الديستوبيا في الرواية الكورية (الدجاجة التي تحلم بالطيران)

- الكاتبة: صن - مي هوانغ. - ترجمة: سعيد الحسنية.

0

 

إن المتمعن في الأنظمة التي تحكم العالم، سيجد أنها تشكل وجهين لعملة واحدة، وجه يمثل اليوتوبيا حيث الرخاء والسعادة والرفاهية وسيادة الأخلاق الفردية، ووجه أسود مظلم يمثل الديستوبيا حيث القمع والاضطهاد، والاستبداد وانتهاك الحقوق، وفقدان الإحساس بالحرية والمعاناة، إنه الوجه الآخر حيث يتجرد الإنسان من إنسانيته ليتحوّل إلى مسخ.

ولعل الرواية كجنس أدبي معاصر كثيرا ما تعكس هذه الحالات والتحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي تشهدها المجتمعات إذ يستقي منها الروائي مادة يؤسس عليها أحداث روايته، لذلك سيعرف الأدب الديستوبي أو ما يسمى بأدب المدينة الفاسدة انتشارا واسعا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سيتغلغل الشك في النفوس، وسيفقد الكُتَّاب والشعراء الأمل في مستقبل البشرية.

هذا الشعور رافقه إحساس باليأس تجلى في ظهور النزعة العدمية الوجودية. فإلى أي حد جسدت رواية (الدجاجة التي حلمت بالطيران) الأدب الديستوبي؟ وهل تمكنت الكاتبة صن-مي هوانغ من خلال شخوصها الوهمية أن تعكس الواقع الحقيقي للمجتمع الكوري خاصة والمجتمعات الإنسانية عامة؟


لطالما تصور الفلاسفة والعلماء منذ أفلاطون المدينة الفاضلة أو المجتمع النقي والمثالي، حيث ينعم الناس بالطمأنينة، ويتمتعون بالسعادة المطلقة غير أن هذا سيظل رؤيا لم تتحقق عبر التاريخ، لأن النفس البشرية جُبِلَت على حب التملك، وتقاسمتها ثنائيتي الخير والشر والقوة والضعف.  

من هذا المنطلق ستسافر بنا الكاتبة صن-مي هوانغ عبر روايتها (الدجاجة التي حلمت بالطيران) إلى عالم ديستوبي حكم كوريا ، نتيجة  الاستبداد الوراثي  لعائلة كيم إيل سونغ  التي أحكمت قبضتها بعد  1945وسقوط سيطرة اليابان عنها وأصحبت مقدسة لدى الكوريين، زيادة على انهيار  الكتلة الشرقية  المتمثل في الاتحاد السوفيتي  الداعم لكوريا آنذاك، ثم العقوبات التي فرضها الغرب بقيادة أمريكا. 

إن هذه الوضعيات المعقدة فسحت لمخيلة الكاتبة أن تسرح بالمتلقي في أعماق السوداوية التي عمت طبقات المجتمع، وأن تبدع في تشخيص الفوضى الاستبدادية في مجتمع يسوده نظام يسيطر عليه الشر، معتمدة في ذلك على شخصيات وهمية ذات طبيعة حيوانية، أَنْسَنَتْها بطريقة جعتها تلامس الواقع، وتلقي بالضوء على قضايا تنحدر بالمجتمع إلى القعر. 

لقد صورت الكاتبة مدى القمع والظلم الذي يعانيه الفرد فـ” إبساك الدجاجة” رمز للإنسان الحالم، والمسؤول الذي يسعى إلى تحقيق حلمه بعزم وإصرار رغم كل الإكراهات والمعيقات. لقد اختارت لنفسها اسم “إبساك (ويعني الورقة، وهي تعتقد أنه أفضل اسم في العالم، إذ تحضن الأوراق نسمات الهواء وضوء الشمس، ثم تسقط على الأرض وتفسح المجال لأوراق أخرى بالنمو مكانها) ص16.

كانت “إبساك الدجاجة” حبيسة القن في مزرعة، تحلم بالحرية كلما تأملت حيوانات الحظيرة تسرح دون قيد. ولأنها لم يعد يرضيها أن تضع بيضها بحسب الطلب، فقد عزمت على تغيير واقعها بالهرب لتتمكن من تحقيق حلمها الثاني وهو أن تحضن بيضها حتى يفقس (أين حلمي؟ اردت رؤية فراخي تفقس البيض الذي أبقيه دافئا وتخرج منه) ص26. 

