العولمة والتجديد الفكري

0

 

تلقيت، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عدة دعوات لتقديم محاضرات حول المثقف ودوره في عالم متغير، وما أشبه هذا من الموضوعات الدالة على قلق الأسئلة التي بات يفرضها علينا الواقع العربي من إكراهات وتداعيات.

ما كنت أعبر عنه في ما تحقق من تلك الدعوات، وهو ما سأكرره فيما سيأتي، هو أن الموقف المثقفي السائد من التطورات التي يعرفها العصر العربي، بصورة خاصة، يهيمن عليه التشاؤم واليأس والشعور بالإحباط والعجز.

وأمام المثقفين الذين يفكرون في المستقبل أن يلعبوا دورا كبيرا في التحفيز على التفكير النقدي الإيجابي، وعلى الدعوة إلى تجديد الأسئلة، ومتابعة الأدبيات الغربية التي ترمي إلى فهم التطورات الجديدة التي بات يعرفها العالم في ضوء ما يختزل في “العولمة”، ليس بهدف استنساخها وتكرارها، ولكن بغية التفكير فيها، والعمل على استيعابها جيدا، بقصد تمثلها والانطلاق منها، في تقديم مقترحات، وطرح أسئلة للنظر والعمل، بما يتلاءم مع موقعنا من تلك التحولات.

إن الصورة القاتمة للواقع العربي المعاصر، وما تقدمه لنا مختلف الوسائط الجماهيرية، والشعبية الجديدة، تكشف بالملموس أننا نعيش ظروفا لم يسبق للعرب أن عاشوا مثلها في حقب سالفة. لقد تبخرت كل الآمال والأحلام التي بدأت في التشكل منذ ما يعرف بعصر النهضة العربية. وكلما حدثت تطورات جديدة على أي مستوى من المستويات، وفي أي قطر عربي، نجد أن ما مضى، وقد كان مرفوضا في إبانه، يعتبر أحسن، وأفضل من الحال، ومما ما هو آت! إننا نتطور نحو الأسوأ، والأفظع، وليس ثمة من مزيد. إن التدهور، والتشتت، والفساد، وانسداد الأفق لم يبق السمة التي نلصقها بالحاكم، ولكنه امتد ليشمل الأحزاب والنقابات، والمجتمع المدني، والأفراد.

يرجع الكثيرون ما طرأ من تحولات سلبية إلى العولمة، وقد صرت أراها تتجسد من خلال بعض الكتابات، وكأنها ساحرة ماكرة لا تني تلقي بتعاويذها الجهنمية على العرب فلا تزيدهم إلا فسادا وتأخرا. فهي المسؤولة عن كل كوارثنا المعاصرة، وكأننا كنا في الأمس القريب نعيش في عالم وردي؟ يتناسى الجميع في حمأة التحليلات المتسرعة، والأفكار الجاهزة، سنوات الرصاص، وعقود الأنظمة الاستبدادية والاستخباراتية والعسكرتارية، وآثارها المدمرة للآمال والأحلام، ويقدمون “العولمة”، وكأنها هي التي تدمر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العربية.

ومن بين ما يتم التركيز عليه في هذه العولمة، يختزل، في وسائل التواصل الاجتماعي التي تحققت مع الجيل الثاني من الفضاء الشبكي. فبما أن الوسائل كانت وراء “الربيع العربي”، يرى هؤلاء أنها لم تجر علينا، لأنها وليدة العولمة سوى الويلات والمزيد من النكسات، ويرثي الزمن الضائع التي كانت فيه الأحزاب والنقابات قوية ومتماسكة.

كان الربيع العربي صرخة في وجه العنف الذي مارسته الأنظمة والأحزاب. جاءت تلك الصرخة لتقول: لقد سئمنا كل الكلام الذي قيل لنا منذ حصولنا على الاستقلال. لكنها كانت صرخة في واد، تركوه قفرا، فتوالي العنف والتجهيل الذي مارسته السلطات المختلفة والمتعاقبة أدى إلى تشكيل إنسان غاضب وحاقد، ولكنه غير قادر على الفعل. وجاءت الوسائط الشعبية الجديدة لتبرز من خلالها تلك الصرخة المبحوحة التي كان التعبير عنها، سابقا، يتم بتوجس وخوف شديدين على جدران الأحياء الخلفية، أو في المراحيض العمومية!

تغير الزمان، وتغيرت الوسائط، وليست “العولمة” سوى نتيجة طبيعية في تاريخ البشرية الحديث. إنها حقبة جديدة لا تختلف عن الرأسمالية والإمبريالية. فإذا كانت الإمبريالية وليدة الثورة الصناعية، وصاحبتها أفكار جديدة، جاءت ثورة التكنولوجيا الجديدة مع الرقميات لتضعنا أمام أفكار جديدة مختلفة. وحين نفكر في عصر جديد بأفكار وليدة عصر آخر نقع في الاجتزاء وسوء الفهم، وأخيرا في التشاؤم، وفي الحنين إلى الماضي (السلفية المثقفية).

إن الأفكار، والإيديولوجيات مثل أي كائن حي، تحيا وتموت، وما مات منها لا يمكن إعادة الحياة إليه، مهما نفخنا فيه من روحه. الأفكار التي ورثناها نحن جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي هي وليدة الثورة الصناعية، أي وليدة القرن التاسع عشر. هذه حقيقة علينا أن نعيها جيدا. نحن نعيش بدايات تحولات الثورة التكنولوجية الجديدة. وهذه الثورة مست العالم برمته، وجعلت الوقائع والأحداث مختلفة، سلبا وأيجابا، عما مضى. ما استشرفه خياليا جورج أورويل تحقق، واقعيا، في السنة نفسها (1984)، ولكن بطريقة أخرى مختلفة جذريا.

بظهور الحاسوب الشخصي في 24 كانون الثاني (يناير) من سنة 1984 لم يكن أحد يتوقع أن بإمكان أي شخص أن يتواصل مع غيره بالطريقة التي ستتحقق بعد حوالي عقد الزمان مع انتشار الفضاء الشبكي الذي أتاح للجميع فرصة إمكانية التعبير عن صوته أمام العالم أجمع. لم يبق التعبير مقتصرا على “الخاصة”، أو على “النخبة”، فكان أن “تبلبلت” الألسنة، وبرزت خطابات لا حصر لها. لكن الخطابات التي كانت تدعي امتلاك الحقيقة، والحديث بالنيابة، وجدت نفسها أمام فوضى الخطابات، فلم يعد يسمع لها رنين.

إذا اختصرنا “العولمة” في الوسائط المتفاعلة، وفي آثار كل ذلك على الاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة، لا يمكننا إلا أن نصل إلى نتيجة هي: إننا أمام عصر جديد يستدعي أفكارا جديدة. هذا العصر الجديد أثر في العالم أجمع، وليس فقط في العالم العربي. ويكمن الفرق في العوالم بحسب قدرتها على “التفكير” في هذا الجديد، وفي استطاعة الإنصات لنبض عالم قيد التشكل. كثرت الدراسات الأجنبية التي تفكر فيه بأسئلة جديدة، وبقلق معرفي. وطبيعي أن تختلف التصورات والتحليلات. لكن هناك محاولات للقبض على التحولات الجديدة.

في علاقة العرب مع العصر الجديد نجد الغياب التام لمحاولة معرفة ما يجري، لذلك نحن في بؤرته، ولكننا خارجون عنه. وهنا يمكننا الحديث عن المثقف ودوره في طرح الأسئلة لمعرفة ما جرى. وما دام المثقف متمسكا بأفكار الماضي لا يمكنه أن يفكر لأنه لا يطرح الأسئلة التي يفرضها عليه العصر. ما يعوق المثقف العربي عن التفكير هو أن هواجسه تتركز على السلطة، ولا علاقة له بمعرفة المجتمع، ولا متغيراته. إن ادعاء امتلاك “السلطة” المعرفية لا يختلف عن ممارسة السلطة السياسية لدى الحاكم العربي.

لا الأنظمة تؤمن بالحوار، واحترام الرأي الآخر، وكذلك الأحزاب، والطوائف، والأعراق. الكل يدعي، وإن كان يقول عكس ذلك، أنه يمتلك شرعية الحكم، ومصداقية التمثيل، وأصالة الهوية. وبما أن المثقف العربي الحديث وليد هذه البيئة التي تؤمن بالأفكار المطلقة، فهو يرى نفسه مالك الحقيقة التي لا يأتيها الباطل. وكل من كان يخالفه الرأي مارق، أو جاحد، أو زنديق أو متخلف. لا فرق في ذلك بين العلماني والعقلاني، والإسلامي والطائفي.

ومن يخالفنا الرأي نتهمه بالخيانة، أو خدمة الأجندات، أو التكفير، أو الإلحاد… فكيف في بيئة مثل هذه لم نترب فيها إلا على أساس أن الأنا هو من يملك الحق في كل شيء، والآخر ليس سوى الجحيم أن نبني أفكارا قائمة على النسبية، وعلى احترام الآخر كيفما كان معتقده، أو فكره، أو تصوره للأشياء، وأن بالإمكان إيجاد جسور تتعالى على المصلحة الضيقة، أو الآنية؟

العولمة دعوة إلى تجديد الأسئلة، والتفكير والعمل. واجترار الأفكار القديمة يجعلنا ضحاياها لأننا جهلناها.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.