سرديات

السرد ما بعد الحداثي: مدياته ومقوماته

مؤسسة: مؤمنون بلا حدود

  • الملخص

تسعى هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على جانب من جوانب فكر ما بعد الحداثة، المتمثل في النشاط السردي، ومن أجل وصول البحث إلى غايته؛ قسم إلى تمهيد ومحورين رئيسين:

–  أولاً: منطلقات السرد ما بعد الحداثي ومدياته؛

–  ثانياً: طبيعة سرد ما بعد الحداثي.

  • التمهيد: طبيعة موقف ما بعد الحداثي

يشكّل (الموقف بعد الحداثي) قطيعة تاريخية مع الحداثة، وقد ظهر هذا الموقف المغاير في ستينيات القرن العشرين الذي شهد العديد من التيارات الفكرية التي شكّكت في المشروع الحضاري للحداثة والتنوير الغربي. فقد حلّت في هذا القرن كوارث كثيرة على أوروبا، وعلى العالم أيضاً، مما أدى إلى زعزعة الثقة في القيم، والمثل التي دعا إليها عصر التنوير والحداثة؛ مثل العقل والحرية والعدالة والمساواة. فمنذ أوائل القرن، ظهرت فلسفات متشائمة في التاريخ وأبرزها فلسفة شبنجلر الذي رآى أنّ الغرب قد أفلس فكرياً، وأنّ الحضارة الغربية في اضمحلال.

وظهرت منذ الثمانينيات تيارات فكرية في الولايات المتحدة الأمريكية تخلت عن النماذج الكبرى أو السرديات الكبرى التي اعتمد عليها الفكر الغربي طويلاً، فظهرت التيارات، والمناهج ما بعد البنيوية، ولا سيما التفكيكية التي قدمت نقداً جذرياً لمفاهيم الذات، والوعي الذاتي، والتقدم، والحرية، وفكرة الاتصال التاريخي، وحكمت على الحداثة الغربية بالإفلاس والفشل، ووصفت موقفها الجديد ومنظورها الحديث بأنّه (ما بعد الحداثة POSTMODERNITY) قاصدة بذلك نقد المنظومة الفكرية والثقافية الغربية من موقع خارجي لا يعود إلى البدائل التي قدمتها الحداثة([1]).

ووصل مستوى رفض التفكيكية للمشروع الحداثي إلى نسف المركزية عبر إنكارها للسرديات الكبرى والحقائق الكونية والأصالة، واستبدالها بالقصص الصغرى والتأويلات الفردية، فأشهرت انحيازها المطلق للطرف المهمش، وأعلنت حربها على المركز اليوتوبي. وعندما عرف (فرنسوا ليوتارد) ما بعد الحداثة في كتابه (وضع ما بعد الحداثة: تقرير عن المعرفة) وحددها بأنها التشكيك في السرديات الكبرى؛ فإنّه شخص هوية ما بعد الحداثة التي تنزع الشرعية عن كافة الممارسات التي اكتسبت شرعيتها من السرديات الكبرى أو من الأيدولوجيات، وبدل ذلك تروج للاختلاف وعدم – المقياسية، والاحتفاء بعالم لا يؤمن بالتقدم وبالعلم الكلي – القوة، وبالغد المفرح والعقل المنتصر، وبخلاف الحداثة قامت ما بعد الحداثة بتمجيد التهجين، والتعددية الثقافية، والاختلاف، إذ تمثل ما بعد الحداثة نهاية المرحلة التي آمنت بالعلم بوصفه طريق الخلاص الوحيد، وبالتقدم والسير نحو إنسانية أفضل. فما بعد الحديث يعني التخلي عن الوهم. إنّه جمالية مكشوفة لفرد أضاع نقاط مرجعيته، فضاع في مجتمع لا مستقبل له، ودون ماض أو تعالٍ.([2])

ارتبطت ما بعد الحداثة بمجموعة أسماء أكاديمية بارزة في أقسام الأنثروبولوجيا والدراسات الأدبية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها؛ من أمثال جان فرانسوا، وِريتشارد رورتي، وميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجوناثان كالر، ويورجن هابرماس، الذين انتقدوا، وكلٌّ على طريقته، الخطاب الكبير للعقل الغربي. فضلاً عن مؤلفين أمريكيين أمثال: كليفورد غيرتز أو جيمس كليفورد اللذين شكّكا معاً في الرؤية الشمولية والعلمية للأنثروبولوجيا. أما في فرنسا، فإنّ أطروحة ما بعد الحداثة أو فوق الحداثة قد تطورت على يد بعض الأنثروبولوجيين، أمثال جورج بالندييه أو مارك أوحي.([3])

  • أولاً: منطلقات السرد ما بعد الحداثي ومدياته

شهد النقد الأدبي ما بعد الحداثي تحولات سريعة، في المنطلقات والرؤى، فتغيرت مفاهيم كانت ثابتة ومتأصلة في النقد الحداثي والبنيوي، وكان مفهوم النص الذي كان بؤرة النقد البنيوي والألسني عامة، هو أول ما تعرض للتغيير والتحويل، إذ تختلف طبيعة النص في (ما بعد الحداثة) عن طبيعة النص عند المناهج السياقية والنصية؛ النص عند ما بعد الحداثيين هو إعادة لنصوص أخرى معروفة، ولكنها تقرأ داخل شبكة جديدة من العلاقات، إذ يستعمل التاريخ ليس من أجل قراءة تاريخية، وإنما من أجل قراءة تأويلية تربط الماضي بالحاضر.([4])

ويتحول القارئ في نظريات ما بعد الحداثة إلى طرف أساس مع المؤلف في خلق التخييل السردي، فعندما يكتب المؤلف نصّاً يستجيب ضمناً لمتطلبات القارئ وتوقعاته، والقارئ بدوره يفعّل مضمون النص عبر سلسلة بالغة التعقيد من الحركات التعضادية؛ فالنص وفق منظور ما بعد الحداثيين، إنْ هو إلاّ نسيج فضاءات بيضاء، وفرجات ينبغي ملؤها، ومن يبثه يتوقع أنه فراغات سوف تُملأ، فيتركها بيضاء لسببين؛ الأول لكون النص آلة كسولة (أو مقتصدة) تحيا من قيمة المعنى الزائدة التي يكون المتلقي قد أدخلها (إلى النص)، والثاني لأن النص بقدر ما يمضي من وظيفته التعليمية إلى الوظيفة الجمالية، فإنه يترك للقارئ المبادرة التأويلية.

وهنا يشير (أُمبرتو إيكو) إلى ضرورة الخروج من عناصر التواصل اللسانية بين المرسل والمرسل إليه ومتعلقاتهما، ويرى أن عنصر المرسل إليه يختلف كلّياً عن عنصر المرسل، وأنّ عنصر المرسل إليه ليس كياناً بسيطاً، وإنما هو في الغالب نسق معقد، من أنساق القواعد، وأنّ العنصر اللساني ليس كافياً وحده، لكي يفقه المرء رسالة لسانية.([5]) وهذا يعني دحض مقولة تحويل اللغة والأدب إلى عالم ذري منغلق عند البنيوية، وهجر عدم الاكتراث بفعالية القارئ / الإنسان. لهذا تعرّضت البنيوية للهجوم في أواخر السبعينيات وعلى امتداد الثمانينيات من جانب (ما بعد البنيويين – ما بعد الحداثيين) الذين اتهموها أو صوروها بأنها محاولة علمية scientific لاختزال اللغة والأدب، وتحويلهما إلى شفرات وحسب، أو إلى مجموعات من المقابلات والتعارضات، ووصفوا مذهبهم بأنه محاولة للكشف عن الطرائق التي تستطيع النصوص أن تتجاوز بها عمل الشفرات أو قهر التعارُضات التي تقوم عليها، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق من البحث.

تنطلق المناهج ما بعد البنيوية من فعل قراءة النص، ومسؤولية القارئ في إنجاز برامج النص وتحقيقها. وتندرج التأويلية والسيميائية ونظريات التلقي والتفكيكية والنقد الثقافي ضمن هذه المنظومة. وقد بدأت رحلة النقد ما بعد الحداثي، عندما شعر نقاد الحداثة أنفسهم بالمزالق التي سقط بداخلها النقد النصي أو البنيوية، والتي تمثلت في تقديس النص، وفي إغفال العناصر والعوامل الخارجية جملة وتفصيلاً، وكذلك إغفال المرجعيات الأدبية.

وقد استشف الباحثون، ومن بينهم رواد السردية البنيوية خطر منطق التجريد التام المغيّب للفاعل البشري – على الرغم من أهمية السردية في إضفاء الروح العلمية والاعتماد على المنهج العلمي المتين وتأثيرها الإيجابي الكبير في المسار النقدي السردي – ومن أجل تدارك الوضع؛ ظهرت اتجاهات في داخل البنيوية التفتت إلى هذه العوامل حسب حاجة العملية التحليلية، منها (البنيوية التكوينية) التي يمثلها الناقد (لوسيان غولدمان). كما دعا (رولان بارت) – وهو الرائد الأبرز للبنيوية – مرات عديدة إلى إعادة تجديد لتاريخ الأدب؛ ففي أوّج عطائه البنيوي وعمله في (التحليل البنيوي للقصص)، أشار بارت إلى أنّ السردية، على الرغم من اتّكائها على الألسنية السوسيرية، استنتاجية في طريقتها؛ وذلك خلافاً للعلوم التجريبية، فيقترح بارت أن نختار أولاً أنموذجاً افتراضياً، وأن ننزل بتؤدة، انطلاقاً من هذا الأنموذج، نحو الأنواع التي تسهم فيه وتبتعد عنه في آن معاً. وبهذا المعنى، رآى الدارسون أنه يجب التساؤل عن مدى مصداقية هذه النظرية، إذا ما اكتشف أنها غير قادرة على الكشف عن تنوع موضوعات دراستها. كما أخذ على السردية تجميد الأطر الواردة في مكانها بحجة الفرضية وبحجة قطع بنية السياق. كما أخذ عليها كيفية توزيعها لدور مكونات الحكاية، تماشياً مع المبدأ القائل لرولان بارت نفسه: (الفن لا يعرف الضوضاء أو لا لغو في الفن). وقد طرحت هذه الفرضية مشكلة كبيرة إلى حد اضطر معه بارت إلى إقامة فرق بين السرد في الفنون المسماة (تماثلية)، كالسينما والحكاية المصورة، والأدب الذي يمتاز بحرية التدوين بفعل الطبيعة المجردة للغة المترابطة، ما تجعل المسؤولية أكبر. وفضلاً عن كل ذلك، رأى كثيرون، أنّ نظريات السرد تحاول اختزال الأدب والاكتفاء بدراسة الآلات السردية.([6])