ستنجح “إبساك” في الهروب، لتخوض صراعا مريرا من أجل البقاء. وستواجه الموت في أشرس لحظاته حين يهاجمها “ابن عرس” أكثر من مرة ويحاول افتراسها، ومع ذلك لم تتخل عن حلمها في أن يكون لها صغار يتبعونها كدجاجة الحضيرة المخنثة. بعد مدة من الزمن تعثر إسباك على بيضة متخلى عنها، فتحضنها بعاطفة الأمومة، وتنتظرها لتفقس.

وسرعان ما ستدرك أن هذه البيضة تعود لفرخ البط البري. مباشرة بعد أن تفقس البيضة، تبدأ إبساك و”الرأس الأخضر” في مواجهة الواقع، فهما مختلفان من حيث الشكل.

ستعود إبساك وصغيرها إلى الحضيرة رغبة في أن تحافظ عليه من” ابن عرس” ،غير أنها ستلقى الرفض من حيواناتها، بينما يحاول رئيس بط الحظيرة استعادة “الرأس الأخضر”، لكن “إبساك” سترفض تسليمه له، لتعيش حالة من القلق خاصة وأن صاحب المزرعة رآها وجبة طعام شهية على مائدته، بينما زوجته فكرت في أن تقص جناح البط البري الصغير .

مما دفع بها إلى خوض المغامرة من جديد  والهروب من الحضيرة رفقة  “الرأس الأخضر”، هذا الأخير سيكبر تدريجيا  ويتعلم السباحة وحده، وستبكر جناحاه فيطير بعيدا رفقة سربه من بناء فصيلته تاركا “إبساك” على الأرض تراقبه في فخر والألم يعتصرها إذ لم تستطع أن تحقق حلمها الأخير فتطير خلف “الرأس الأخضر”.

لقد تمردت “إبساك” عبر فصول الرواية على أوضاعها، إذ مرت بمواقف حرجة أجبرتها على اتخاذ قرارات صعبة. وفي كل مرة كانت تجد نفسها أمام الخيار الأصعب الحياة مقابل الموت، كانت تستجمع كل قواها لتواجهه بصلابة، ولعل حافزها في ذلك إحساسها بالأمومة والمسؤولية، غير أن هذه المرة تختلف عن سابقتها، فالكاتبة صم-مي هوانغ ستجعل القارئ يعيش لحظة فارقة في حياة هذه الشخصية، حين تقطع ذاك الخيط الفاصل بين الحلم والواقع. فعندما أطبقت انثى ابن عرس على عنق “إبساك” وهمت بافتراسها شعرت ” إبساك”بخفة عالية، وكأنها ريشة تُحلّق في سماء زرقاء صافية، فتحت عينيها كان كل شيء تحتها، البركة والحقل الذي غطته العاصفة الثلجية، وأنثى ابن عرس التي تمشي متثاقلة تحمل بين فكيها دجاجة نحيلة.

إن القارئ للرواية لابد وأن يستشعر ذلك العنف الرمزي الذي طغى على الرواية في محاولة من الكاتبة للتمويه والانزياح بالحقيقة إلى حافة التخييل، فإبساك رمز للمواطن الثائر الذي يتطلع إلى الحرية فيدفع حياته ثمنا لها، إذ يكسر قانون الحضيرة، هذه الأخيرة تشكل البؤرة السردية في النص، فهي رمز للمجتمع الذي يقبع تحت السلطة الاستبدادية للحاكم الذي هو صاحب المزرعة وزوجته من جهة، ومن جهة ثانية سلطة “الديك” الذي يرمز إلى قائد الحضيرة بينما باقي الحيوانات (الكلب / الدجاجة وفراخها / رئيس البط / البطات..) تأتمر بأمره في غياب الحاكم.

وأعتقد أن الغاية من توظيف الكاتبة للرمزية في روايتها هاته هو رغبتها في التحرر على مستوى الكتابة، والغوص في حقول تجعل النص يتسربل بالغموض إلى درجة تصنيفه ضمن الأدب الشعبي الأسطوري، ثم إن الرمزية تخدم الفكرة في جوهرها إذ لو جاءت الرواية بشكل فاضح لما أدت المراد منها. 

في النهاية، يمكننا القول إن رواية (الدجاجة التي حلمت بالطيران) قد فتحت نافذه على طبيعة النظام بكوريا، وهي نموذج صارخ من الديستوبيا السوداء التي تغوص في أعماق النفس، وفي أعماق عالم لا يحترم الحقوق، ولا يعترف بالقيم الإنسانية، عالم يحكمه نظام ديكتاتوري، ولعل بساطة اللغة التي صيغت بها الرواية جعلتها تكتسب انتشارا كبيرا.


سعيد الحسنية – كانبة من المغرب

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.