مكتبات تاريخية عريقة

مكتبة الفاتيكان: ذاكرة تاريخية للمعرفة البشرية

تُعتبر مكتبة الفاتيكان إحدى أبرز وأعرق المكتبات في العالم، حيث تجمع بين التاريخ والتراث والمعرفة في مكان واحد. تأسست رسميًا عام 1451 بأمر من البابا نيكولا الخامس، بهدف إنشاء مركز لحفظ وتوثيق الكتب والمخطوطات النادرة التي تُبرز التنوع الثقافي والمعرفي للبشرية.

  • البدايات الأولى والتوسع التدريجي

بدأت المكتبة برصيد أوليّ بلغ 1160 كتابًا، منها 400 كتاب باللغة اليونانية، وكانت تتألف من قاعة واحدة فقط للمطالعة. لاحقًا، شهدت المكتبة تطورات كبيرة في عهد البابا سيكستوس الرابع (1471-1484)، حيث تمت إضافة أربع قاعات جديدة وتوسيع المجموعات عبر دعم مالي مكثف.

خلال القرن السادس عشر، في عهد البابا ليو العاشر (1513-1521)، تم تنظيم المكتبة بوضع منهجية بحث علمية صارمة، بالإضافة إلى شراء عدد كبير من المخطوطات والكتب المطبوعة. كما تميز عهد البابا غريغوري الثالث عشر (1572-1585) بفصل الوثائق الأرشيفية عن المكتبة وإنشاء “أرشيف الفاتيكان السري“، ما أسهم في تعزيز تنظيم المواد.

  • عصر التحولات والابتكار

في القرن الثامن عشر، دخلت المكتبة مرحلة جديدة من التطوير تُعرف بـ”التحول الركيزي”، حيث تمت إضافة قسم خاص للأثريات والأعمال الفنية. تأسست إدارة للمسكوكات عام 1738، وتم اقتناء مجموعة ضخمة من القطع النقدية والميداليات التي جمعتها شخصية بارزة مثل أليساندرو الألباني.

كما أُنشئ متحف “ساكرو” للقطع المقدسة عام 1757، مما أضاف بُعدًا جديدًا للمكتبة، لتصبح ليس فقط مكانًا للكتب، بل أيضًا مركزًا لحفظ الفنون والآثار التاريخية.

  • التوسع في القرن العشرين

شهد القرن العشرون استمرار نمو مكتبة الفاتيكان بشكل ملحوظ. في عام 1902، تم شراء مكتبة بربريني التي كانت تضم أكثر من 11 ألف مخطوطة و36 ألف كتاب مطبوع. كما أُضيفت مجموعات مهمة من أرشيف القديس بطرس في عام 1940.

مع مرور السنوات، ونتيجة لتراكم الوثائق والمواد، تم إنشاء قسم مستقل للأرشيف، الذي أُطلق رسميًا في السبعينيات. وفي عام 2002، تم تحديث غرفة القراءة بإضافة مواد جديدة على الرفوف المفتوحة، مما يسّر الوصول إلى المراجع للباحثين.

  • الكنوز التي تحتفظ بها المكتبة

تضم مكتبة الفاتيكان حاليًا أكثر من 180 ألف مخطوطة و80 ألف وحدة أرشيفية، بالإضافة إلى مليون و600 ألف كتاب مطبوع. كما تحتوي على أكثر من 300 ألف قطعة نقدية وميدالية، و150 ألف رسم ونقش، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الصور.

وتتنوع موضوعات المكتبة بين اللاهوت، الفلسفة، القانون، الشعر، التاريخ، وغيرها، ما يجعلها واحدة من أهم المراكز الثقافية والعلمية في العالم.

  • الوصول إلى المكتبة والخدمات المتاحة

رغم كونها مؤسسة تاريخية، فإن مكتبة الفاتيكان تفتح أبوابها للباحثين من جميع أنحاء العالم، حيث يمكنهم دراسة الوثائق والكتب وإجراء الأبحاث. كما تتيح المكتبة إمكانية طلب نسخ رقمية غير أصلية من الكتب والمخطوطات مقابل رسوم مالية.

  • المكتبة الفلكية للفاتيكان

إضافة إلى مكتبة الفاتيكان الرئيسية، تُشرف الكنيسة على مكتبة فلكية تقع في قلعة غاندولفو، المقر الصيفي للبابا جنوب روما، والتي تُعد مركزًا للأبحاث الفلكية والعلمية المتقدمة.

  • مكتبة الفاتيكان اليوم

تُعد مكتبة الفاتيكان اليوم مؤسسة لا غنى عنها للباحثين والأكاديميين، إذ تجمع بين التراث الثقافي العالمي والابتكار العلمي. بفضل جهودها المستمرة في الحفظ والترميم، ستظل المكتبة واحدة من أهم ركائز المعرفة الإنسانية لقرون قادمة.

إن استكشاف مكتبة الفاتيكان يُعد رحلة في عمق التاريخ والمعرفة، حيث تتشابك العراقة الثقافية مع حداثة الخدمات الموجهة للباحثين والجمهور العام.

مكتبة “Bibliotheca Apostolica Vaticana

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى