع كل خطاب، وإعطاءه بعدا جديدا في نسق العلاقات الممكنة بين الخطابين. لقد ظل خطاب اللاعب العربي يفرض سلطته على الجمهور العربي منذ عدة عقود. ظل الجمهور يصفق للاعب وهو لا يسجل أي هدف مما ينتظره منه في كل مسيرته الرياضية. ومع ذلك ظل يسانده ويدعمه. وبما أن اللاعب يواجه أبدا لاعبا آخر، سواء كان ذلك في مباراة داخلية أو خارجية، كان كل جمهور يدافع عن الفريق الذي «يؤثر» فيه لأسباب لا حصر لها. وحين تكون المباراة خارجية، يجمع الجمهوران معا على مساندة الفريق «الوطني».

كان خطاب اللاعب العربي ينهض على أساس التسويف، والتبرير، والإيهام، والكذب. وكانت تحليلات المعلقين الرياضيين تصب في خدمة اللاعب: فالريح، والحظ، والحكم، كلها أساليب للخداع والتمويه. ولم يكن للجمهور سوى استساغة ما يقدم له، لأن عشقه لنجوم الفريق تعميه عن رؤية الظلام، وتصمه عن سماع ما يغطيه التصفيق والصراخ. جاءت الموجة الأولى من الربيع العربي لتقول، على اللاعب أن يقوم بدوره، وعلى النخبة أن تكون في المستوى. وبدأت الفرق تتململ، وشرعت الخطابات تتداخل بين اللاعب والجمهور. وجاءت الموجة الثانية لتقول: نريد فريقا آخر، بلا ألوان مميزة، ولا مسيرين عمرا دهورا. نريد اللعب الجميل والنظيف والممتع، ولا يهمنا الفريق. كفى تصفيقا للاعب الذي يحمل قميصا وطنيا، أو لفريق ما، وهو لا يفكر إلا في مصلحته، ولا يهتم إلا بالعقود التي يمكن أن يجنيها من أي مباراة، غير آبه لغضب جمهوره، أو مهتم لرغبته في إحراز أهداف تنعشه، وتدخل السرور عليه.

تبدل الخطاب وتغيرت المواقع. كان خطاب الطبقة السياسية مرسلا وفاعلا ومهيمنا. وكانت خطابات الطبقة الاجتماعية منفعلة، وصامتة. كانت هذه الخطابات تبرز بين فينة وأخرى، في شكل احتجاج، أو إضراب، وكان عنف الملاعب يتخذ بعد مؤشرات خطابية لم يكن الخطاب المسيطر يتعامل معها إلا تعامله مع الأعمال الانحرافية المنعزلة والعابرة. حين صارت الطبقة السياسية تصوت لمطالب تخصها بدون الالتفات لمطالب طبقة المجتمع، بدأت تتغير خطابات الجمهور الرياضي. صار يؤسس لتاريخ جديد من العلاقة مع اللاعب، ومع الفريق. توحد الجمهور وصار ينتج خطابا جديدا في الملعب. بات خطاب الإلترات، وعلامات التيفوات، واعتماد الشعارات المتعالية على الخطاب الرياضي مؤشرا على تغير العلاقة بين اللاعب والجمهور. انتهت العلاقات الخطية وصار التفاعل، بسبب الوسائط المتفاعلة، يفرض نفسه. فهل يقبل اللاعب التفاعل؟

 

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى