كيفية تغيير العالم: حكايا حول ماركس والماركسية

0

 

الماركسية كانت في المائة والثلاثين سنة الماضية الموضوع الرئيسي في الموسيقى الفكرية للعالم الجديد، وعبر قدرتها على تحريك القوى الاجتماعية كان لها وجود حاسم وفاصل في بعض الفترات الزمنية وفي تاريخ القرن العشرين.

إريك هوبزباوم: «كيفية تغيير العالم: حكايا حول ماركس والماركسية»

رغم ذلك، يرى المؤرخ الماركسي العنيد أن انحدار الماركسية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين كان في جزء منه بسبب أفول عصر الأيديولوجيات الكبرى والأفكار الإصلاحية بشكل عام وبزوغ عصر ما بعد الحداثة والسيولة الذي جرف بقايا البنى والمؤسسات والهياكل التي قامت على هذه الأيديولوجيات الكبرى. والأمر كذلك، يعود المؤلف فيطرح سؤاله الجوهري الذي أقام عليه الكتاب: أي معنى من إعادة قراءة ماركس في عصر ما بعد الشيوعية وفي القرن الواحد والعشرين؟

جمعت مادة هذا الكتاب في أوج الأزمة الاقتصادية التي ضربت الرأسمالية المعولمة وجرت معها العالم كله عام 2008 وهو من هذه الناحية يكتسب أهمية خاصة؛ ليس لأنه يقدم حلولاً للمشكلات التي ما فتئت تفتك بالرأسمالية في نسختها الأكثر تطرفًا، بل لأنه وكما يقول السير جون هكس الذي يورد الكاتب كلماته في الكتاب: «نحن عاجزون عن التنبؤ بحلول المسائل التي تواجه العالم في القرن الواحد والعشرين، لكن إذا قدر لنا النجاح، فلا بد لها من طرح الأسئلة التي طرحها ماركس حتى لو لم نكن راغبين بقبول أجوبة تلاميذه المختلفة».

ما وراء هذا السفر إذن رغبة محمومة من الكاتب لإعادة طرح ماركس لقراء القرن الواحد والعشرين مقشرًا من أجوبة تلاميذه ومرتديًا عباءة جديدة أكثر حيادية وشمولية. يقول في الفصل الأول من كتابه: «كيف يجب أن ننظر إلى كارل ماركس اليوم؟ هل نعتبره مفكرًا للإنسانية كلها؟ لا شك في ذلك. كفيلسوف وكمحلل اقتصادي وكأب مؤسس لعلم الاجتماع الحديث ومرشد لفهم التاريخ الإنساني». وينقل قول جاك أتالي عنه : لقد فكر الفلاسفة قبله في الإنسان ككل لكنه كان الأول الذي فهم العالم ككل من الناحية السياسة والاقتصادية والعلمية والفلسفية في وقت واحد».

يستعمل هوبزباوم إذن أدواته المعرفية والأرشيفية العزيرة كواحد من أهم مؤرخي العصر الحديث ليضطلع في هذا الكاتب بمهمة ثلاثية المحاور، نعني هنا مهمة تقشير ماركس والماركسية من أهم ثلاثة أغلفة تحجبه عن قراء القرن الواحد العشرين، وهي التوأمة بين مفهومي الاشتراكية والماركسية، والقراءة الأرثوذكسية اللينينة لماركس، وأخيرًا الخلط بين تاريخ الماركسية والحركة العمالية.

  • بين الاقتصاد السياسي واليوتوبيا

يرى هوبزباوم أن ماركس وإنجلز كانا وافدين متأخرين إلى الشيوعية. أعلن إنجلز نفسه شيوعيًا في أواخر عام 1842 بينما تبعه ماركس بعدها بعام؛ أي في أواخر 1843 وذلك بعد ما يسميها الكاتب عملية تصفية حساب طويلة ومعقدة مع الليبرالية وفلسفة هيغل. لم تكن الماركسية إذن الوعد الأول بالمجتمع الشيوعي بل سبقها إرث اشتراكي طويل تمتد جذوره عميقًا في التقاليد الفلسفية والدينية القديمة التي اكتسبت أبعادًا نقدية جديدة مع تكشف الرأسمالية الحديثة.

حملت الفلسفة الكلاسيكية معها من الماضي إرثًا قويًا من الكوميونالية؛ أي الاعتقاد بأن المجتمع دون ملكية خاصة أسبق وأكثر طبيعية من المجتمع الذي تسود فيه الملكية الخاصة. لم تكشف هذه الجذور الاشتراكية عن نفسها على شكل نقد للمجتمع الحديث فحسب، بل وأيضًا في التصورات العديدة التي وضعتها للمجتمع الصالح أو اليوتوبيا ابتداء من أفلاطون وليس انتهاء بتوماس مور وكامبانيلا وكتابه مدينة الشمس.

هذا النمط من الاشتراكية الذي الذي ساد لدى مثقفي المدن وعبر عنه مفكر القرن الثامن عشر إتيان كابيه عانى من صعوبات رئيسية من الناحية النظرية تمثلت في أن العمليات الواقعية (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) لا سابق لها ولا يمكن تعقلها. لذا اقتصرت مهمة هذا الشيوعية الخيالية أو اشتراكية المدينة الفاضلة في نقد ما هو خاطئ في المجتمع البرجوازي.

تفرقت هذه الاشتراكية إذن إلى حركات نخبوية وشعبية مختلفة المشارب والرؤى من الفوضويين من أتباع بوردون والثوريين من أتباع بابوف والسانت سيمونين وغيرها من الحركات الاشتراكية التي ساهمت بدرجات مختلفة في الحركة السياسية والفكرية في أوروبا عصر الثورة.

من هنا جاء الإسهام الأبرز لماركس وإنجلز اللذين كشفا عبر عقلية شمولية ومنظمة معتمدين على إرث حقبة التنوير وعصر الثورة؛ ليكشفا عبر منهج تاريخي واقتصادي وفلسفي شمولي عن العمليات المنظمة التي تعيد بها الرأسمالية إنتاج نفسها، وعن موقع المجتمع البرجوازي من سيرورة التقدم البشري، والتأصيل لوضع الطبقة البروليتارية في المجتمع الرأسمالي ودورها في تجاوز الرأسمالية وافتتاح الحقبة الشيوعية.

في حين عنت الاشتراكية دائمًا وعدًا بمجتمع أفضل وأكثر عدلاً، فإن التحليل الماركسي أو ما يسميه هوبزباوم الاشتراكية العلمية هي بمثابة علبة الأدوات التي لا غنى عنها في الكشف عن العمليات الاقتصادية والاجتماعية والبحث عن سبيل التقدم وتحقيق هذا المجتمع الأفضل.

عبر تسليط الضوء على هذا الإسهام الأبرز للماركسية يقدم هوبزباوم علبة الأدوات الذي ابتدعها ماركس وإنجلز والتي تمثلت الاقتصاد السياسي ونظرية القيمة والمادية التاريخية والإسهام الفلسفي والانخراط في الواقع السياسي لا بعيدًا عنه في التصورات الخيالية لفاعلي القرن الواحد والعشرين لتحقيق مجتمع أكثر عدلاً. هذه الإسهامات لا تعبر عن أجوبة بقدر ما تطرح أسئلة وهي الأسئلة التي لا مناص من إعادة طرحها وتقديم أجوبة لها.

  • ماركس وأغلال لينين

لا أشك أن الماركسية تمثل قيمة معرفية وسياسة ويسري عليها ما يسري على القيم في المجتمع الإنساني من مأسسة وهيكلة سياسية واجتماعية. وهذا ما شهدته الماركسية طوال ما يقارب السبعين عامًا من عمر الاتحاد السوفييتي. كان الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية التي دارت في فلكه في أوائل ومنتصف القرن العشرين بمثابة الممثل الرسمي السياسي والاجتماعي والاقتصادي للماركسية، تصعد بصعوده ويأفل نجمها بسقوطه. لكن هوبزباوم يشمر عن ساعديه ليكشف في هذا الكتاب عبر فصوله العديدة ليسلط الضوء على التأويلات والاتجاهات العديدة التي سلكتها الماركسية وعلى القيمة الأصلية التي تمثلها الماركسية نفسها، والتي أغشى ضوء الاتحاد السوفييتي بأجهزته الأيديولوجية الأبصار عنها. مهمة تحرير ماركس من لينين وخليفته ستالين لا غنى قبل أي قراءة جديدة لماركس وإنجلز.

يرى هوبزباوم في الفصل الأول من كتابه أن إرث ماركس في القرن العشرين تفرع إلى فرعين؛ هما إرث ديمقراطي اجتماعي إصلاحي، وإرث ثوري سيطرت عليه الثورة الروسية بلا منازع. هذا الافتراق نشأ على إثر النقاش الذي احتدم في القرن العشرين حل بعض المسائل وأبرزها التعديلية (Revisionism) والإمبريالية والقومية.

وكذلك الجدل حول شكل الاقتصاد الاشتراكي الذي لا نجده في كتابات ماركس. ليس من المفاجئ أن تكون الاشتراكية في صميم نقاشات القرن العشرين خصوصًا مع دخول رأسمالية القرن التاسع عشر والمجتمع البرجوازي حالة من الانهيار يسميها هوبزباو، وهي الأزمة التي بلغت من القساوة ما جعل الكثيرين يرتابون بإمكانية شفاء الرأسمالية. حينها أصبح الحديث عن استبدالها باقتصاد اشتراكي هو الحديث المسيطر على النصف الأول من القرن العشرين خصوصًا وأن الاتحاد السوفييتي بخططه المركزية وسيطرة الدولة فيه على السوق بدا منعًا ضد هذا الانهيار.

يرى هوبزباوم أنه ليس هناك ماركسية صحيحة وماركسية خاطئة؛ لأن الفكر بطبيعته عمل لا متناه ومستمر، لذا يرى أن ما فعله الروس كان مشروعًا «حيث حسبوا نظريته طريقًا لانتقال بلادهم من التخلف إلى الحداثة، لكن الانتقال المباشر إلى الاشتراكية لا يمكن أن يحصل على أساس العامة في القرية الروسية». لم تكن الدولة اللينينية إذن سوى تجربة ماركسية سعت لتجاوز وجهة النظر القائلة بأن مهمة الماركسيين الرئيسية في روسيا هي تطوير رأسمالية صناعية مزدهرة.

لكن هوبزباوم يعود فيؤكد أن فكر ماركس لم يقبل التحول إلى عقيدة جامدة باستثناء الأرثوذكسية المدعمة بالمؤسسات والتي كانت لتصدم مارك نفسه بلا ريب. فبحسب ماركس فإن العلاقات القانونية وكذلك أشكال الدولة لا يمكن فهمها من ذاتهما لكنهما متجذران في الشروط المادية للحياة، أو كما يقول أنجلز: «إن أكثر ما يعمي البشر قبل أي شيء هو الوهم بوجود تاريخ مستقل لمؤسسات الدولة والأنظمة القانونية وأشكال التمييز الأيديولوجي في جميع الميادين الخاصة».

من هذا المنظور فإن الدولة ومؤسساتها وأبعادها القومية لا تكتسب قيمتها إلا من خلال رؤيتها التي تقضي بأنها؛ أي الدولة،ـ لا تمثل المصلحة العامة للمجتمع بل مصلحة الطبقات الحاكمة. وهي لن تنتهي مباشرة خلال الفترة الانتقالية بعد ثورة البروليتاريا لكنها ستأخذ شكل البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة قبل أن تذبل تدريجيًا وتفقد معناها.

وفي هذا السياق يرى هوبزباوم أن ماركس لم يستعمل مصطلح «ديكتاتورية» لوصف شكل حكم مؤسسي خاص، وإنما استعمله لوصف محتوى مجموعة من الحكم الطبقي فحسب، لذا قد توجد «ديكتاتورية البرجوازية» بوجود انتخابات أو من دونها. ولا أدل على ذلك من وصفه كوميون باريس بأنه دكتاتورية البروليتاريا في حين أن صفاته السياسية كانت مضادة للحكم الاستبدادي.

لا تكتمل هذه القراءة الماركسية عن مفهوم السياسة إلا بما قدمه غرامشي عن حرب المواقع وممارسة الهيمنة وكذلك الإرث الطويل للاشتراكية الاجتماعية في دول غرب أوروبا وفي ألمانيا وإيطاليا تحديدًا. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة جديدة لماركس في القرن الواحد والعشرين لا تؤدي بالضرورة لشكل من أشكال الاستبداد السياسي. فالغرض الرئيسي من تسليط الضوء على الفكر السياسي لماركس وإنجلز هو بيان قدرته التحليلية المرتبطة بالواقع المادي وليس الاكتفاء بالوصف القانوني والوظيفي للمؤسسات السياسية وأشكال الحكم.

ماركس والعمال: القرن الطويل

في الفصل الأخير من كتابه يضطلع هوبزباوم بالمهمة الأخيرة التي حددها لنفسه، حيث يقول: «ارتبطت معظم الحركات والأحزاب العمالية بحلم ماركس واعتبر الماركسيون الحركات والأحزاب العمالية بمثابة ميدانهم السياسي المختار، مع ذلك لا الماركسية ولا الحركات العمالية يمكن فهمها إلا كقوى تاريخية مستقلة موجودة في علاقات معقدة ومتغيرة فيما بينها».

يرجع تاريخ الحركات العمالية بحسب هوبزباوم إلى ما قبل الماركسية بكثير، لكن انبثاقهما المشترك على الساحة المعرفية في أواخر القرن التاسع عشر كان له دور في في هذا الربط بين الحركتين. لا شك أن الماركسية أسهمت في تشكيل الوعي الطبقي لدى العمال الذي عبر عنه في أحزاب طبقية جديدة وحمراء.

كان السؤال الذي مثل نقطة التقاطع بين الحركتين هو السؤال الذي طرحه تعيين ألكسندر ميليران الاشتراكي وزيرًا للتجارة في فرنسا وكذلك أطروحة إدوارد بينشتاين التعديلية التي قدمها للحزب الاشتراكي الألماني وهو الإصلاح أم الثورة؟ الانهيار السريع للرأسمالية المتوقع لم يأت فهما هي الوظيفة التاريخية للحركات العمالية وهل هناك طريقة غير ثورية تؤدي إلى الاشتراكية؟

يرى هوبزباوم أن الواقع بعد عام 1900 تمثل في أن حركات العمال الماركسية حتى في الأقطار الرأسمالية الرئيسية عاشت في حالة تعايش وتكامل غير معترف به مع الرأسمالية وليس في حالة حرب. مع أن الحركة العمالية والاشتراكية بدتا غير منفصلتين، إلا أن الحركتين لم تكونا متطابقتين. كان السؤال أزمة للاشتراكية وليس للحركات العمالية.

يشير هوبزباوم كذلك أن القرن العشرين شهد حركات عمالية أصلية وصادقة وناشطة ضد الاشتراكية مثل حركة التضامن البولندية وحركات عمالية مرتبطة بقوميات وأديان معينة ومن دون روابط أيديولوجية أخرى. في المقابل كانت هناك حركات اشتراكية وشيوعية لم يكن لها أساس طبقي وكانت من المسيحيين الأرثوذكس ومن مختلف الاشتراكيين الطوباويين وكان الأمر شائعًا في الولايات المتحدة أكثر من أي مكان آخر. وقد رأى المنظرون الماركسيون بدءًا من كوتسكي ولينين بحسب هوبزباوم، أن الحركات العمالية لا تولد اشتراكية عفويًا، بل عليها أن تستوردها إلى داخلها من الخارج.

على أن هوبزباوم يرى أن الحركات العمالية التي عملت ضمن حدود الدول القومية واكتسبت فاعليتها داخل الاقتصادات المختلطة فقدت قدرتها في عصر انحدار القوميات. لكنه يشير إلى أنه في عصر انحدار الرأسمالية العولمية فإن للحركات القومية الإثنية الحظ الأفضل في كسب تأييد الحركة العمالية؛ لأنها تنطبق على أساس مخاف الطبقة العاملة ومطالبها السياسية الخاصة بالحماية، على أساس من شعار «صناعتنا للأمة لا للأجانب والفقراء المهاجرين من الجانب».

يرى هوبزباوم أن خطر تحول متطرف في السياسة إلى يمين راديكالي ديماغوجي قومي أو طائفي هو كبير في الأقطار الأوروبية الشيوعية سابقًا وآسيا الجنوبية والغربية. لكنه يرى أنه إن كان شيء قد تغير للأفضل في عصر أزمة الرأسمالية العالمية فهو أننا عدنا لاكتشاف أن الرأسمالية ليست الجواب وإنما هي السؤال.

يختم هوبزباوم كتابه قائلاً: «الليبرالية الاقتصادية والسياسية بمفردها أو غيرها لا تستطيع أن توفر حلاً لمسائل القرن الحادي والعشرين، لذا آن الأوان من جديد للنظر إلى ماركس نظرة جدية».

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.