حرية المرأة بين الدين والأخلاق

0

 

من المعلوم أن بداية القرن الواحد العشرين تميز فيه النظام العالمي الجديد بظهور كلمات جديدة براقة المظهر، لكنها تتخفى وراءها أشكال جديدة من الاستعباد والاستغلال للطبقات الكادحة أهمها النساء.

للأسف، في العصر الحديث أصبح الباحث الأكاديمي في الغرب والشرق مشغولا بدراسة كلمات من قبيل العولمة والكونية، يمدح امتيازاتها وإيجابياتها على الفرد والمجتمع، متجاهلا بذلك  نتائجها السلبية المتمثلة في الفقر والحروب الدينية والطائفية المشتعلة في كل بقاع العالم، التي يسقط يوميا ضحاياها قتلى من النساء والأطفال نتيجة الفتن الروحانية والعقائدية التي تتخفى ورائها المصالح الدولية للقلة الثرية المالكة للسلاح والمال والإعلام وأعوانهم من الحكومات المحلية.

تتخفى هذه المصالح وراء بعض النظريات الفكرية الحديثة، تحمل أسماء متعددة من قبيل نهاية الإيديولوجيا، نهاية التاريخ، موت المؤلف…يقودها مفكرو الرأسمالية الطبقية الأبوية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية، وتابعوهم من المثقفين والباحثين الأكاديميين في بلادنا العربية، وهي في معظمها نظريات قديمة تتخذ شكلا حديثا تتسم بالمراوغة التي تقبل الشيء ونقيضه، من غير بادرة أمل في ربط النظرية بأرض الواقع والتاريخ.

إن دور المفكرين من الرجال خاصة، ليس مجرد مهنة يرتزقون منها أو منصب في جامعة أو جائزة من رئيس دولة {جائزة نوبل في العلوم والآداب}، لكن دور المفكر أعمق وأشمل بما يتضمنه من رؤية شاملة ومسؤولية تجاه الشعب قبل الحاكم، إلا أن أغلب المفكرين حسب الدكتورة نوال السعداوي “يدورون مع الأسف في فلك السلطة الحاكمة وإن أنكروا ذلك، يرفضون ربط السلطة بالجنس أو القهر السياسي بالقهر الجنسي والاقتصادي والأخلاقي، يرفضون ربط أجزاء المعرفة من أجل رؤية شاملة تتجاوز تخصصاتهم الأكاديمية ومصالحهم الاقتصادية والسياسية، يهربون من المسؤولية أمام الشعوب المقهورة، نساءا ورجالا إلى النظريات المجردة أو البحث عن المستحيل، الذي يتمثل لهم في مفاهيم مثالية، {طوباوية} لا علاقة لها بالواقع الذي نعيشه، أو الموقف التاريخي المحدد الملموس”.[1]

إنها ازدواجية بين نظريات طوباوية مستحيلة، وبين صعوبة تحقيقها بشكل ملموس. وهذا يفسر لماذا أغلب البحوث الجامعية انصبّت على ما أتث به موجة الحداثة وما بعدها، بعيدا عن ربط كل قضية من قضاياها بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأمم والشعوب.

انشغل المفكر بكل شيء سوى شيء واحد وهو ربط معرفته الأكاديمية بواقع اجتماعي ملموس ضمانا لمصلحته الاقتصادية والسياسية، وتكريسها لطغيان السلطة الحاكمة التي يستفيد منها ولا يستفيد منها غيره من أبناء أمّته، لذلك يقتصر دور المفكر في الارتزاق من خلال ما يقدمه من معرفة طوباوية في حصصه للطلبة، أو ما ينشره من آلاف الكتب والمقالات بهدف الشهرة والحصول على الجوائز في تخصصه.

طبعا وإلا ماذا سيستفيد من تبليغ معرفة نبيلة وصادقة وملموسة لمجتمعه، إذا كانت المحفزات المادية والمعنوية غائبة!

يحضرنا بعد هذا القول، التأكيد أنه من البديهي قيام ثورة ضد النظم الظالمة أينما كانت، إنها صفة إنسانية عامة ليست قاصرة على الرجال دون النساء، أو أهل الغرب دون الشرق، لذلك فإن الدفاع عن  حرية المرأة، والذي يشكل موضوع مقالتنا هو هدف سامي ونبيل، وهو مقاومة الحركات الانفصالية الطبقية الأبوية التي لطالما حاولت الفصل بين النساء عن الرجال بدعوى أنهن  الجنس الأدنى، كما لاحظ ذلك أرسطو في تنظيره السياسي للدولة وفصل العبيد عن الأسياد الملاك والحكام بدعوى أنهم من الطبقة الأعلى.

لطالما اعتبر أرسطو نموذج للتيارات السلطوية  في تحقيره للمرأة، وهذا دليل أن النضال ضد النظام الطبقي الأبوي كان منذ بداياته في العصور القديمة حتى العصر الحديث وما بعده، فالحركة التحريرية متصلة في التاريخ تضرب بجذورها في كل بلد، وليست هي حركة غربية كما يتوهم البعض ولم تنشأ خلال القرن العشرين فحسب، بل التاريخ يشهد أنها كانت قبل ذلك.

وما أكثرهم في واقعنا العربي من يتبع أرسطو عن وعي ودون وعي، عادة يتسم تفكيرهم بالتناقض والازدواجية، نرى مقالاتهم وصورهم كل يوم في الجرائد والمجلات العلمية والأدبية، يناشدون فيها الديمقراطية والحرية، ويتغيرون من عهد إلى عهد، يبدلون أفكارهم ونظرياتهم بسهولة حسب النظام الحاكم، من الاشتراكية إلى الرأسمالية، إلى العولمة والعلمانية، أو الهرولة نحو الأقوى سياسيا.

نتناول قراءة كتاب الدكتورة نوال السعداوي “المرأة والدين والأخلاق” الجزء الأول من الكتاب، الذي يبرز قضية المرأة العربية في علاقتها بقضايا المجتمع، ومنها الدين والأخلاق والسياسة والتاريخ والفلسفة والطب والاقتصاد…لأن أهم خطوة لعلاج المرض أو المشكلة هو الكشف عن أسبابها الحقيقية في تاريخ الفرد والجماعة، لذلك فدراسة التاريخ دور جد هام لإدراك الترابط بين الأمراض الجسدية والنفسية والأمراض الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وعلاقة كل ذلك بالموروث المقدس الذي يتغلغل إلى أعماق العقل والجسد والروح. فيفصل بين الثلاثة، حيث، “يمزق الإنسان المتكامل الكيان الواحد إلى ثلاثة أجزاء متنافرة، متصارعة، وتدخل الروح تحث علم الدين أو اللاهوت أو الروحانيات والأخلاقيات، ويدخل الجسد تحث علم الطب أو البيولوجي أو الفيسيولوجي أو التشريح وعلم الأمراض، ويدخل العقل تحث تخصص آخر هو الطب النفسي، وينفصل كل ذلك عن الأمراض الاجتماعية أو السياسية التي ينتج عنها الفقر أو البطالة أو الحروب الاقتصادية والعسكرية وغيرها مما يشكل أهم الأسباب التي تعرض أجسام الناس وعقولهم وأرواحهم للأمراض والمشكلات على اختلاف أنواعها”.[2]

أبرز هذه المشكلات التي تحدثت عنها الدكتورة نوال هو انعدام التربية الصحيحة للأجيال سواء داخل البيوت أو المدارس والجامعات، القادر على انتاج جيل ناضج، مسئول وقادر على تجاوز الحدود التي يفرضها المقدس في الدين أو في الدولة والعائلة، حيث لا نجد إلا ترسيخ الخوف من المقدس الديني والسياسي، وهذا راجع إلى غياب الديمقراطية والحرية الحقيقية في حياتنا السياسية.

فرغم الخدمات والتضحيات أحيانا التي يقدمها الباحثين والباحثات في مجالات المعرفة بأنواعها ونشرها تحررا من الجهل والأمية، إلا أن هذه المعرفة تظل رهينة ذلك المعتقد الراسخ التي توارثته الأجيال وخاصة في أول الأديان السماوية وهو الدين اليهودي كون، “حواء )المرأة( هي التي أكلت التمرة المحرمة فوق شجرة المعرفة وتم عقابها وإدانتها، وهكذا أصبح الجسد يرمز إلى الجنس المدنس، والشيطان إلى المرأة، أما الروح فهي ترمز إلى المقدس، وفي مقابل ذلك ألهت هذه المعتقدات الرجل كجنس أعلى وجعلته الإله فوق الأرض”[3]

لقد اشتهر الأدب بشعره ونتره، بمواضيع المرأة، نظرا لما يتميز به الشعر من محسنات بديعية وجزل ومجاز يصعب على الانسان العادي فهمه، وظلت البحوث العلمية، حبيسة العقل الأكاديمي المنفصل تمام الانفصال عن الذات بسبب المحرمات الدينية، فظلت البحوث الأكاديمية نظرية مجردة خالية من حرارة الحياة الحقيقية التي يعيشها النساء والرجال داخل المجتمع، بل آلاف البحوث الجامعية التي يتخرج على إثرها الطلبة تظل حبيسة الأرشيف في الجامعات.

  • أهمية إعادة قراءة التاريخ:

لا شيء قد يهدد حياة الانسانية بالقتل حسب الدكتورة السعداوي، أكثر من هذه الكلمات الثلاث {المرأة، الدين، الأخلاق} حيث تعود هذه الكلمات إلى مفاهيم مختلفة الأنواع والأشكال إلى فلسفة تتوارثها الأجيال البشرية المتعاقبة وتشمل التاريخ البشري أو الذاكرة الجماعية التاريخية للمجتمع.

طبعا لا تنفي الأستاذة نوال أن “هذه الفلسفة التي توارثناها منذ العصر العبودي حتى اليوم تغيرت مع تغير الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتغيرت معها المفاهيم والقيم والأديان والأخلاق والعلاقات الدولية والعلاقات الشخصية، لأن سمة الحياة هي التغير البطيء.

نعم هو تغير بطيء حسب الدكتورة نوال، لأنها كانت على اقتناع ثام أنه، “مهما تغيرت الثوابت أو المقدسات مع تطور العقل البشري وانعتاقه من فلسفة العبودية، إلا أنه يبقى انعتاق بطيء، لأن مجمل الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تعاقبت بعد العصر العبودي، كالنظام الإقطاعي والرأسمالي، لم يكن أبدا من صالحها التحرير الفكري للأغلبية الساحقة المسحوقة من الرجال والأطفال والشباب، فهي تقوم على الفلسفة ذاتها التي قامت عليها العبودية”.[4]

إن أهمية دراسة التاريخ دون فصله عن الدين والاقتصاد والسياسة والأخلاق بسبب ما يصطلح عليه بالتخصص في المدارس والجامعات يبين لنا أن البشر ثاروا ضد الظلم والأنظمة العبودية على مدى قرون، على الرغم من كل ما كان يفرض عليهم من أغلال وقوانين تحث اسم المقدس السياسي والديني.

يحيلنا هذا ضمنيا على أسباب تجاهل تلك الفلسفة الانسانية القديمة التي كانت تحترم العقل والروح والجسم في كيان واحد، وتساوي المرأة والرجل، في المقدس الديني والسياسي دون تفرقة، وبدأت الفلسفة العبودية القائمة على التفرقة هي التي تسود، وأهم أشكالها هي “القيم الدينية والأخلاقية المتناقضة والمزدوجة التي نعيشها اليوم، بسبب انتصار النظام الطبقي الأبوي في الحضارة الأوربية الغربية والشرقية جراء انهزام الحضارات القديمة”[5]

تعطي الدكتورة بعض المعطيات التي تفسر النتائج التي آلت إليها الأوضاع الاجتماعية والقيم الدينية والأخلاقية التي نعيشها حاليا أهمها فلاسفة العبودية الذين وضعوا الأسس الفكرية والدينية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية للحضارة الحديثة وعلى رأسهم أرسطو )384-322 قبل الميلاد( الذي قسم الموجودات في المجتمع إلى قسمين وهو تقسيم مجحف وظالم لبعض فئات المجتمع.

لطالما شكل أرسطو نموذج للفلسفة العبودية والقامعة للجسد الحسي الملموس متّبعا التفاسير الذي قدمه أساتذته السابقون كون الجسد ناقص وغير كامل، وأنّ الروح هي الثابتة والمقدسة.

إن أصحاب هذا الفكر المثالي لطالما وضعوا العقل أو الروح في تناقض مع الجسد، يجعلون العقل  أسمى  من الجسد، لكن السؤال من حامل هذا العقل أليس هو الجسد نفسه؟

اعتبروا الفكر هو الأصل والحقيقة، أما الوجود المادي فهو الفرع وليس الأصل، لكن وجود حقيقة طوباوية، غير ملموسة واقعيا كيف يمكن أن تكون لها أحقيتها؟ ناهيك عن اعتبار الرجل في نظرهم هو العقل والأصل والمرأة النقيض لكن كيف يمكن وجود الرجل دون امرأة؟

لاشك أن أصحاب هذا الفكر المثالي متناقضين، وكل من يقرأ لهم بجد ذلك، بل بجد أكثر وهو تكريس لفلسفة عبودية، ما  معنى أن  ينظر إلى العبيد والنساء كمخلوقات أدنى، وجعلهم ضمن الأشياء {وليس الأشخاص} التي يملكها الأسياد الرجال الملاك، وهذا ما نظر له أرسطو في فلسفته التي تتداول  بين الناس:

– الأشخاص، وهم الأسياد الرجال الملاك الذين خلقوا للأنشطة النبيلة والمعرفة الفكرية والفلسفية.

-الأشياء، وهم العبيد والنساء والحيوانات الذين خلقوا للأعمال الجسدية حسب طبيعتهم، وخلقت المرأة بطبيعتها من أجل الولادة لحفظ النوع.

إن عملية إخضاع النساء والعبيد وتدمير الحضارات القديمة التي قامت على احترام المرأة، بعد معارك متعددة وانهزام القيم الإنسانية القائمة على المساواة بين البشر وانتصرت القيم  التي تفرق بين الناس على أساس الدين فالعقيدة والعرق…لا يمكن أن يؤدي إلا إلى انبعاث القيم الدينة والأخلاقية المزدوجة والمتناقضة  التي نعيشها اليوم، وتفشي ظاهرة الاحتكار الأبوي للنسب والشرف والأخلاق والدين ومعه الاقتصاد والسياسة لذلك رأت الدكتورة السعداوي أنه لا يمكن أن نكتب بحثا يتناول “المرأة والدين والأخلاق” دون أن ندرك الأسباب الحقيقية وراء طرد النساء من الفلسفة والدين والحكم والأخلاق، وفرض قوانين عليهن مجحفة في حق الانسانية، لضمان استغلالهن جسديا وعقليا تحث سيطرة الأب أو الزوج.[6]

2- من هي المرأة الصالحة؟

أول مفهوم تطرحه الدكتورة هو الحجاب الذي يحمل معاني متعددة أهمها،  الحجاب المادي أو الروحي، الذي يحجب النساء عن الحياة، والسياسة والدين والأخلاق…فإذا كان الحجاب يرمز للأخلاق حسب بعض الفئات والأحزاب السياسية الذي يسيطر عليها الفكر السائد الذي يميز الرجال عن النساء، فإن الدكتورة تعتبر هذا النوع من الحجاب الذي يخفي جسد المرأة وعقلها وروحها وشخصيتها تحت مسمى الدين، وتفرضه التربية داخل البيوت والمدارس والأحزاب السياسية التي يسيطر عليها المعتقد العبودي، لا يمكن أن يعبر إلا “على الحجاب العقلي الذي يصعب اختراقه وتحريره أحيانا إلى أفكار أكثر تقدما وسلوك أكثر انسانية”.[7]

إن أسباب السلوك الانساني هو الاحترام المتبادل بين البشر رغم الاختلاف، وعلى هذا الأساس تعطي الدكتورة المثل بأبيها الذي تصوره في نموذج الزوج الصادق والمخلص لأمها من خلال احترامه الكبير لزوجته، حيث يساعدها في إعداد مائدة الطعام، وينادي زوجته أمام الناس بلقب زينب هانم، يرتب ملابسه بنفسه، ولا ينتظر منها أن تخدمه أو تسليه بالحكايات حتى ينام، مثل الملك شهريار الذي كان مثار السخرية عند الأطفال لأنه أكثر من الأطفال طفولة، لأنهم تعودوا على النوم وحدهم دون حكايات كما اعتبرت الدكتورة نوال أن أسطورة شهرزاد نموذج المرأة الضعيفة، لأنها كانت بلا عمل، ولا ينحصر شغلها سوى في تلهية زوجها بالحكايات متل الجواري.

