النص المكتوب، على من نُلقي بلائمة فهمه؟

0

 

من القضايا المطروحة في الساحة، تساؤل البعض عن الحد الفاصل بين المبدع (الكاتب) والقارئ (المتلقي)، أي: هل ينزل المبدع (الرفيع الثقافة) إلى مستوى القارئ العادي (أو متوسط الثقافة)، أو يرتقي القارئ إلى مستوى الكاتب؟، أو بتعبير آخر: هل يرتقي الكاتب بالمتلقي إلى برجه العاجي, إن صح التعبير، أم يطلب المتلقي من المبدع أن يتواضع ويهوي إلى مستويات مختلفة من أذواق المتلقين؟.. قد يتفق الكثير ـ وأنا معهم ـ على أن الحل يكمن في نزول الكاتب إلى مستوى القارئ لغة وأسلوباً، ثم ليرتقي به ذوقا وفكرا.

ومع أنني بهذا الحل أجد أن هذه القضية منتهية، إلا أني لم أجد في قراءاتي أو مناقشاتي أو أسمع سؤالاً تناول القضية من جهة الكاتب، أي تقلب القضية، ليطرح سؤال هو: ما الذي يترتب عليه عدم فهم القارئ لخطاب الكاتب، من جهة الكاتب ذاته.. وليس من جهة القارئ ؟.

طرحت السؤال على نفسي، فكرت فيه كثيراً، معتبراً نفسي أحد الكتاب، فكانت النتيجة كالآتي: إن عدم فهم القارئ لخطاب الكاتب، شكل الجدران المقيدة للكاتب وأحبطه وبعث أزمة الثقافة والمثقف وزاد الفجوة بين الكاتب والمتلقي. لأنه هناك اعتقاد من بعض القراء بأن إسقاطات الكاتب حالة فردية تخص شخصية الكاتب وليست حالة رمزية مشفرة للواقع والمجتمع.

في هذه النتيجة شاركني القاص الأستاذ: ناصر الجاسم الذي قال مؤيداً: ( ذلك مايحدث لي تماماً حتى من قبل القارئ المثقف، للأسف، فبدت قصصي ومقالاتي أشبه بوثائق إدانة ضدي، هي في نظرهم مدونات شخصية وتسجيل لحركتي في المكان والزمان!). ومن هنا جعلني أطرح عليه السؤال الآتي: إذن، بماذا توجه لفك عقدة فهم القارئ لخطاب الكاتب، في ظل سلبية الواقع وتضاداته؟، فأجاب: (أوجه بانفتاح القارئ العادي والمثقف على الآداب العالمية، وأوجه المبدع السعودي إلى ترجمة أعماله إلى لغات حية للوصول إلى قارئ غير ظنوني أو إلى الكتابة بلغة ثانية، فالحالة العقلية للمتلقي السعودي مقفلة!).

وبعدما طرحت النتيجة ذاتها على الأخت القاصة: أمينة عبدالوهاب، قالت: ( إن أزمة الكاتب والقارئ، تأتي من اختلاف المستوى الفكري والثقافي بينهما، وكذلك المثقفين عزلوا أنفسهم فازدادت الفجوة , وأصبح كليهما بحاجة إلى وسيط، أما عن إشكالية الإحباط من عدم الفهم حلها ليس بيد الكاتب وحده، بل لابد من تضافر الكثير من الجهود ، مثل المؤسسات التعليمية والتربوية والهيئات الثقافية).

