الحَـكامة مفهــوماً

0

ترتبط لفظة الحكامة بالمجال التنموي، وهي من المصطلحات التي ابتدَعها البنك الدولي، ويُقصد بها أسلوب التسيير والإدارة وممارسة السلطة؛ الذي يوصل إلى”التدبير الجيّد والفعَّال للموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتحقيق تنمية حقيقية”. 

لقد تأسس مفهوم الحكامة عن طريق تراكمات عديدة استخلصتها المنظمات العالمية ذات التوجهات التنموية في إطار أنشطتها وتقاريرها الدورية، خاصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي[1] الذي عَرّف مفهوم الحكامة بأنه “نسق جديد من العلاقات والمساطر والمؤسسات التي تُنظَّم بها مصالح المجموعات والأفراد، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وفكِّ الخلافات والنزاعات، وتذويب التراتبية والمَيْز، وتشجيع التشاركية بين المسيِّرين والمساهمين، وتنظيم وتوزيع المسؤوليات، وتدريب الأفراد والمؤسسات وصقل قدراتهم، ودعم التواصل فيما بينهم، ورفع مستوى العلاقات والتفاعل داخليا وخارجيا“.

كما تُعرِّفُ منظمة السوق الأوربية المشتركة[2] الحكامةَ باعتبارِها “مجموعة من المبادئ العامة للحُكم“. إلا أن مفهوم الحكامة يظل مفهوما زئبقيا ومتفلّتا، كونَه يوظَّف ويُستعمَل من طرف مجموعة من الحقول المختلفة وأحيانا المتنافرة، ولكنه في النهاية يصب في اتجاه واحد؛ وهو حُسن التدبير وحُسنُ التسيير.

والحكامة في مفهومها البسيط، هي الحُكم الجيد والتدبير السليم والرشيد للموارد والسياسات، والالتزام المطلق بالشفافية، وتعقب الفساد، وتجفيف منابعه خاصة الفساد المالي، ومحاسبة المفسدين، وتوفير أجواءٍ مثالية للسوق والاستثمارات، ومحاربة الرشوة، واحترام حقوق الإنسان، وحماية حرية التعبير والصحافة. بما يضمن في النهاية تحقيق تنمية عادلة وشاملة، وهذه المؤسسات والمنظمات الدولية التي تُعنى بالحكامة، لا تتدخل في سيادة الدول، ولا تفرض عليها نمطا إداريا أو سياسيا محددا.

وتتأسس الحكامة على خمسة مبادئ أساسية وهي:

  • التدبير الجيّــد:

ويقوم على الشفافية، وعلى اعتماد الوسائل والآليات والتقنيات الحديثة، التي تبسط الإجراءات والمساطر، والتي تُفضي إلى الحصول على خدمات ذات جودة ومردودية عالية، وتكريس اللامركزية في إنفاذ الاجراءات القانونية، وإقرار اللاتركيز بخصوص المواد والموارد.

  • الاشتــراك والتشارك:

وينص على إشراك كل الأطياف والمتدخلين والمساهمين في مشروع الحكامة من قطاعات ومؤسسات حكومية، ومن الأفراد الفاعلين محليا أو جهويا أو وطنيا، بالإضافة إلى الأطر التربوية والجامعات والهيئات والمؤسسات التي تُعنى أو تَشتغل في مجال التربية والتواصل، وإقامة شراكات مع المنظمات النقابية، ومؤسسات المجتمع المدني من تعاونيات وجمعيات وهيئات سياسية في مجال الإصلاح، والمنخرطة في مسلسل التنمية، وذلك بهدف تحسين المردودية والرفع من جودة التسيير وترشيد الموارد، وتقوية وتأهيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

  • التـوافـــــق:

ويتمثل مبدأ التوافق؛ في القدرة على التفاوض والإقناع وتوحيد الآراء والمواقف، وتحقيق الإجماع في القرارات والمواقف المهمة، وذلك عن طريق إشراك كل الأطراف المعنية، وبلورة رؤية مشتركة تصب في الأهداف المرسومة.

  • الفعـاليـــة / أو / الفاعِليّــة :

الشروع في تنفيذ المشاريع، وفق البرنامج المسطر والمتفق عليه، مع احترام مبدأ الأولويات، وذلك من خلال التدبير الجيد من الجهة المكلَّفة، والموَاكَبة الداخلية من طرف اللّجان والمجالس، والمراقبة الخارجية من طرف الأجهزة المعنية.

  • الرؤية الاستراتيجيـــة:
  • تقييم حصيلة المنجزات، عن طريق تحليل المعطيات، ورصد الإمكانيات المتاحة وغير المتاحة، ومن خلال هذا التقييم يتم وضع مشاريع جديدة ورسم خطط تنموية جديدة.
  • تطوير أساليب العمل، مع استقطاب طاقات وشركاء ومساهمين جدد، التركيز على التحديث والتكنولوجيا.
  • إنجاز الدراسات والتقارير والأبحاث الدورية، ونشرها على أوسع نطاق، بالإضافة إلى إشراك الإعلام واستثماره في الدعاية وفي الحملات التحسيسية واستطلاعات الرأي.

يُعتبر مشروع الحكامة مشروعا واعدا ومتكاملا، يوفر السبل والوسائل الـمُثلى والناجعة والفعّالة لتدبير الموارد المالية والبشرية؛ بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة شاملة وحقيقية. فالحكامة هي السبيل الوحيد لإخراج الدول النامية والمتخلفة من فشلها وهشاشتها وتخلّفها. الاقتصادي والتنموي والسياسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ( United Nations Development Programme) ويعرف اختصارا بـ( UNDP)  تأسس سنة 1966م وهو شبكة تطوير عالمية تابعة للأمم المتحدة، وهي منظمة تدعم التغيير وربط الدول بالمعرفة والخبرة والموارد لمساعدتها على بناء حياة أفضل لشعوبها، ولها فروع في 177 دولة، وتعمل لتطوير وابتكار حلول لمواجهة تحديات التنمية المحلية والعالمية، مع الشراكة مع عدة مؤسسات وطنية ودولية لها نفس التوجه.

[2]  السوق الأوربية المشتركة، مشروع اقتصادي وسياسي، ظهر في أعقاب الاجتماع التمهيدي الذي عقده وزراء خارجية ست دول أوربية ( فرنسا – إيطاليا – ألمانيا – بلجيكا – هولندا – لكسومبورغ) في إيطاليا سنة 1951م، لإنشاء وحدة اقتصادية مشتركة بين هذه الدول، وتوقيع المبادئ الأساسية لهذه السوق المشتركة، وسميت بمعاهدة رومــا، وفي سنة 1957م أعلن القيام الفعلي للسوق الأوربية المشتركة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.