إن نموذج المرأة القوية والصالحة عند الدكتورة نوال هي المرأة المستقلة اقتصاديا واجتماعيا، وحرة في أفكارها ومسؤولة عنها، أما خرافة شهرزاد لطالما شكلت جزء قاصر لنموذج ضعيف للمرأة حيث لا تكمن قوتها إلا في أنوثتها وأمومتها وقدرتها بالمكر والخداع والحيلة وهذا ما يؤخذ به في المتخيل الاجتماعي أن المرأة لا يمكن أن تكون سوى مخادعة ومحايلة للرجل، وكأن الرجل منزه عن كل ذنب وهو الذي تقع ضحيته آلاف النساء بسبب دوافع الثقة والحب، حتى أصبحت المرأة  الآن أو في الماضي مضطرة للتفكير كثيرا قبل أن تواعد شخصا.

إن دوافع الناس الخبيثة لا تشمل النساء دون الرجال ولكن الانسان بطبعه ميال للعنف وضحية غرائزه السيئة إذا لم يعقلنها ويوجهها إلى ما يقبله العقل والمنطق.

إن المرأة الجميلة والمخادعة والماكرة، لا تشكل كيان المرأة في بعده الإنساني والأخلاقي كما تروج له السينما والقنوات التلفزيونية بقدر ما تشكل جزء ضعيف وواهي من ثقافة المجتمع العربي والغربي الذي لطالما اعتبر جسد المرأة نموذج للحصول على المتعة والتسويق التجاري، ولا يمكن طبعا أن نعتبر هذا النموذج من النساء هو المرأة في أبعادها الانسانية المتحضرة.

لطالما كانت الدكتورة نوال السعداوي ضد الحكايات الخرافية التي تحكى للأطفال والتي تحصر المرأة في قالب جسدها وأنوثتها وأمومتها فقط، مثل، “شهرزاد الذي اقتصر دورها فقط على التحايل على زوجها دون القدرة على تحويله من سفاك للدماء إلى إنسان متحضر، حيث لم تغير من سلطة زوجها المطلقة في الدولة والعائلة بقدر ما تحايلت عليه من أجل الكف عن سفك دماء البنات البريئات، دون أن يكف عن السلطة المطلقة.[8]

لقد ظل السيد المطاع دون مناقشة، وظلت شهرزاد تحت طاعته تلعب دور الجارية والعشيقة وتحكي له الحكايات كالطفل المدلل حتى ينام، حتى زادت من قدرته على فرض السيطرة وتمكنه من السلطة المطلقة.

لقد اختُصر دورها في هذا الجزء الثانوي من مهام المرأة وهو الطاعة، دون أن تعالجه من مرضه وهوسه بالسلطة بل زادته تدليلا بإنجابها  له ثلاثة أبناء ذكور لتشبع ذكورته حتى الثمالة.

إن أبرز ما يميز شهرزاد حسب الدكتورة نوال هو دافعها الجنسي، الذي يشكل مصدر دهائها ومكرها للسيطرة على الرجل، وهنا تكمن الخطورة وهي أنها علمت الانسانية وهما وهو كيف تسيطر على الرجال بالمكر والخداع والمراوغة، وليس بأشرف السبل وهي المواجهة والشجاعة والمنطق، كما اعتبرت مثالا للمرأة والتي ينحصر دورها في الأمومة وانجاب الذكور، والدافع الجنسي ، وهي دوافع لطالما كان منبعها هو العبودية، حتى لا ترى المرأة نفسها وقيمتها وأخلاقها خارج سور الرجل.

نرجع لسؤالنا من هي المرأة الصالحة؟

لقد مجدت الديانة المسيحية عذرية الأم الطاهرة مريم، حيث، “أصبحت العذرية مقدسة يجب ألا تفقدها المرأة الصالحة وذات الأخلاق الحميدة، أصبحت العذرية مقدسة في حياة النساء فحسب وانطلق الذكور يمارسون الجنس قبل الزواج وبعده، دون القيود المفروضة على النساء”.[9]

إن هذه الازدواجية الأخلاقية جزء أساسي من القيم الطبقية الأبوية التي تقوم على النسب الأبوي فقط، يقتضي هذا النسب الأبوي ألا يتشكك الرجل في أبوته للأطفال، ولإزالة هذا الشك يفرض المجتمع تقييدا على حركة المرأة بالمفاهيم التي تفرض عليها، مثل العذرية قبل الزواج، والزوج الواحد بعد الزواج، أما الرجل الذكر والفحل حسب المجتمع، فمن حقه المطلق تعدد الزوجات والطلاق وإشباع شهواته الجنسية دون قيد، لأن ذلك لن يؤدي إلى خلط الأنساب أو عدم معرفة اسم الأب…

ومن أجل التأكد من الأبوة لابد من قانون الاحتباس المفروض على النساء في بلادنا حتى اليوم، ولابد من قوانين للأحوال الشخصية تقوم على سيطرة الرجل على زوجته وامتلاكه لجسدها وعقلها واحتباسها عند اللزوم، فلا تسافر إلا بإذنه، ولا تخرج من البيت للعمل إلا بإذنه…إلخ

لهذا اقترنت المرأة المثالية في نظر المجتمع، بتلك “المرأة المطيعة الخاضعة لقانون الطاعة، المرأة التي تضحي بعملها ومستقبلها وإبداعها من أجل طاعة زوجها، المرأة المستكينة القابلة لوضعها الأدنى بالنسبة إلى زوجها دون مناقشة أو جدل، التي تخضع لقانون الاحتباس، والتي تصبح عاهرة إن خرجت لعملها دون إذن زوجها”.[10]

ثاني مصطلح تناقشه الدكتورة نوال هو الزواج، فلازلنا لحد اليوم نلاحظ فلسفة الزواج تقوم على طقوس تجارية، جسد المرأة مقابل مهر {الصداق} يعطى لها وكأننا لا نجمع بين قلبين تواعدا على حب بعضهما في السراء والضراء، مع احترام بعضهما البعض في حقوقهما وحرياتهم الخاصة، وإنما يثم التأسيس لفلسفة عبودية  قديمة التي تجعل الرجل مالكا لزوجته، كأي غرض أو شيء يدخل ضمن أملاكه، لكن الزوجة لا تملك زوجها، لأن السيد يملك العبد لكن العبد لا يملك السيد.

تقول الدكتورة “منذ نشأة العبودية أو الرق في التاريخ اندرجت الزوجة ضمن أملاك زوجها من عبيد وماشية وأشياء أخرى، أصبحت المرأة شيئا أو جسدا يملكه زوجها، أما هذا الأخير فهو يملك جسده ونفسه، لأنه إنسان وليس شيئا”[11]

لطالما تغنى الزوج بفحولته في زواجه الأربع، معتبرا نفسه أنه يقدم معروفا للنساء في احتضانهن تحت سقف واحد، ورجل واحد، وجسد واحد باسم الشرع والقانون والأخلاق، وهل هناك شيء ضد الأخلاق أكثر من إجبار المرأة على الحياة مع رجل مكروه، عجوز، عاجز…إلخ لمجرد الانفاق عليها؟ وما هو الفرق بين أن تقدم جسدها لزوج مكروه مقابل قروشه وبين البغي التي تبيع جسدها؟ لأن الأساس في الأخلاق هو أن يملك الانسان جسده وعقله وتكون له الحرية دون وصاية أحد، كما أن الأخلاق لا يكون إلا بحرية الاختيار، أي المسئولية، أما الزواج  تحث مسميات المهر والعذرية والإجبار والوصاية، فهي ليست أخلاق بقدر ما هي خضوع لسلطة جسد )الزوج( لفعل ما يريد في جسد المرأة الذي من المفروض أن تكون لها الأحقية والأولوية لفعل بجسدها ما تريد قبل تسليمه لغيرها.

تكون المرأة في هذه الحالة مجرد شيء وكأي غرض يصبح من ملك الزوج، على عكس الزوج الذي يحتفظ بحقه في جسده يمنحه لمن يريد، من نساء أخريات خارج إطار الزواج.

لهذا نسمع الصراخ حسب الدكتورة نوال حيث تحدث محاولة صغيرة لتغيير هذا الوضع الذي يشيء المرأة كإنسان ويتعارض مع جميع حقوق الانسان ونماذج هذا الوضع كثيرة لا تحصى:

يتغنى الأستاذ والباحث الأكاديمي بحقوق المرأة وحريتها في العلن وداخل محاضراته الفصلية في الجامعة، ويخرج مع إحدى ضحاياه من طالباته في الخفاء، يستغل ضعفهن ومكانتهن الاجتماعية المتدهورة باسم الحرية، حتى يجد سبيلا لإرضاء عجرفته وغرائزه الجنسية، ولا يكون ذلك إلا على حساب سذاجة الطالبات التي في نظرهن أن الأستاذ حامل لواء الثقافة والعلم، وبالتالي لا يمكن أن يضمر الشر لهن، لكن مع الأسف هم الفئة الأكثر وحشية وهمجية في تشيئ من قيمة المرأة متخفين بذلك وراء الثقافة الفكرية، وطبعا من يشكك في رجل العلم  الذي يقضي جل أوقاته بين الكتب والمحاضرات وصاحب سلطة معرفية؟! أو الرجل السياسي الذي يتغنى بحقوق الانسان والشعب أمام المنابر الاعلامية لكنهم لا يقومون في صريح الأمر إلا بتمهيد الطريق للوصول إلى المرأة، بحجة أنهن بالغات قانونيا وأن الدستور يضمن لهن الحق في الحريات الفردية من ضمنها) الحرية في الجنس(، وكم من أخبار نقرأها ونسمعها يوميا من هذا القبيل.

إذن الجميع يتغنى بحقوق الانسان، في كل مكان فإن أصبحت المرأة ضمن هذا الانسان فزعوا وصاحوا “أمسك المرأة باللجام وإلا أفلتت من الحبس أو الاحتباس”

نحن في القرن الواحد والعشرين، ومن المعلوم أن في تاريخ كهذا، قد انتشرت بما يكفي حقوق الانسان على شكل قوانين تكفل لكل فرد حق امتلاك جسده وعقله ونفسه، وحقه في العمل بأجر محترم، وحقه في السفر، والتنقل دون قيود… وأصبح كل فرد اليوم واعي بفضل هذا الانتشار بحقوقه وواجباته، إلا أن المرأة في أغلب البلدان العربية، مازالت لم تعد إنسانا بعد، في نظر أغلب الرجال بل في نظر النساء أيضا. فالنساء السعوديات لم يعطى لهن الحق في السياقة إلا مؤخرا.

تقول الدكتورة، “إن قضية حرية الانسان الرجل والمرأة هي جوهر الدين الصحيح والقانون الصحيح. إن الحرية حق من  حقوق الانسان وليست منحة يعطيها الزوج لزوجته، وتكتسب المرأة حريتها بمثل ما يكتسب الرجل حريته.”[12]

هناك آيات من كتاب الله والأحاديث النبوية تساوي بين النساء والرجال، مثل الآية القرآنية “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”: سورة النساء الآية (1). إن كلمة نفس واحدة هنا حسب اجتهاد الدكتورة السعداوي تعني أن الأنثى مساوية للذكر لأنهما من نفس واحدة. وآية قرآنية تقول “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ  إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”. سورة الثوبة، الآية (71).

إن عبارة، بعضهم أولياء بعض، تعني، “أن النساء والرجال بعضهم أولياء بعض، أي إن الولاية من شأن النساء والرجال وليس من شأن هذا الأخير وحده”.[13]

لقد كانت التفاتة جريئة من الأستاذة نوال السعداوي على اجتهادها الخاص في فهم النصوص وتفسيرها حتى لا يبقى تفسير النصوص الدينية محتكرا على فئة رجال الدين، وهذا ما أشارت إليه الدكتورة نوال باعتبار “الحركة الفكرية المستنيرة ظلت ضعيفة سياسيا، بحيث لم تستطع بعد تنظيم نفسها داخل قوة اجتماعية وثقافية قادرة على مد التيارات السياسية الدينية التي تحاول تكفير كل من اجتهد في الدين والتي تعاونها في كثير من الأحيان القوى الدولية والعربية، التي تسعى لاستخدام الدين سلاحا ضد الفقراء والنساء”.[14]

إن التاريخ يشهد أن الأديان كانت ولا زالت جزء أساسي ومهم من الصراح السياسي حول السلطة والتحكم في عقول وأجسام الناس من الفقراء والنساء.

إن الدين لطالما كان حلا ليس بضعيف يلجأ إليه الحكام للبطش بالثائرين من النساء والرجال، باعتبار الحاكم ورجال الدين هم الأعلم بالشريعة ، وقد اختارهم الله دون سائر البشر ليفسروا الناس كلام الله.

3-علاقة الأخلاق بالدين أو السياسة:

ترتبط علاقة الأخلاق بالدين والسياسة بمجموعة من الأسئلة والاشكالات الجوهرية التي كانت طرحتها الدكتورة نوال على الرأي العام ولاقت جراءها مهاجمة من طرف القوى السياسية والدينية.

تتعلق هذه الاشكالات بظاهرة الاغتصاب التي كانت وما تزال المرأة هي من تتحمل مسئولية ذلك الفعل الشنيع والجرم الذي يرتكبه الرجل في  حقها، فإن اغتصبها هذا الأخير ضد إرادتها، تصبح هي المتهمة الوحيدة، فقط لكونها أنثى وتحمل من غشاء  بكارتها، ما لا يحمله الرجل في جهازه التناسلي وهو مقياس الشرف في أغلب البلدان حتى اليوم، ناهيك عن ما تتحمله الفتاة من معاناة جراء دفعها من طرف عائلتها أو المجتمع إلى الزواج من مغتصبها حفاظا على ما يسمى شرف العائلة في مقابل حماية الجاني من عقوبة القانون الحبسية لأنه تحمل مسئولية فعله بالزواج من الفتاة، وإن  كانت إلا مسؤولية واهية لا علاقة لها بالأخلاق والمبادئ الإنسانية القائمة على العدل، لأنه لو كانت هناك تربية أخلاقية عادلة لفكر الرجل ألف مرة قبل الاقدام على اغتصاب أحد في حقوقه.

إن قضية العدل حسب الدكتورة نوال، ” ترتبط بجوهر الأخلاق وعدم ازدواجية المقاييس. إن قضية العدل تعني القضاء على جميع الازدواجيات في حياتنا الخاصة والعامة.”

نقصد من ذلك أن مفهوم الأخلاق أو الشرف بعيد كل البعد بغشاء رقيق  في جسم البنت، يمكن إعادته سليما بعملية جراحية بسيطة، لأنه معيار واهي وضعيف جدا ما دام ينعدم عند الرجل هذا الغشاء.

كما أن للفتاة التي اغتصبت، الحق الكامل في طفلها ولا تجهضه.. فهل نفرض عليها الإجهاض؟ لماذا نسلبها حقها الأمومي، ولطالما تغنى الفقهاء بالجنة تحت أقدام الأمهات لمجرد أنها التقت صدفة مع رجل هرب من مسؤولية الأبوة؟ ولماذا يعاقب طفلها بالموت أو العار ويحمل لقب طفل غير شرعي، لمجرد أن الأب  لم يعترف به؟ أوليس لاسم الأم شرف، هل الجنس يحلل داخل إطار وثيقة توقع بين طرفين {زواج} ويحرم خارج هذا الإطار؟

تظل أسئلة بلا أجوبة في معظم البلدان، دون التفكير في إعادة النظر فيها من حين لآخر؟

إن الشرف الحقيقي حسب الدكتورة نوال السعداوي والأخلاق الحقيقية، يتعلق بفعل المرأة والرجل بقدرتهما على الدفاع عن العدل والحرية والصدق، “إن شرف الانسان المرأة والرجل واحد، والأخلاق لابد أن تكون مقاييسها واحدة وإلا انعدمت الأخلاق”.[15]

طبعا من خلال ما سبق تنفي الدكتورة ربط الأخلاق والشرف بصفة بيولوجية تولد بها البنت أو لا تولد بها، لأن في الطب حسب الدكتورة، يمكن التأكد أن نسبة غير قليلة من البنات يولدن من دون غشاء بكارة أو بغشاء رقيق يتمزق لأسباب لا علاقة لها بالجنس.