أما حين طرحت النتيجة على الشاعر والناقد الأستاذ/ حسين العبود، علق قائلاً: (الملاحظتان لهما صلة بالأفق التداولي لخطاب النص وكاتبه، التداولية هي المسار اللغوي والتاريخي والثقافي والاجتماعي للنص وتلقيه من قبل القارئ، لذا هي مسار ذو سمة مزدوجة: من المنتج إلى المتلقي والعكس.. يضيق أفق التداول وتسع تبعاً لاستجابة القارئ الذي يعيش في الوقت نفسه ” أفق انتظار أو توقع” لحالة انسجام وإنتاج لخطاب الكاتب ونصه.. الفجوة من هذا المنظور جزء منه اختلال في بعض جوانب مسار التداول والتلقي السابقة، فليس ثمة كاتب يدعي أن رئتي خطابة تتنفسان خارج الأفق التداولي، احتراف الكاتب لابد أن تقابله احترافية قارئ منتج للأفكار، ولاحقا مقوض لها، أما حين تكبر الفجوة فنحن أمام أزمة ومحنة ثقافية، ونفكر حينئذ فيما هو كارثي ومهيمن ومقموع وممتع ومهمش ومهشم وثابت ومتحول ومفروض ومحمول عليه.. على امتداد شبكة العلاقات المنتصبة بين الكاتب وقارئه.. أخص الجزء الثاني من الملاحظة بالآتي، والكلام للعبود: إذا أردنا أن نقذفها بقوة باتجاه زجاج إشكاليتها سنكتشف أن الكاتب ماهو (فيما هو) إلا تاريخ أفكار متشظيه عبر متاهات الكتابة، فهو يقع بالضبط مابين الوثيقة وأرشيفها المعبر، وما بين الذات والآخر حتى في ذروة حمى شخصانيته، ألا ترى الكاتب أحيانا كثيرة لا ينبعث إلا عبر أسلافه، وبعبارة تداوليه عبر قرائه؟!. أما في شأن توجيهنا لفك عقدة الفهم لخطاب الكاتب، في ظل سلبية الواقع وتضاداته، فيكمن في الآتي:

1- عدم فصل الكاتب مابين البعد الجمالي والبعد المعرفي في نصوصه سيما الأدبية، وهذه توجه ضد النزعة الاستهلاكية التي تلتاث بها ثقافة الترويج والفهم.

2- استثمار اللعبة الإعلامية ومجال الميديا لخلق وعي تنويري يزحزح الوعي الزائف وحيلة أو يكشفها.

3- استبدال الفهم الأداتي بالفهم التواصلي الذي يمكن من معرفة الواقع مكبوتاته ومقموعاته، وليس بوصفه موضوعا للذات الكاتبة تنظر إليه من أعلى.

4- التوسل أدبيا بالوعي الروائي لكونه الأقدر على اختراق أعتى حالات السأم التي تنتاب ثقافة الفهم.

5- إعادة صياغة علاقة الجذب والطرد مابين مؤسسة الكتابة والنشر ومؤسسات السلطة السياسية والمعرفية في المجتمع لتبني أولويات الوعي الكتابي.

فالقضية إذن (قضية عدم فهم القارئ للكاتب) ، هي أثقل على الكاتب منها على القارئ، إذ ليس من المريح له بأن يكتب، في ظل بذل الجهود وتحمل أعباء البحث وعناءه، وفي النهاية لايجد من يفهمه، خاصة إذا كان على يقين بأن لغته واضحة بسيطة، وأسلوبه سهلاً صائباً في إيصال فكرته، ومن هنا ركز العرب في مؤلفاتهم على أهمية فهم المقروء، ولقد سئل أبو تمام : لما تقول من الشعر ما لا يفهم؟ فأجاب : لم لا تَفْهَمْ ما يُقال؟.

أما مسألة القصر العاجي الذي يسكنه بعض الكتاب، فهي أسطورة جاءت من القارئ الذي لا يحاول فهم مايكتب له لنقص في علمه ومعرفته فيظن بالكاتب الظنون ويتهمه بالغموض والتقعر، على أننا لا نستثني تحمل الكاتب الذي لا يأبى إلا الغموض والتقعر في كتابته فيحول الرمز من وسيلة إفهام إلى غاية بحد ذاتها، فلا يفهمه حتى نظراؤه من الكتاب فضلا عن عامة القراء.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.