الذكرى المئوية الثانية لولادته.. الوجه الآخر في أدب دوستويفسكي

0
يحتفل العالم بذكرى ميلاد واحدٍ من عظماء الأدب في تاريخ البشرية. ففي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1821 ولد فيودر ميخائلوفيتش دوستويفسكي. وغنيٌّ عن القول إنّ كلّ مثقفي العالم يعرفون “الخماسية العظيمة” لهذا الكاتب العظيم: (الجريمة والعقاب ـ الأُخوة كرامازوف ـ الأبله ـ المراهق ـ الشياطين).

للمصادفة، في اليوم نفسه، ولكن بعد مئة عام وعام (1922)، وُلد الأديب الكلاسيكي الأميركي العظيم كورت فونيغوت(*) (1922-2007)، الذي رأى أنّه يمكن أن نجد في رواية “الأخوة كرامازوف” كلّ ما نحتاج معرفته عن الحياة. غير أنّ إرث دوستويفسكي الأدبي لا يقتصر على “الخماسية”، إذ تبقى مؤلفاته الأقلّ شهرةً، والتي تبحث في غرائب طباع البشر، جزءًا لا يتجزأ من إبداعه. سيجد القارئ في تلك المؤلفات الأُخرى كثيرًا من الجديد والمفاجئ، ليس عن الكاتب ومحيطه وحسب، بل وكما هو متوقعٌ عند قراءة مثل هذا الأدب، وعن نفسه ذاتها أيضًا.

من هذه الكتب التي لا يكترث بها القارئ المعاصر (من دون وجه حق):


  • 1- رواية “ناسٌ فقراء/ Poor Folk” عام 1846

كتب دوستويفسكي ثماني روايات فقط، يشكّل خمس منها “الخماسية العظيمة”. ولكن قراءة الروايات الباقية تدخل بالتأكيد في خانة الأدبيات الضرورية. أنجز دوستويفسكي، الذي أصبح حينها للتوِّ مؤلفًا مستقلًا، كتابة أول أعماله بأسلوب رسائليّ. وإليه تنسب العبارة الشهيرة: “لقد خرجنا جميعًا من (معطف) غوغول”، في إشارةٍ واضحة إلى تأثير غوغول على الأدب الروسي عمومًا، وعليه بالتحديد حيث يظهر تأثير غوغول على دوستويفسكي، وخاصّةً في بداياته المبكرة، واضحًا للغاية.

فقد أصبحت الشخصية الشهيرة بـ”الرجل الصغير” الموضوع الرئيس في أول أعماله الأساسيّة. في عام 1846، وبعد صدور رواية “أناس فقراء” تلك، التي تحدث لدى القارئ حزنًا عميقًا مؤلمًا غير مسبوق، حدثت ضجةً حقيقية في أوساط الكتّاب والناشرين، ولفتت على الفور الانتباه إلى المؤلف الشاب. منذ ذلك الحين، لاحظ النقاد التوجّه النفسي لدى دوستويفسكي (ووضعوا هذا التوجه في مواجهة المنحى الاجتماعي لدى غوغول). كلّ ذلك كان مجرد بداية الكاتب العظيم.


  • 2- رواية “مذلٌون ومهانون/ Humiliated and Insulted”

 بعد مرور 15 عامًا على روايته الأولى، وبعد عودته من المنفى، كتب دوستويفسكي عام 1861 روايته التالية “مذلّون ومهانون”. في هذه الرواية، أصبحت ملامح عمل الكاتب معروفةً. يتناغم الألم الرهيب الذي تثيره هذه الرواية مع تلك المشاعر التي يشعر بها المرء عند قراءة رواية “الأبله/ The Idiot”، التي يختبر القارئ في كلّ مرة يقرؤها تجربة نفسية وعاطفية صعبة للغاية ولكنّها مفيدة في الآن نفسه.

بالطبع، لا يجد القارئ في رواية “مذلون ومهانون” تلك الهستيريا الدائمة بالدرجة نفسها التي يؤكدها الكاتب ببراعة في رواية “الأبله”، ولكنّ السمة المرضية الرهيبة المميزة للعلاقة التي تربط شخصيات كتب عالم النفس، تتخلل جميع أعماله.


  • 3- رواية “المقامر/ The Gambler” عام 1866

العمل الرئيسي الثالث الذي لم يدرجه النقاد في ” الكتب الخمسة” هو رواية “المقامر”. ولكنّ هذه الرواية لا تفتقر إلى اهتمام القراء، فموضوع المقامرة لا يزال مثيرًا لاهتمام فئةٍ ليست بالقليلة من القراء. وعلى الرغم من أنّ المؤلف وجد صعوبةً في إخفاء العجلة التي كتب فيها الكتاب، تنفيذًا لعقدٍ محدد الأجل ولتغطية ديون كانت قد تراكمت عليه، فإنّ وصف نفسية المقامر من قبل مقامرٍ آخر يمتلك موهبة وبصيرة دوستويفسكي، أصبحت كنزًا أدبيًا حقيقيًا.


  • 4- قصة “المزدوج/ The Double” عام 1846

استطاعت هذه القصة، التي كتبها دوستويفسكي وهو ما يزال شابًّا بعد، انتزاع إعجاب كتابٍ كبار، مثل تورغينيف، وبيلينسكي، الأمر الذي شكّل في ذاك الوقت أفضل بطاقة عبور إلى الوسط الأدبي. في هذا الكتاب يظهر التوجّه المبكر لفيودور دوستويفسكي باتجاه أعمال غوغول بشكلٍ خاصّ.

وتكشف السريالية الناعمة، التي لم يلجأ إليها دوستويفسكي كثيرًا، الأعماق المظلمة لمخاوف وطموحات صغار الموظفين البيروقراطيين. ولهذا، لم يكن من قبيل المصادفة أن تترك الأجواء الغريبة والنهاية التي تناسب تلك الأجواء، انطباعًا في أوساط النخبة الأدبية في ذلك العصر.

  • 5- قصة “نيتوشكا نيزفانوفا/ Netochka Nezvanova” عام 1848

ربما تكون هذه القصة أكثر أعمال دوستويفسكي خروجًا عن المألوف، ومن أكثرها غرابة، حيث كان الكاتب قد خطط لها أن تكون روايةً، ولكنّ المخطط تمخّض في نهاية المطاف عن قصّة تركت، وعلى الرغم من عدم اكتمالها، انطباعًا هائلًا، حيث تتكشف فيها، بصراحةٍ غير مسبوقة، حتى بالنسبة للمؤلف نفسه، آليات وطبيعة “انحرافات الوعي” للشخصيات، وتظهر مدى وشدّة الأذى والضرر الأخلاقي المخيف الذي تلحقه تلك الشخصيات ببعضها البعض.


  • 6- قصة “الليالي البيضاء/ White Nights” عام 1848

قصة أُخرى من قصص المعلّم التي تقطع نياط القلب، والتي تتميز عمومًا بمشاعر عاطفية غير معتادة بالنسبة لفيودور دوستويفسكي. فالصورة الشاعرية للحالم، الذي نكتشفه في نهاية الكتاب، كانت صورةً غير متوقعة لمثل هذه الشخصية وتثير تعاطفًا يشابه التعاطف الذي لا تشوهه مطامع، وهو التعاطف الذي يشعر به الكاتب نفسه.

تترك أجواء الليالي البيضاء في بطرسبرغ، التي تدور خلالها أحداث الدراما، تأثيرًا ساحرًا في النفوس جعل العديد من صانعي الأفلام في القرن العشرين يُخرجون أفلامًا مستوحاةٍ من تلك القصّة القصيرة. أكبر اعترافٍ بالقصّة، جاء على يد المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي/ Luchino Viscontiالذي تولّى أيضًا تحويل القصة إلى فيلمٍ (على الرغم من نقله المشهد إلى موطنه إيطاليا).


  • 7- قصة “ذكريات من منزل الأموات/ The House of the Dead” عام 1860

تحتوي القصة على ملامح من السيرة الذاتية للمؤلف، وتعتبر وثيقةً مثيرة للاهتمام، فهي تصف الواقع المعيشي وعادات المجرمين الذين كانوا ينفون إلى سيبيريا زمن الإمبراطورية الروسية. جاء دوستويفسكي من منفاه بهذا النوع من الشخصيات التي يعرفها القارئ جيدًا من خلال الكتب، التي تزخر بصورٍ يصعب تقييمها، والتي سردها الكاتب بولعه المعروف بالتفاصيل الصغيرة التي تكشفها بصيرته الثاقبة.


  • 8- قصة “ملاحظات من تحت الأرض/ Notes from Underground” عام 1864

تدخل هذه القصة في عداد مؤلفات دوستويفسكي التي يفضّل الاطلاع عليها مباشرةً بعد قراءة “خماسيته العظيمة”. ولهذا لم تأت عبثًا اعتبار القصة “مدخلًا” إلى دوستويفسكي الكاتب، إذ يعتبرها النقاد نذير الفلسفة الوجودية existentialism في أدبه.

لا تزال المشكلة التي تطرحها قصة “ملاحظات من تحت الأرض”، التي أقحم فيها موظفٌ نفسه (كنموذجٍ لموظفي بطرسبرغ)، ملحّةً ومفهومة للعديد من معاصرينا. فالتقاعس عن العمل الناجم عن اليأس الوجودي يحفّز الانحطاط، الذي يخلق بدوره خطر الاعتياد على القسوة، ويحدث تشوهًا أخلاقيًّا شاملًا- وأكثر ما يخيف هنا، أنّ الشخصية نفسها تدرك هذا الأمر جيدًا.

عند هذه النقطة الفاصلة بالتحديد، تبدأ ظاهرة دوستويفسكي، لتظهر بعد عامين رواية “الجريمة والعقاب” الخالدة.


  • 9- قصة “زوجة شخص آخر، وزوج تحت السرير/ Another Man’s Wife and a Husband Under the Bed “، عام 1860

من المثير للاهتمام أنّ نجد دوستويفسكي، وأثناء انكبابه على تأليف قصة صعبة مثل “ذكريات من منزل الأموات”، قد عاد إلى ملاحظاته الساخرة المبكرة التي استقاها من قصة “زوجة شخصٍ آخر تحت السرير”. يمثل عنوان القصة نموذجًا تقليديًا للمسرحيات الساخرة المترافقة مع الغناء في ذلك الزمن.

  • 10- قصة “التمساح/crocodile”، عام 1865

أخيرًا، لا يسعنا إلا أن نتذكر قصةً غير عادية لدوستويفسكي “التمساح”، التي تذكرنا على الفور بقصة غوغول “الأنف“. كما أنّه من غير المعروف ما إذا كان الكاتب السريالي الكئيب، فرانز كافكا، الذي ولد بعد عامين من وفاة دوستويفسكي، قد قرأها أم لا، لكن يستحيل عدم تذكّره أيضًا عند قراءة قصة “التمساح” هذه.

أحداث القصة غريبة للغاية، بقدر بساطتها: موظفٌ ابتلعه تمساحٌ بشكلٍ كامل، ولكنه ولسببٍ مجهول بقي على قيد الحياة، يتحدث بشكلٍ سخيف عن الآفاق المهنية التي فتحت أمامه بفضل ما جرى له.

في هذه القصّة، يهاجم دوستويفسكي بشراسةٍ خصومه السياسيين في المعسكر الليبرالي. ونجد في هذه القصة كثيرًا من الحقد والبغضاء، تفوق بكثيرٍ ما تضمنته قصته الأُخرى “نكتة سيئة/ A Nasty Story” المكتوبة على النهج نفسه.


(*) كورت فونيغوت/ Kurt Vonnegut: كاتب أميركي مؤلف أكثر من 14 رواية، ثلاث مجموعات قصص قصيرة، ثلاث مسرحيات. اشتهر بقصصه الساخرة من القرن العشرين، وكذلك اشتهر بكتب الخيال. تعززت مكانته الأدبية أواخر الستينيات، بعد نشر قصته “المسلخ- 5 -Slaughterhouse- Five” . كان كتابه Breakfast of Champions  (إفطار الأبطال) عام 1973 الأكثر مبيعًا في السوق الأميركية. من كتبه المشهورة: Galápagos عام 1985 كتاب خيالٍ حول تطور البشر، اللحية الرمادية/ Bluebeard عام 1987، ورجلٌ بلا وطن/ A Man Without a Country والتي تتحدث عن الحياة في أميركا في عهد جورج بوش. من مسرحياته “عيد ميلاد سعيد” عام 1970.


ضفة ثالثة

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.