نقد

جمهورية كأن.. لعلاء الأسواني

في روايته الرائعة “خفة الكائن المحتمل” يذكر الكاتب كوندرا بأن التاريخ يكرر ذات الظواهر المشينة، وذات الشخصيات المقيتة، إن لم يتلقفها الإبداع ويحيلها شخوصا روائية. آنذاك، تكف أن تتكرر، أو إن تكررت، تكررت في شكل لا يجثم على النفوس ولا يخنق الأنفاس، وتغذو إذّاك صورا كاريكاتورية. والإبداع إذن ليس تسلية، بل تطهيرا نفسانيا للمجتمعات. وقد يصبح الأدب استمرارية للنضال بأساليب أخرى.

اختار الروائي علاء الدين الأسواني هذا المسلك في راويته الأخيرة، “جمهورية كأن..” ليحدث عن ثورة ميدان التحرير. أراد من خلال عمله أن يوقف لعنة أحلام تتفتق كالزهور ثم ما تلبث أن تذبل وتذوي، وإذا الأحلام كوابيس. علاء الأسواني يصدع بروايته لحدث ألهب المشاعر وشد أنفاس العالم، وحرك خبايا النفوس، وشحذ الأحلام كانت بؤرته ميدان التحرير، وقد بدت مصر، بتعبير توفيق الحكيم، وكأنها استعادت الوعي والروح على السواء. وما لبث الأمل أن غدا سرابا، والحلم انكسارا.

مصر ليست بلدا فقط. هي فكرة، وهي الفكرة التي جعلت من أراد أن يطبع العالم يُعرّج عليها، ويلتمس تبريكها، من الإسكندر المقدوني إلى عمرو بن العاص، ونابليون، فكيسينجر. هي بالنسبة للعالم العربي شعلة الأمل، وجرح الانكسار. ولأنها فكرة وليست بلدا فحسب، فمن حق أي كان أن يعبر عن رأيه بشأنها. لا يمكن للانتقاد أن يكون حشرا في قضايا داخلية، أو إساءة، بل على العكس، تعبيرا عن حب.

يؤرخ الأسواني للحظات مؤلمة غداة رفع الاعتصام من ميدان التحرير وقد تحركت الثورة المضادة. يُقدّم شهادات يمتزج فيها خطاب الراصد للأحداث، مع عمل الروائي مصيغ الخطاب من طمي الأحداث

علاء الأسواني من الوجوه البارزة أثناء اعتصامات ميدان التحرير التي كانت حاضرة بقلمها، وحواراتها، وحضوره الإعلامي، فضلا عن وزنه الأدبي. كان الصوتَ الذي يستعيد وهج الخطاب الليبرالي بعد أن حجبته الناصرية ويربط الصلة مع ثورة 1919. كان حاضرا في مختلف التعبيرات التي كانت تشجب ديكتاتورية مبارك ومنها حركة كفاية، وأثناء الثورة، وفي حركة “تمرد” التي انتهت بالإطاحة بمرسي. في “جمهورية كأن…” يظهر علاء الأسواني بمظهر آخر وهوية جديدة، تتحدد من خلال قطيعة. الرواية مهمة لأنها من الأعمال التي تؤرخ للقلب النابض للثورة، ميدان التحرير، وتداعياتها، وهي مهمة لأنها تؤشر على نهاية مسار للكاتب، وربما بداية آخر.

في الرواية يُظهر علاء الأسواني أوجه الدولة العميقة، من مؤسسة أمنية تتحرك في يسر ودهاء، بين مؤثرَين عميقين، الدين والإعلام، تمثلها شخصية اللواء علواني، الذي ينتقل في يوم واحد، من قُنوت العبادة والتهجد والتخشع، أثناء صلاة الفجر، إلى مشاهدة مقاطع من أفلام إباحية إثرها، عبارة عن بهارات كي يستطيع أن يضاجع جسدا مترهلا، هو جسد زوجته. في ذات اليوم يشرف على حصة تعذيب، ويتفتق ذهنه على الوسيلة التي تجعل المتهم يتكلم، التهديد باغتصاب زوجته من قِبل العناصر الأمنية أمامه. ويتكلم المتهم، ولا يسع الضباط في حصة التعذيب إلا أن يعبروا عن إعجابهم باللواء علواني: “كل يوم نتعلم من حضرتك.”

يجثم الخوف كالرصاص على الشعب، وفجأة تنتفض مصر، ويحمل وهج الأمل شباب لا يستكينون للوضع. أسماء المُدرِّسة، مازن المهندس والنقابي، خالد الطالب في كلية الطب، لينضاف إليهم شخص أعفاه وضعه المادي من الانغمار في شؤون “الغلابة”، هو القبطي أشرف ويصا. أسئلته الوجودية، وإخفاقاته المتتالية تحرك مكامن نفسه. يقترن بخادمته إكرام. يحبها وتحبه.