4- على أي أساس يقوم الدين الحق؟

أقدس ما يمكن معرفته حول الدين هو أن الله هو العدل والحرية، لكن ما يفرض في التربية داخل البيوت والمدارس والجامعات أنّ الدين الحق هو النصوص الثابتة في الكتب الدينية والتي يحتكر تفسيرها وتأويلها قلة من الرجال من ذوي اللحي الطويلة، يحتكرون المناصب الهامة في الدول المتصلة بالسلط الحاكمة، يرتزقون جراء ما يقدمون من تفسير ديني لآية مقدسة، ويحظى منهم بلقب صاحب الموعظة والفضيلة، يُحرّمون الزنا  لكنّهم يمارسونها في تعدد العلاقات الجنسية وينتقلون من امرأة إلى أخرى في الفراش تحت اسم تعدد  الزوجات.

بعيدا عن هؤلاء، لطالما كان الدين بكل بساطة هو العدل والحرية والمساواة بين البشر، ولا فرق بين ذكر وأنثى، حاكم أو محكوم فلا يمكن أن يفهم من هذه الآية، “إن الذكر مثل حظ الأنثيين”، إلا أنهما متساويين في جميع الحقوق ومنها الميراث أو كما اعتاد الصوفية القول، إن أفضل مكان لإيجاد الحق هو القلب وليس في النص أو الكتاب الذي يخرج من المطبعة بأموال الحكومة.

إنّ التاريخ متغير، ومتطلبات العصر يحتاج التجديد والمواكبة، لكن النص ثابت فلمن الأولوية؟

تخبرنا الدكتورة، “إن تعارض النص مع المصلحة غلبت المصلحة، لأن النص ثابت والمصلحة متغيرة”.[16]

تشير الدكتورة أيضا إلى مسألة، “الولاية التي لازالت محرومة منها المرأة، رغم أهليتها في احتكار مناصب هامة كالوزيرة والطبيعة التي تنقد آلاف الأرواح من الموت، لكنها تظل محرومة من إعطاء جنسيتها أو اسمها أو دينها لأطفالها، بل تظل حتى محرومة من حق الولاية  داخل الأسرة”.[17]

5- تحرير النساء وتحرير الوطن، أيهما أولى؟

يكشف علم السياسة أنّ العبيد أو النساء لا يمكن أن يتحرروا دون الوعي الصحيح والتنظيم السياسي القوي السليم، غير أن تحرير النساء تعد قضية ملحة وهامة، مثلها متل القضايا الوطنية أو السياسية والاقتصادية الملحة، فلا يمكن نكران أن فئة النساء تشكل نصف المجتمع، وكما هو واضح يتعرضن مثل إخوانهم الرجال لأزمات اقتصادية وسياسية ووطنية ملحة  أو الفقر والبطالة، ولا يمكن تجاهل قضية تحرير المرأة وتأجيلها إلى ما بعد الانتهاء من طرد الاستعمار والقضاء على مشكلات المجتمع التي لن تنتهي أبدا.

السؤال الذي طرحته الدكتورة نوال السعداوي: هل يمكن تحرير الأرض والاقتصاد في بلادنا العربية دون تحرير النساء، نصف الشعوب العربية؟

فالجواب معروف وهو “لا يمكن ضمان ارتقاء الأمم وتقدمها دون مصالحة واضحة مع قضية النساء، واعتبارها قضية عامة تهم الوطن كله، ولا تقتصر على المرأة فقط، ومن يؤيد هذا الفصل لا يمكن أن يكون إلا معادي لحقوق ومصالح نصف شعوب الأمم، حيث غالبا لا يأتي الفصل بين قضية المرأة وقضية الوطن إلا من الأحزاب السياسية المعادية لمصالح الوطن ومصالح النساء في نفس الوقت”.[18]

إن تحرير النساء حسب الدكتورة نوال السعداوي، “لا ينفصل عن تحرير الوطن، لأنهن نصف هذا الوطن ولا يمكن تحرير الوطن دون تحرير النساء.”[19]

6- ضرورة فصل الدين عن حياة النساء والدعوة نحو التقدم:

إن التغير الاجتماعي والاقتصادي اليوم يفرض علينا ضرورة التغيير الأخلاقي، والديني لبعض المفاهيم التي لم تعد مسايرة لما يشهده العالم من تطور، فلم تعد المرأة غير المتزوجة محتقرة في نظر المجتمع لأنها تعيش من دون رجل بل حرة ومستقلة، وواعية أن الحياة تستمر بدونه، وقادرة على تسييرها كما تريد وترغب دون وصاية أحد عليها.

لقد اعتبر نموذج المرأة من دون رجل أو زوج، أكبر تحدّ للثقافة الذكورية، وكلما كان اختيار المرأة لهذا النموذج تابعًا من إرادتها الحرة وقناعتها الشخصية وليس مفروضًا عليها، زاد اضطهاد المجتمع الذكوري لها.

