نقد

التجريب وأفق الكتابة في رواية «الرجل الذي يكتب على راحته»

يعدّ الروائي جيلالي خلاص أحد الأقلام الجزائرية التي استطاعت أن تقدم الإضافة النوعية، بقدرته على الاستمرار في الكتابة من خلال نصوص روائية تسعى إلى تجاوز ما سبقها من روايات، وفي الوقت ذاته تعمق قدرته على التجريب والتجديد، ضمن خط كتابة مميز يحمل بصمات تحيل إلى قدرته على التكثيف في اللغة والمراوغة في الأساليب، والسهولة في التركيب والبساطة في التناول والكياسة في المعالجة والتحليل. وأنت تقرأ لهذا الرجل تستحضر التجارب العالمية في الكتابة، وتشعر بأن هذا الروائي قارئ ممتاز ومتابع حريص وحصيف لما كُتب وما يُكتب.


تعدّ رواية «الرجل الذي يكتب على راحته» آخر أعماله، وهي تقع في أربعمئة وأربع وأربعين صفحة من القطع المتوسط، وهي صادرة عن دار القصبة، الجزائر ديسمبر/كانون الأول2021، ولعل اللافت للنظر أن هناك عناية كبيرة لتوزيع البياض والسواد على الصفحة؛ ما يسهل قراءة هذه الرواية، ويجعل القارئ منسجما كثيرا مع ما يقرأ فلا يضجر من عدد الصفحات، بل هي تنساب أمامه كالماء الزلال.

إن حوارية القارئ مع هذه الرواية تبدأ من العنوان، الذي جاء مفارقا بقدرته على الإحالة على عدة مستويات من التلقي. إن عنوان «الرجل الذي يكتب على راحته» يجعل القارئ في حيرة من أمره من هذا التركيب اللغوي البسيط في بنائه والعميق في دلالته، من حيث كونه جملة اسمية مؤكدة، تفيد الثبات مع الاستمرارية في الفعل وتواصله في هذه الجملة المؤسسة من ثلاثة أركان هي: الرجل، الذي يكتب، على راحته. فقد تشير كلمة الرجل إلى الجنس أو الذكورة، وقد تحيل إلى الدلالات الاجتماعية والنفسية لمفهوم الرجل في الثقافة الجزائرية والعربية.

ويأتي الركن الثاني ليحدد لنا أن هذا الرجل كاتب. لكن مع هذا التحديد يأتي الركن الثالث ليفجر الدلالة ويجعلها تنفتح على دلالات محتملة أو متوقعة أو مفترضة. فما المقصود بالراحة؟ قد تكون راحة البال والطمأنينة، وقد يقصد بها عدم العجلة والتسرع، وقد يقصد بها راحة اليد أو الكف، وقد تكون للدلالة على الموت، فكثيرا ما نقول: ارتاح من الدنيا أو ارتاحت الدنيا منه، للتعبير عن وفاته أو موته.

تقوم الرواية على حكايتين متداخلتين ومتوازيتين، حكاية محمد لكحل وحكاية ابنه جمال لكحل، هذا الأخير كاتب يعيش بعفوية حياة هادئة ومنسجمة، يتضرر من العشرية السوداء في الجزائر، فيطرد من عمله بسبب قيادي في الجماعة الإسلامية، ومن ثم يتعرض إلى محاولة اغتيال، ما يسبب له انهيارا عصبيا يجد صعوبة في التعافي منه.

ولعل هذه الحادثة هي ما يحرك وقائع الحكاية الثانية لمحمد لكحل والد جمال لكحل، محمد مجاهد يسترجع ذكريات الثورة التحريرية وهو يسعى للانتقام ممن حاولوا اغتيال ابنه وقد نجح في ذلك، ثم يغتال غدرا هو وزوجته؛ ما يدفع جمال الابن إلى الأخذ بثأر والديه، يكبر السؤال عن الانتقام والثأر.

إن تداخل الروائي والتاريخي في هذه الرواية جاء من باب إعادة قراءة الواقعة التاريخية من منظور فني باستثمار الثورة التحريرية، وأحداث العشرية السوداء من خلال الربط بين الأحداث والشخصيات والأمكنة، وعبر القدرة على الاسترداد والاسترجاع، وبتوظيف تقنية الاستباق أيضا.

إن مربط الفرس في الحكايتين هو الانتقام، ومن ثم ينفتح السؤال حول أزمة العشرية السوداء في الجزائر، هل كان المحرك الأساس لها هو الانتقام أو أن الأمر أعمق من ذلك؟ هل أن الأمر يتعلق بالوعي، وعي الشخصيات بالمصير المشترك والحتمي، أو أن هذا الوعي فردي قاصر عن إدراك الحقائق في شموليتها انطلاقا من تفكير نقدي يؤسس لخطاب إلغائي وإقصائي؟ وهل يمكن البوح إذا عجز اللسان عن الكلام وسكت القلم عن الكتابة على راحته؟ «هيهات! عبثا حفرت مخّي، غاصت صروح أفكاري ولوحات الصور التي تملأ ذهني التواق إلى الكتابة في أعماق يمّ قاعه مظلم يُعمي أبصار الغواصين».

الكتابة على الراحة ليست سهلة وغير متاحة. «انتهى بي المطاف إلى العجز المطبق، الفشل الذريع في الكتابة. في سبيل أي هدف. من أجل أيّ قضية سأقاوم؟ هذا الوطن الجريح بشعبه المقهور يعيش فترة حرجة: الأخوة الأعداء يشهرون سيوفهم، يصوّبون مدافعهم الرشاشة.. لقتل بني جلدتهم!».

إن الكتابة عن العشرية السوداء مع وضع مسافة زمنية بين زمن الأحداث وزمن الكتابة، هو درجة من الوعي تنأى بنفسها عن الكتابة الاستعجالية أو التسجيلية، ومن ثم قد تؤسس لقيم جمالية من رؤية فنية هادئة ومتبصرة، لكن ما السبب أن جعل الكاتب الانتقام الأساس للحدث الرئيس؟ «عليّ الانتقام لنفسي. أبي انضمّ إلى رجال الباتريوت.

لا ريب أنه يحاول أن يثأر لي من أولئك الذي تسببوا في انهيار أعصابي المرعب.. بيد أن الانتقام الحقيقي الذي يشفي غليلي وربما يشفيني نهائيا، هو أن أعثر بنفسي على الشريك أو الشركاء الذين أوصوا الشاب وأغروه.. لماذا خلقت الكتابة، وهبتني حرفتها المضنية ثم حرمتني منها؟ لن أتراجع، لن أخاف، سأنتقم». هل كل ما وقع في الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي دافعه الانتقام ومحركه الثأر ومخرجاته الشعور بالراحة بعد الانتقام أيضا؟ يتردد لفظ الانتقام والثأر في الرواية مرات ومرات.

إن الانتقام والثأر حقل دلالي مهم يستمد حمولته من نزوع أنثروبولوجي لمجتمعات تنعدم فيها السلطة والقانون، ويُحتكم فيها إلى الأعراف والتقاليد، وتغيب فيها دولة الحق والقانون، وينعدم فيها الشعور بالمواطنة، مجتمع قد يغيب فيها العدل، فلا يعرف المواطن حقوقه ولا واجباته، وتغيب في هذا المجتمع المساواة أمام القوانين، وقد لا ترد الحقوق إلى أصحابها إنصافا.

إن الترابط العائلي في أسرة محمد لحكل الكبيرة (وزوجته خيرة) الذي هو أساس العلاقة الحسنة بين جمال وزوجته (نادية) وطفليهما (سليم ونجوى) وعلاقتهما بالوالد والأم (الجد والجدة) هو المبرر للتوازن النفسي والانتظام الاجتماعي، مقابل إرهابيين ومن يحاربونهم قائم على مبدأ الولاء والالتزام بالأوامر والانتماء إلى التنظيم بعيدا عن أي رابطة اجتماعية أو شعور نفسي تجاه العائلة وأفرادها.

ولعل هذا ما يبرر أن الانتقام والثأر في الحالة الأولى هو شكل من أشكال الترابط العائلي «الإصرار على مواصلة مهمته ذلك ما يجب أن يقتنع به إذا أراد أن يحقق الثأر لأمه ووالده» في حين في الحالة الثانية انتقام الإرهابيين هو ولاء وانتماء للتنظيم، في حين أن تدخل الجيش والباتريوت (جيش من المدنيين والمتطوعين) جاء لإرجاع الأمور إلى نصابها بعد انفلاتها.

إن تداخل الروائي والتاريخي في هذه الرواية جاء من باب إعادة قراءة الواقعة التاريخية من منظور فني باستثمار الثورة التحريرية، وأحداث العشرية السوداء من خلال الربط بين الأحداث والشخصيات والأمكنة، وعبر القدرة على الاسترداد والاسترجاع، وبتوظيف تقنية الاستباق أيضا. ولعل الكاتب وهو ينحو هذا المنحى يكون لدفع الملل عن القارئ وزيادة في التشويق وكشفا للمتعة، ومع ذلك يبقى السؤال معلقا.

«انتعش روحا وجسدا أشعر بأنني استعدت كامل ملكاتي العقلية. هل أرجعت لي صدمة إطلاق الرصاص وانفجارات القذائف حصافتي وحضور ذهني؟ لطالما تحدث البروفيسور عبد الحق عن صدمة قوية تساعد المريض على هزم الانهيار العصبي». إن الأخذ بالثأر كان بمثابة علاج بالصدمة…

محمد تحريشي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات