في العرفنة ومشتقاتها

1

 

لقد أثيرت بعض التساؤلات في “العرفنة”، مفهوما ومصطلحا جاريا في بعض ما كتبنا ونشرنا، وفي ما يلي بعض العناصر من الجواب ننشرها للتّوضيح:

قد تختلف المقابلات العربيّة للمصطلح الأجنبيّ الواحد باختلاف الأقطار أو المجموعات من الباحثين أو الباحثين فرادى وما إلى ذلك، وهو أمر طبيعيّ إذ من الواجب أن تكون حركة البحث والتّأليف إطارا لاقتراح ما يراه الفرد صالحا في ضوء معرفته بالعربيّة وبسائر اللّغات وبحال المعرفة دون شكّ.

خذ مثلا ما اقترحناه في تعويض المصطلحات التّالية (العلوم العرفانيّة، علم المعرفة، العلوم المعرفيّة، علوم الإدراك، العلوم الإدراكيّة، إلخ)- وقد راجت في تواريخ ومؤلّفات متنوّعة في أزمنة واحدة أو متعاقبة- بمصطلح (عَـرْفَـنَـة) مقابل (cognition)، وذلك – دون شكّ- ليس من قبيل “خالف تعرف” ، وإنّما هو مؤسّس على رويّة وحجج منها:

أوّلا:
كلمة (عرفان) مشتركة في الاستعمال القديم وفي الاستعمال الحديث، إذ تدلّ على معنى الشّكر ولها جريان واسع في مجال التّعبّد والتّصوّف وفي مجال البحوث الفلسفيّة الماورائيّة (الغنوصيّة)، وكلمة (معرفة) مقابلة لمفهوم (knowledge, connaissance).

كما أنّ (إدراك) تقابل مفهوم (perception)، وجميعها – كما هو معلوم- ذو مرجعيّات نظريّة كلاسيكيّة.

وفي هذا؛ يوافقنا كلّ من نعرف من المشتغلين بالفلسفة، على الأقلّ، في حدود ما دار فيه النّقاش بيننا في هذا الموضوع.

ثانيا:
العرفنة هي نشاط الذّهن في عموم مظاهره، يشمل التّذكّر والتّعقّل وحلّ المسائل والتّخيّل والحلم والتّخطيط والإحساس والشّعور والتّعلّم والتّبرير والتّكلّم والرّسم والرّقص وجميع ما تتصوّرون من الأنشطة الذّهنيّة الحسّيّة العصبيّة ممّا له صلة بالذّكاء الطّبيعيّ.

فما هو النّشاط الجامع لجميع هذا بالتّسمية؟
أي كيف نسمّي هذه الملكة الجامعة لجميع هذه الأنشطة؟

ولهذا ترون ضرورة أن يصاغ مصطلح جامع يعمّها جميعا، رأينا له أن يكون (عرفن) ومشتقّاته وفيه تنضوي الأنشطة المذكورة وما لم يذكر منها.

ثالثا:
عندما نأخذ الجدول الاشتقاقيّ في الإنجليزيّة الدّائر حول (cognition) – مثلا- تجده منسجما: الفعل هو (to cognize) ، واسم الفاعل هو (cognizer) ، والنّسبة هي (cognitive (system, ability, faculty, etc) أو (metacognitive) . وما إلى ذلك ممّا يتعلّق بالجذع (cogn) .

فلمَ لا تكون مراعاة ذلك في الخطاب العلميّ العربيّ؟

وليس في ذلك تبعيّة ولا تقليد، إنّما هي ضرورة أكاديميّة علميّة.

وهناك حجج أخرى يضيق هذا المجال عن ذكرها، فيكون الحلّ – في ما نرى – أن نحافظ على الحروف الأصول من الثّلاثيّ (ع ر ف) وننشئ جدولا اشتقاقيّا مقبولا في العربيّة قياسا وسماعا منطلقه: عرفن (to cognize) ، والمضارع منه (يعرفن) ( cognizes) والمصدر (عرفنة) (cognition) ، فهو معرفن(cognizer) وذو ملكة عرفنيّة (cognitive faculty)، ويلحق بذلك الميتاعرفنة (metacognition)، إلخ.

وهذا – في ظنّنا- أحسن من أن نقول فكّر يفكّر فهو مفكّر وما إلى ذلك وننتقل إلى عرفان أو معرفة أو إدراك، بما فيها من الاشتراك الّذي أشرنا إليه، في عبارة تتعلّق بالعلوم أو باللّسانيّات المهتمّة بما يجري عليه المصطلح الواحد منها.

رابعا وأخيرا:

يبدو أنّ العرفنيّات عندما وصلتنا فهمَت بتصوّرات أرسطيّة ونفسيّة قديمة، هي عندنا نحن كما هي عند الغرب، دون شكّ، ولم ننتبه (على الأقلّ ممّن سبقونا في الكتابة في هذا المجال) إلى أنّ العرفنيّات خرجت عنها وفي ذلك كانت استعاضتهم بمصطلح (cognition) عن الثالوث المعروف: (knowledge, connaissance, perception) .

ومن النوادر الّتي جعلتني أعدل عن (عرفان) وما إليها أنّ بعض الباحثين في بعض البلدان العربيّة كان يراسلني ويهاتفني ساعيا إلى إنجاز بحث في موضوع يقترحه، وأجد فيه عناية بعلَم من أعلام الصّوفيّة أو بفرقة من فرقها، فأجيبه أنّني لست مهتمّا بالتّصوّف فيقول لي ولمَ وجدتُ في الإنترنت أنّك رئيس فريق بحث بالجامعة التونسية اسمه (اللسانيات العرفانيّة واللّغة العربيّة)؟ فأفسّر له الأمر. فهذا واحد من كثير.

 

تعليق 1
  1. عبابسي ميلود يقول

    السلام عليكم ، تحية طيبة عطرة كعطر الشهداء من أرض الشهداء الجزائر ، شكرا لكم على جهدكم العلمي الثقافي

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.