الموتُ بكورونا .. الموتُ بالحروب !؟

 

إن التعبئة التي قامت بها دول العالم مُجتمعةً للتصدي لجائحة كورونا؛ لا مثيلَ لها على الإطلاق، لقد عاينّا جميعاً كيف وضعت الكثير من الدول الأعداء خلافاتِها جانبا وانخرط الجميع في محاربة الجائحة، وتبادلت دول العالم الطائرات والسفن والقطارات المُحملة بالمساعدات الطبية والوقائية. عاينا كيف تخلت شركات تصنيع عالمية عن براءات اختراع لإجهزة طبية ووقائية؛ خصوصا أجهزة التنفس الصناعي وإتاحة نماذجها الحصرية للجميع لمباشرة تصنيعِها تحقيقا للاكتفاء الذاتي وتفاديا للأسوء. عاينا كيف التزمت حكوماتٌ كثيرة بصرف رواتب للفئات المتضررة، وأخرى أعفت مواطنيها من دفع فواتير الماء والكهرباء والإيجار والأنترنت.

عاينا أيضا التزام الدول بدفع مُخصصاتِها لدعم جهود منظمة الصحة العالمية لتطويق الوباء؛ وتوعية الناس وتمويل الأبحاث التي تجريها المختبرات على قدم وساق في سباق مع الزمن لإيجاد لقاح ناجع.

عاينا كذلك؛ مواقف وتعهدات إنسانية من دول كبيرة بأحقية حصول جميع الدول على اللقاح بشكل عادلٍ ومتساوٍ من دون ميز أو سمسرة أو عنصرية.

عاينا كل هذا باندهاش كبير وباستغراب أكبر؛ يمكن ترجمته إلى سؤال أو مجموعة أسئلة موجَّهة من قبيل؛

  • هل العالَم حقا بهذه الدرجة من الإنسانية والتضامن والرحمة ؟
  • هل فعلا إلى هذه الدرجة تخشى الدول موتَ قطاعات كبيرة من البشر ؟
  • هل من شيم الرأسمالية العالمية التنازلَ للفقراء والمستضعفين وتقديمِهم على مصالِحها الاقتصادية ؟
  • بما يختلف الموت بكورونا عن الموت بالحروب أو بالفقر والجوع أو بالتلوث ؟

الجواب المباشر دون تفلسف هو ((لا)) طبعا، والجواب مع قليل من الفلسفة هو (نعم)، فالإنسان مهما بلغ به الطغيان والبطش والتكبر ؛ فإنه إنسانيٌّ وخوَّاف أيضا؛ لكن بميزان الأنانية والعنصرية والانتقاء والاستعلاء.

قبل ظهور كورونا؛ تُعشش الكثير من الأوبئة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية منذ عقود، وتُخلف عشرات الآلاف من القتلى سنويا. أعدادٌ أخرى أكبر؛ يحصدُها الموت بسبب المجاعات والعطش في إفريقيا. أرواح أخرى كثيرة تموت بسبب تلوث الماء والهواء والتربة والمحاصيل؛ تلوثٌ ناتجٌ عن الأنشطة الصناعية والمنجمية بمراحِلها الاستخراجية والتحويلية والتكريرية؛ وما تُسببه من تسمم وسرطانات وأمراض. كل هذه الأخطار؛ هي في نهاية المطاف وجه من أوجه الموت. والأسوأ من هذا كله؛ الحروب الطاحنة التي تدور هنا وهناك؛ والتي يُشعلها أناسٌ مجانين مرضى بهوس التَّسيُّد وجنون العظمة؛ ويروح ضحيتها البشر والحجر والشجر؛ وتُخلفُ كوارثَ لا تُعدُّ ولا تُحصى. لكن العالَم يستمر في عيش حياتِه الطبيعية دون اكتراث ولا تدخل ولا فزع ولا استنفار. إذ لا تعدو أوجهُ الموتِ العديدة هاته؛ سوى أرقامٍ وإحصائيات على نشرات الأخبار يومياً؛ أو في تقارير منظمات الصحة عبر العالم. والأبشع من هذا كله؛ أن النظام الرأسمالي العالمي الجديد له يد في هذه الكوارث إن لم يكن المسؤول المباشر عنها بسبب فلسفته المبنية على؛ “حب المال واستعمال الناس“. بدل أن يكون العكس. إذ يشقى عُمال العالم ليلا ونهارا ليحافظوا على ثراء الأثرياء وغنى الأغنياء وسيطرة الشركات وهيمنة اللوبيات.

هذه الأنانية الطافحة وحب الذات أو العشيرة حصراً؛ دون أن يتعدى هذا الحب إلى الآخر على اختلاف قارته ومرتبته ولونه وجنسه وانتمائه وثقافته ومعتقداته ولغته. هي التي جعلت الموت بالحرب والجوع والعطش في اليمن مُجرد خبرٍ عابرٍ على شاشات التلفاز كل يوم. وأن حصار غزة إنما هو انقطاع عن العالم من أجل الراحة والخمول. وأن توقيع اتفاقية الحد من التسلح أو الحد من الانبعاثات الغازية أمراً جللاً؛ يُهدد الاقتصاد والاستقرار العالمي.

نفس الأنانية؛ هي من يُبيح للغرب النهب المستمر والمتواصل لثروات إفريقيا؛ دون الالتفات إلى حجم الخسائر المادية والبشرية والبيئية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها القارة السمراء ما يربو من ثلاثة قرون.

المُختلف هذه المرة؛ هو طابع الخوف المُعولم الذي جاءت به كورونا؛ والذي يستطيع أن يصل إلى الأبراج العاجية عبر خدمة توصيل بسيطة لا تخضع للاحتراز الكافي. الضجيج والهلع والاستنفار العالمي؛ مَرَدُّهُ هذه المرة أن الغني مَعنيٌّ هذه المرة وليس الفقراء فقط كما جرت العادة.

لقد كشفت لنا كورونا؛ أن عدم وجود مساواة بين بني البشر قد يُهدد الجميع، إن النطاقات المُهمشة والمَعزولة والمحرومة والمُجهلة والمُفقرة والمُغيبة؛ قد تكون بؤراً للجوائح والأوبئة الفتاكة؛ تتعاظم ككرة الثلج لتُرديَ النطاقات الغنية والراقية والآمنة والمُرفهة والحاكمة. كما أن العمال الذين تعتبرهم الرأسمالية الجشعة مجردَ أذرع لتحريك الآلات وإدارة عجلة الاقتصاد؛ يمكن تعويضُهم أو استبدالُهم حسب الحاجة؛ هم في الحقيقة الملاذ الذي لجأ إليه العالم في ذروة الجائحة. وهم العُملة التي لا يُمكن أن تُعوَّض.

إن العولمة يمكنها أن تكون نافعة لنا جميعاً كما يُمكنها أن تكون ضارة لنا جميعا؛ وليس كما تفترضها الرأسمالية المتوحشة “أن تستفيد فئة على حساب فئات أخرى“.

كورونا في نهاية المطاف؛ ليست سوى وجهٍ آخر للموت الذي يخشاه الإنسان. لكنه هذهِ المرة موت جامعٌ لا يَلعبُ في رقعةٍ واحدة؛ ولا يستهدف فئة دون أخرى. فهو لا ينتقي ضحاياه لا يُفرق بين غني وفقير ولا بين كوخٍ وقصر؛ ولا بين عِرقٍ آريٍّ وآخر وضيع.

كورونا؛ رسالةٌ إلهية لتجاوز الذاتية والأنانية والاستعلاء، وفرصة للإحساس بالآخر في عُزلتِه وفقرِه وحرمانِه وحصارِه وبُؤسِه. وأن معاناةَ وبؤسَ وحرمانَ فئةٍ أو مِلةٍ؛ معاناةٌ وبؤسٌ وحرمانٌ للإنسانية جميعاً، وأن سعادتَها وأمنَها واستقرارَها؛ سعادةٌ وأمنٌ واستقرارٌ للبشرية جمعاء.


 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.