من خلالها يستعيد معنى الحياة. بساطتها وسذاجتها تخفيان عمقا وأخلاقا رفيعة. مع الثورة تستعيد الكلمات معناها، مثلما قال شاعر الزجل الأبنودني. يستعيد الحب رونقه بل معناه، ويتحدى الكذب والنفاق والمواضعات. لا يتستر أشرف ويصا عن حبه لإكرام. ينتفض ضد ابنه بطرس وبنته سارة اللذين رأيا فيها المساوئ كلها، خادمة ومسلمة ومتزوجة. يحكم عليها أشرف بسُلم قيم آخر، امرأة تحبه ويحبها، والتقيا في الانتفاض كليهما ضد المواضعات والنفاق، وانصهرا في قيم الثورة. كذلك تفعل أسماء مع حبيبها مازن. وحتى قلب دانية بنت اللواء علواني، يخفق للفتى خالد ابن “السواق” متحدية الفوارق الطبقية. ينحني الجهاز للعاصفة، ثم تبدأ الثورة المضادة. من مختلف المؤسسات الأمنية، ورجال الأعمال، والإعلام، ورجال الدين. مَن كانوا أبطالا يريدون أن يمسكوا بعنان التاريخ صاروا خونة أو صُوروا كذلك.

يؤرخ الأسواني للحظات مؤلمة غداة رفع الاعتصام من ميدان التحرير وقد تحركت الثورة المضادة. يُقدّم شهادات يمتزج فيها خطاب الراصد للأحداث، مع عمل الروائي مصيغ الخطاب من طمي الأحداث. نحن أمام صنف جديد من الكتابة الروائية. الشخوص ليست خيالا، بل تحيل على ظواهر. يعطي الروائي الكلمة لفتيات تعرضن للمهانة من خلال الفحص على عذريتهن من أجل تصويرهن كاساقطات باغيات. شهادات تكاد تكون حية، أشبه ما تكون بعمل توثيقي، في لغة معبرة، هي لغة التخاطب. يفتح الأسواني حادثة مجزرة ماسبيرو وملابسات الانفلات الأمني، في لحظة أريد لها أن تجسد التلاحم الإسلامي القبطي، كما في ثورة 1919، وكما في ميدان التحرير.

تنتصر الثورة المضادة، ومن كانوا أبطالا صاروا خونة، أو تم تصوريهم كذلك من قِبل إعلام تحت الرقابة وتحت الطلب. أضحى الأبطال متآمرين يخدمون أجندة خارجية، أما القتلة فقد بُرئوا. أسماء التي وقفت ضد أن يصبح التعليم سلعة، ورفضت الدروس الاستدراكية التي هي عمليات استنزافية لجيوب الشعب، وانتفضت ضد الأخلاق الزائفة، من لباس “محتشم” وعانقت الثورة، تنكسر في نهاية المطاف، وتعلن حكمها الصادم الذي يعبر عن إحباط. “كانت ثروتنا العظيمة طفرة، وردة جميلة وحيدة وغريبة ظهرت في مستنقع.

كانت ثورتنا تَغَيرا مفاجئا في مسار الجينات المصرية، ثم سرعان ما عاد كل شيء إلى طبيعته، وصرنا نحن خارجين عن السياق، منبوذين لا يريدنا أحد، ولا يتعاطف معنا أحد، ويعتبرنا الجميع سبب كل المصائب. هنيئا للمصريين بإجهاض الثورة، وهنيئا لهم باكتشاف أننا عملاء وخونة. لن يعرفوا أبدا أن الثورة كانت فرصتهم الوحيدة للعدل والحرية، ولكنهم أهدروها بأيديهم عندما خذلونا.”

تُشرّح الرواية بمبضعها الأسباب الموضوعية التي تدفع للعنف. أي خيار كان للسائق مدني الذي قُتل ابنه بدم بارد، من قِبل ضابط، وبرّأته المحكمة، سوى أن ينتقم لنفسه. لا تفضي الرواية لليأس. يصمد من يمسكون بالجمرة رغم الإعصار، مثل الفتى مازن. صمت دانية بنت اللواء، من تحمل تراجيديا قتل حبيبها أمام أعينها، لا يحمل الانكسار ويخفي العزيمة. ولعل الطفلة شهد، بنت إكرام الخادمة المسلمة، التي تعيش في كنف حبيب أمها القبطي أشرف، أن تكون حاملة الأمل أو العبور من عالم “كأن..” إلى عالم الحقيقة والمعنى.

 

حسن أوريد

كاتب أكاديمي مغربي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط وببوردو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى