“شوبنهاور” – إرادة الحياة

0

كان شوبنهاور متأثراً بأفكار البوذية الهندية، فنظر إلى العالم نظرة التشاؤم، وقرر أن حقيقة الكائنات القصوى هي الإرادة، لكنها لا تقدر أن تملك لقصدها مشمولاً خاصاً يمكن أن يعرض عملياً في الذهن، لأن كل مشمول مثل هذا يتعلق بخارجها.

فلذلك تملك الإرادة الكونية لقصدها نفسها، أي هي تريد لأن تريد. هي تريد لأن تكون حقيقياً، فإن كل شئ حقيقي ليس إلا الإرادة الممثلة. فبهذا المفهوم سمى شوبنهاور تلك الإرادة (إرادة الحياة)، ورأى أنها جوهرياً شر، فإنها لا يمكن أن تقع؛ هي ألم. هي ألم غير القانع؛ وعلى هذا فالحياة حمأة الطموح الذي لا يشبع، وثورة التوقان الذي لا يقنع. لذلك كانت نهاية الإنسان دائماً في الشكوى، ولن يتم له حسن الحظ أبداً.

(…) المزية الكبرى لنيتشه بين فلاسفة الغرب أن عبقريته صبغت الفلسفة بصبغة الإلهام، ولم تكتف في المباحث الفلسفية بانتقاد الفن، بل أتت للعالم بمقياس جديد للحسن والقبح، والخير والشر. وفلسفته ثمرة مزيج من أفكار كانت، وشوبنهاور، وداروين. فقد استنبط من نظرية العلم لكانت أن ليس هناك شئ يقال له علم، بل كل شئ خيال ووهم، وذلك لأن الحقيقة لا يكشف عنها بل تُخلق، ولا يبحث عنها بل تُخترع، وهو أيضاً قد قرر مثل شوبنهاور أن حقيقة الكائنات القصوى هي الإرادة، ولكن ليست (إرادة الحياة) كما رأى شوبنهاور بل (إرادة القوة)، وهي عنده مصدر كل خير وفلاح كما أن (إرادة الحياة) عند شوبنهاور منبع كل شر وخسران. وما أحسن قول البعض أن ما يراه شوبنهاور شيطاناً يراه نيتشه إلهاً.

– أبو النصر أحمد الحسيني
مجلة الرسالة – العدد 122
بتاريخ: 04 – 11 – 1935

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.