لم يعد الانجاب أو الأمومة هو الذي يكسب المرأة  قيمتها واحترامها، بل “عملها المنتج في المجتمع وأصبح بفعل وعيها بحقوقها، لا تسعى وراء رجل من أجل أن يعيلها تحت شعار الزواج، بل أصبحت قادرة على اختيار شريك حياتها لأنها تبادله نفس مقدار محبته ويحترمها كإنسانة مساوية له في جميع الحقوق والواجبات، وهكذا يؤسس الزواج على الحب والعدل والحرية، وليس على مقدم المهر ومؤخره، وغيرها من الأمور المالية”.[20]

ومن أهم مناحي التقدم والرقي التي وجب أن تصل إليه كل امرأة هو تحرير الزواج كرابط مقدس من أي روابط مادية، فالزواج القائم على الهدايا والأموال، لا يختلف في جوهره عن البغاء، أو الجواري التي تهدى للأمراء مقابل المال في عهود سابقة، أو الطالبة التي تقدم جسدها لأستاذ متملق داعي لحرية المرأة والديمقراطية وصون كرامتها نهارا ومتنقلا بين أجساد طالباته ليلا مقابل نجاح مزيف في فصل أو مباراة، أو مساعدة بسيطة يقدمها لها، ولو تحلت الطالبة بقليل من المسئولية لساعدت نفسها دون وصاية أحد عليها ! أو رجل أعمال الذي يضمن زوجة في بيته بعقد رسمي، ويذهب ليجرب حظه مع غيرها من كاتباته…أو ..إلخ.

فأخلاقيا أي رابطة مبنية على المال، يذهب ويضيع في المال في نفس الوقت، فنحن نلاحظ كل يوم في الزواج في أغلب البلدان العربية، ما يصرف من مبالغ مالية في الهدايا والطقوس الاجتماعية  والثقافية التي يتميز بها كل بلد، وهذا يكشف لنا بكل وضوح كيف تبنى الأسرة المقدسة على أسس مالية بحثة، خالية من كل مبادئ الأخلاق أو الحب والاحترام.

طبعا ماذا ننتظر من رجل يقدم مهرا ماليا لأسرة الفتاة، وكأنه يقتني غرضا ما ويتفاوض على ثمنه، أن يؤسس أسرة جميلة ومحترمة؟ بل إن ما يؤسس على المال، يضيع في المال أيضا، وهذا يفسر لنا سبب سيطرة الرجل على المرأة، فبديهي أي شيء نشتريه بمالنا نمتلكه ونستخدمه كما نشاء.

طبعا ما طمحت إليه الدكتورة ومسانديها هو التنبيه إلى أن هذا الزواج بشكله التقليدي، )الطبقي الأبوي(، لم يعد صالحا مع تطور المجتمعات البشرية الجديدة، وأن هناك ضرورة لتغيير هذه القيم الطبقية الأبوية التي أطلقت العنان لأهواء الرجال وشهواتهم الجنسية، لأنّ تعدد العلاقات الجنسية في حياة الرجال مباحة في ظل النظام السائد القائم على النسب الأبوي.

إنّ القيم الأخلاقية والدينية المتوارثة والسائدة ظلت تّمتع الرجال حريات  جنسية تتناقض مع مسؤولياتهم تجاه الأسرة والرابط الزوجي المقدس.

إنّ الواجب الأخلاقي يحثُّ الرجل، “على تحمل المسؤولية الجديدة القائمة على الحب والحنان، وليس الانفاق أو الواجب المالي من أجل السيطرة على الزوجة، بل أصبح واجبا في ظل هذا التطور التاريخي أن يتميز مفهوم الأبوة ببعد إنساني أكبر”[21]

تختم الدكتورة نوال السعداوي الجزء الأول من الكتاب، “المرأة والدين والأخلاق” بمناشدة حلم مستحيل تحقيقه، وهو افتراض أن يتحلى رجال الدين الاسلامي في يوم من الأيام ببعد إنساني ويعلنوا الصفح والمغفرة عن أخطائهم وإساءتهم معاملة الفقراء من البشر والنساء جراء ما اقترفوه من آثام وذنوب التي لا تقل خطورة عن جرائم الكنيسة الكاثوليكية بسبب خضوعهم للسلطة السياسية والاقتصادية على مر العصور…ولنا في هذا القول الأخير رأي مخالف لما ناشدته الدكتورة والمجال هنا لا يسمح للتفصيل فيه، ريثما تكون لنا فرصة قريبة لنخصص له مساحته الهامة.


الهوامش

– د:  نوال السعداوي، المرأة والدين والأخلاق، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط 1 ، رجب 1421 هجرية، تشرين الأول،)أكتوبر ( سنة 2000 ص 59- 60

2- نفسه ص 15

3-  نفسه ص 16

4- نفسه ص 19

5- نفسه ص 25- 26

6- نفسه ص 26-27

7- نفسه ص 28

8- نفسه ص 29

9- نفسه ص 34

10- نفسه ص 38

11- نفسه ص 40-41

12-  نفسه ص 43

13- نفسه ص 73

14- نفسه ص 73

15- نفسه ص 49

16- نفسه ص 52

17- نفسه ص 53

18- نفسه ص 67

19- نفسه ص 71

20- نفسه ص 110

21- نفسه ص 113


مرجع: الدكتورة نوال السعداوي، المرأة والدين والأخلاق، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط 1، رجب 1421 هجرية، تشرين الأول،)أكتوبر ( سنة 2000

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.