“سريـر بروكست” مأساتُنـا المُزمنـة

0

 

تحكي الأسطورة اليونانية أن شخصا يدعى «بروكست»، عرف بكونه خارج القانون، وقد تفتقت عبقريته عن صنع سرير بمقياس معين، وقد دأب هذا الرجل على اعتراض عابري السبيل واستضافتهم في بيته، وحين يطمئنون إليه يمددهم على سرير ويقيدهم، فإن كان الشخص أقصر من مقياس السرير يعمد هذا الرجل إلى تمطيطه ليناسب مقاسه، فيقضي الضيف بسبب العذاب الذي يلاقيه، وإن طال مقاسه عن مقاس السرير كان الرجل يقطع أجزاء من أطرافه السفلى حتى يلائم طوله طول السرير.

ويحكى أن شخصا فطن إلى «لعبة» بروكست الدامية هذه، فقرر الانتقام منه، فهاجمه، وأخضعه للعقاب نفسه، بجعله يناسب طول سريره، بنفس العذاب الذي كان يمارسه على ضحاياه. تكتسب هذه الأسطورة راهنيتها من خلال ما يحبل به واقعنا من ظواهر، هي في غالبها مرضية وعصية عن العلاج، حتى أنني يمكن أن أزعم أن كل شخص منا – في لحظتنا المربكة والمرتبكة هذه – أصبح يتأبط «سريره» ويمضي به مفاخرا بين الناس، مخضعا تصوراتهم وأفكارهم وعاداتهم لهذا السرير العجيب، فإن لم تتوافق مع مقياسه شحذ لسانه وباقي أسلحته الفتاكة من أجل «تشذيب» هذه الأفكار والتصورات حتى تطابق سريره، وإلا فالويل لمن مانع أو تمرد أو دافع عن تصور خاص به، بعد أن عانى الأمرين من أجل بنائه ورعايته وتنميته وتشذيبه حتى يناسب نفسيته وتفكيره، بل ووجوده كذلك، فالأفكار كما نعرف جميعا بناء متواصل وشاق وليست ضربة حظ، أو لباسا جاهزا يقتنيه المرء من أقرب محل للألبسة الجاهزة. هذا السرير العجيب لم يسلم منه مجال من مجالات حياتنا، في السياسة والدين والأدب… فأينما وليت وجهك فثمة سرير بالمرصاد، يحاكم صاحبه النوايا، ويمرر مشرطه على الأجساد والأفكار والسلوكات، ولم تنج من ذلك حتى الأحلام، فكم من حالم فاجأه صاحب سرير، بعد أن تسلل خلسة إلى حلمه من أجل يخضعه لمقاسات هذا السرير العجيب، والحلم المقصود هنا بمعناه الحقيقي والمجازي فلا أحد منهما سلم أو يسلم من هذا التطاول والاعتداء على حريته وانسيابيته. إننا هنا وجها لوجه أمام معضلة التعصب، وعدم قبول الاختلاف، التي أضحت للأسف عملة رائجة، لا يخجل أصحابها من إعلانها أمام الملأ، بل والافتخار بها في سرهم وعلانيتهم ولا يبغون عنها عوجا، وكأنها فضيلة ما بعدها فضيلة، يحاولون جعلها قاعدة للتفكير والسلوك، باحثين من أجل دعم نهجهم هذا بعبارات شاردة يقتطعونها من هنا ومن هناك خارج سياقها، ونكاية في المياه الكثيرة التي جرت من تحت الجسر، أقصد جسرنا الحضاري والتاريخي والثقافي، والتي كان من المفروض أن تغير تفكيرنا وسلوكاتنا، كما غيرت أسلوب حياتنا على جميع الأصعدة، لكنها للأسف لم تنفعنا فتيلا، ضاقت بنا السبل وأضحى أكثرنا يزايد بعضه على بعض بالتعصب والتطرف والشوفينية، مقابل العض بالنواجذ على التسامح والتعايش، الذي يبدو أننا في هذه البقعة من الأرض لم نستطع بعد أن نجد الطريق السالك إليه، فرغم تغنينا لدهر من الزمن بالوحدة العربية والأخوة الإسلامية وهلم شعارات، دغدغت وجداننا في جل مراحل حياتنا، إلا أننا أمام المحك القوي، خاصة في الفترة الأخيرة، اكتشفنا عجزنا المزمن تجاه شيء كان يبدو لنا بديهيا إلى أقصى الحدود، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار القواسم المشتركة الكثيرة، التي تجمعنا من قبيل اللغة والثقافة والتاريخ والمصالح الحيوبة، لكن ما إن اختبرنا كل ذلك حتى تبين أنها جميعها لا تغني عنا شيئا، فمجرد اختلاف بسيط يجعلنا نفقد كل إحساس بوحدة المصير، لنصبح أشد عداوة لبعضنا بعضا، نسعى جاهدين إلى إفناء المختلف عنا حتى في أبسط فكرة أو تصور أو رأي. فنكتشف بحسرة أننا خارج منطق التاريخ، وأن الدروس الكبرى التي أطرت الفكر الإنسان انطلاقا من فلسفة التنوير وما بعدها لم تفلح في زحزحتنا قيد أنملة عن التعصب للعرق والجنس واللغة والطائفة والدين، رغم سنوات التعلم التي اقتحمنا أسوارها انطلاقا من عصر النهضة في كل من بلاد الشام ومصر وبعدها العراق والمغرب العربي وباقي البلدان العربية، فكتب الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وعلال الفاسي وسلامة موسى، وسال بعدهما حبر كثير ولامس كل أصناف المعرفة الواقعية والخيالية.. كتبت القصائد والروايات وتغنى الشعراء بالحب والتسامح والوحدة في الاختلاف، وسمو الوطن عن كل الإيديولوجيات، وروجت الأفلام والمسرحيات لنموذج في الحياة يحتفي بالإنسان بعيدا عن الأفكار المسبقة وسوء النية المبيت، لكن كل ذلك للأسف ذهب مع الريح، فالطائفية أطلت بوجهها المقيت وأحرقت الأخضر واليابس، ومازالت نارها تلتهم المزيد والمزيد، ولا ندري متى تصاب بالتخمة وتتوقف عن مزيد من الازدراد، وغزت «فلسفة التكفير» العقول والأفئدة، حتى أصبح للتطرف الديني طابور خامس وسادس وسابع، يعيش بين ظهرانينا، ويتحين الفرص للانقضاض على ما تبقى لنا رغم قلته وضآلته. إنها مأساتنا الحقيقية، التي سنحمل صخرتها ما حيينا وستحملها بعدنا – للأسف الشديد- الأجيال القادمة، ما دمنا سعداء ومبتهجين بأسرة بروكست الخاصة بنا، والتي لا يتورع بنو جلدتنا من استبطانها في عقولهم وقلوبهم، جاعلين منها المعيار الحقيقي لقبول الناس أو رفضهم، ضــاربين بعرض الحائط كل ما حققته الإنسانية من أجل التعايش والتسامح واقتسام هذه الأرض في ما بيننا، وإعمارها ماديا ومعنويا بما يضمن للجنس البشري سعادته واستمراريته ورقيه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.