وداخل المعسكر النصي أيضاً، نجد خروجاً عن الصنمية النصية، والانفتاح تجاه القارئ ونشاطه والجانب النفسي للكاتب، كما نجد ذلك عند الأسلوبية المثالية أو الاتجاه الأسلوبي النفسي عند (ليو سبيتزر)، إذ رفض (سبيتزر) التقسيم التقليدي بين دراسة اللغة ودراسة الأدب، فأقام بذلك في مركز العمل، وبحث عن المفتاح في أصالة الشكل اللساني، أو لنقل في الأسلوب. أراد سبيتزر من هذا الاتجاه الأسلوبي أن يكون جسراً بين اللسانيات وتاريخ الأدب. وانطلاقاً من تخصصه وكونه عالماً في علم النفس واللغة – وهو نمساوي – قام بتطبيق آراء فرويد في التحليل النفسي على عدد من الأدباء، من خلال منهج ابتكره وأسماه (الدائرة الفيلولوجية)، والذي يقول عنه في مقالته (اللغويات والتاريخ الأدبي): إنّ المهمة الأولى التي يجب أن نبدأ منها تتمثل في الانطلاق من السطح إلى مركز الحياة الداخلي للعمل الفني، مع ملاحظة التفاصيل التي تظهر على سطح عمل معين، ثم تصنيف هذه التفاصيل إلى مجموعات، وإيجاد منهج للبحث عن أساليب تكاملها عند صدورها عن مبدأ خلاق يكون كامناً في نفسية الفنان، وأخيراً نعود أدراجنا لدراسة هذا (الشكل الداخلي) وتحليله عند الفنان، ومدى انطوائه على جميع الظواهر الأسلوبية التي رصدناها في المراحل السابقة.([7]) وقد جهد سبيتزر في التوفيق بين ذاتية القراءة والصرامة المنهجية([8]). ويمكننا أن نذكر أيضاً أنّ الشكلانية الروسية، وهي الحركة التي مهّدت أصلاً للشعرية الحديثة، وأسست لها، كانت قد حملت اهتماماً كبيراً للحقب الأدبية، وللتطور الأدبي على نحو عام([9]). مثل اهتمامهم بـ (علم السلالة الأدبية) الذي ابتدعوه في مجال دراستهم للحكايات الشعبية([10]). وهكذا، فإنّ بروب ليس هو فقط مؤلف (مورفولوجيا الحكاية الخرافية أو الغرائبية)، ولكنه كتب أيضاً (الجذور التاريخية للحكاية الغرائبية).([11])

وقد أكد جيرار جنيت منذ سنة 1969، أنّ الانتقال إلى التعاقبية في نقطة معينة من نقاط التحليل الشكلي يفرض نفسه، وأنّ رفض هذه التعاقبية، أو رفض تأويلها بمصطلحات غير تاريخية، يحمل حذراً للنظرية نفسها، وأنّ الدراسات التي خصصها للنصوص الشاملة؛ أي لدراسة التناص الذي يعد النص في داخله تحويلاً لنص آخر، وكذلك الدراسات التي خصصها للنص الموازي؛ أي لمجموع الواسمات المتمثلة في (عنوان، عنوان فرعي، تداخل العناوين، الإهداءات، المقامات، الملاحظات، إلخ) ذات الوظيفة التداولية التي ترافق النص بالمعنى الدقيق، هي واسمات بنيوية وتاريخية. ومن أجل تفادي تعارض عقيم بين النقد البنيوي والموضوعاتي، اقترح (جينيت) في دراسته (البنيوية والنقد الأدبي) سنة 1966 تقسيم النقد الأدبي إلى مجالين؛ على أن يُحتفظ بالنقد الموضوعاتي في الأدب (الحيّ) الذي لا يزال يتكلم معنا اليوم؛ أي الأعمال الأدبية التي يمكن أن تُعاش مرة ثانية من خلال الوعي النقدي أو وعي القارئ؛ لأنه لم يعد بإمكاننا بلوغه سوى من خلال العمليات البنيوية الذكية([12]). وذهب (جينيت) خطوة أبعد من ذلك، فخالف مقومات البنيوية وأسسها، فاعترف بوجود الكاتب أو المؤلف وراء السارد، إذ نبّه في عمله التأصيلي الكبير (خطاب الحكاية بحث في المنهج) إلى خطر التغييب التام للمؤلف، فعلى الرغم من أنه انطلق من منطلقات اللسانية السوسيرية، وعلى الرغم من تركيزها الكبير على منطلقات البنيوية، إلاّ أنه وجد أن التغييب المطلق والتمييز التام الجاف بين العالمين أمر غير ممكن. لهذا دشّن مشروعه السردي من زاوية مغايرة، فاعترف بوجود الكاتب المبدع، وراء الراوي والمروي له والعملية السردية، إذ صرح باستحالة وجود سرد دون سارد، ومن ثمّ دون مؤلِّف([13])، وهو في ذلك يخرج عن منطلقات البنيوية التي غيّبت المؤلف، وأقصت دوره، وحكمت عليه بالموت، من باب محاولتها تغييب التاريخ الذي رفضته البنيوية رفضاً تامّاً، مثلما رفضت المرجعيات الفكرية والاجتماعية([14]). وقد سبق (جينيتَ) الناقدُ الروسي (ميخائيل باختين) في رؤيته الرافضة للانغلاق النصي، حينما ردّ على ما يسميه بالموضوعية المجردة مفنداً ما كتبه دوسوسير([15]) ومن بعده الشكلانيين الروس؛ فـالمأخذ الذي يوجهه باختين إلى الشكلانيين هو عدم معرفتهم بما يقومون به؛ عدم التفكير بالأسس النظرية والفلسفية لمذهبهم الخاص. ولا يتعلق الأمر هنا بعجز عرضي؛ لأنّ الشكلانيين يشاركون الوضعيين جميعهم في هذه السمة، وكان هؤلاء يعتقدون أنهم يمارسون العلم ويبحثون عن الحقيقة، غافلين عن أنهم يعتمدون على افتراضات اعتباطية. ويتولّى باختين هذا التوضيح بدلاً منهم، ليتيح رفع مستوى الجدل؛ فهو يقول لنا إنّ المذهب الشكلاني هو جمالية مواد البناء؛ لأنّه يختزل مشاكل الخلق الشعري إلى مسائل لغوية؛ من هنا اقترب مصطلح (اللغة الشعرية) من التشيؤ، ومن هنا جاء الاهتمام بطرائق العرض. وبعملهم هذا أهمل الشكلانيون المقومات الأخرى لفعل الخلق، والتي هي المضمون، أو العلاقة بالعالم، والشكل، بمعناه كتدخل من المؤلف، وكاختيار يقوم به فرد فريد بين العناصر الموضوعية والعامة للعة. فلا ينبغي أن يكون المصطلح المركزي الحقيقي للبحث الجمالي هو مادة البناء، وإنما معمارية أو بناء أو بنية المؤلفات، التي يجدر فهمها بوصفها موضوع لقاء وتفاعل بين مادة البناء والشكل والمضمون([16]). من هنا ومن خلال هذا المدخل النقدي قدّم (ميخائيل باختين) طرحه الفكري من خلال مفهوم (الحوارية) أو (التناص)(*) فغيّر كيفية التعامل مع النص السردي، وجعله منفتحاً على مديات أبعد من المديات الداخلية النصية، وتجاوز الدلالة الثابتة بين الدال والمدلول عند سوسير، فاستخلص المعنى الخاص، إذ اللغة عند باختين وسيط اجتماعي، وتحمل الكلمات جميعها بصمات وأهداف ونبرات أولئك الذين سبق لهم استخدامها. فربط (المنولوجية) بالملحمة وبالشعر الغنائي، ورأى أن (الحوارية) تجعل من الرواية مجالها الأمثل([17])، ثم توسع (أُمبرتو إيكو) في المسألة أكثر، إذ اكتشف (إيكو) الذي ينحدر من نزعة تؤمن بالانفتاح الذي له حدود كغيره من المؤولين الكبار؛ أزمة البنية قبل بارت وجماعة تل كيل Tel Quel، إذ لم يقبع إيكو عند أطراف المسألة، بل راح يفتح مقولات النص على الفلسفة التحليلية بالعودة إلى فيتغينشتين (مفهوم اللعب) وسيرل وكارناب، ويفتحها على التداولية الأمريكية والتأويلية الإيطالية، فلم يتوقف إيكو لمتابعة أصول النظريات المعاصرة عند سواحل الفكر الغربي المعاصر، بل نجده عاد إلى الفكر اليوناني الرواقي والقرون الوسطى باستلهام الأوغسطينية والإكوينية والرشدية اللاتينية والمعلم إيكهارت.([18]) من هنا كثر الحديث عن الكاتب والمتلقي، فخرجت البحوث السردية من بوتقة النص المغلق، فانفتحت باتجاه آفاق إنسانية رحبة؛ وذلك من خلال تعميقها لمفاهيم الكاتب، والمتلقي (المروي له الخارجي)، والتواصل السردي. وعُدّ النص آلة كسولة – بدل تقديسه وتكريس هيمنته – يطلب من قارئه تعاوناً كبيراً، وتوكل إليه جزءاً من عملها([19]). وقد أشار إيكو إلى أنّ (القصة والحبكة أو القصة والخطاب السردي أو المتن والمبنى) ليستا قضيتين لغويتين، بل إنهما بنيتان قابلتان للترجمة من خلال نسق سيميائي آخر، مثل فيلم أو شريط مصور؛ ذلك أن هذين النسقين السيميائيين ذاتهما يتوفران على إشارات للاستذكار، فقد لا نعثر على الحبكة في نص سردي، لكنّنا لا يمكن أن نحصل على قصة وخطاب، فهناك قصص وصلتنا من خلال خطابات متنوعة، كخطاب الشخصيات مثلاً.([20])

ويعدّ تجاوز ربط الاستعارة باللغة الشعرية، والكناية باللغة الروائية، مدى آخر من مديات الخروج من المنهجية الصارمة، والتعامل مع الأدب من منظور إنساني أرحب، إذ ترسخت منذ أرسطو فكرة أنّ الاستعارة عبارة عن نقل أو استبدال كلمة بكلمة أخرى، وسار الدرس البلاغي لعصور طويلة على هذا الفهم، ثم ظهر سوسير، فعمل على ثنائية الاستعارة والكناية، وجاء (رومان جاكبسون)، فبنى منهجه العلمي على التمييز الضمني عند سوسير بين الاستعارة والكناية، ورأى أنّ الخطاب الأدبي مبني على قطبين أساسيين؛ هما الاستعارة والكناية. وأدّى استخلاص جاكبسون لبعض الخصائص المثيرة للاهتمام إلى التعامل مع النص الأدبي وفقاً لموقف الاتجاهات الأدبية من محور الاستعارة والكناية، فاحتفيت بالاستعارة، واعترفت بأسبقيتها في المدارس الأدبية الرومانسية، والرمزية، وكانت الكناية هي الغالبة فيما يسمى بالاتجاه (الواقعي)، الذي ينتمي إلى مرحلة وسيطة بين انحدار الرومانسية وصعود الرمزية([21])؛ فربطت اللغة الشعرية بالاستعارة بناء على الفهم التقليدي للاستعارة، المتمثل في حلول كلمة محل أخرى، كالعاطفة التي تصبح لهيباً. وربطت اللغة السردية بالكناية، بناء على اقتران إشارة بأخرى، مثل الجناح الذي يقرن بالطائرة؛ لأنّه جزء منها، والسماء مع الطائرة؛ وذلك بسبب التسلسل الطبيعي([22]). وظلّ الفهم البلاغي التقليدي للاستعارة، دائراً في فلك التعريف الأرسطو – طاليسي، منذ العصور اليونانية والرومانية والقروسطية والنهضوية والأنوارية التي شكلت مساراً روتينياً لهذا الخطاب الاستعاري، ومع مجيء القرن التاسع عشر، وقعت رجة عنيفة جعلت الدراسات حول الاستعارة تتراجع، بل تبشر بموتها([23]).

لكنّ المسار الاستعاري شهد انعاطافة كبيرة مغايرة مع ظهور مفهوم التعددية في الفهم الجديد للعلوم بشأن الواقع المادي؛ إذ لم يعد العلم قادراً على دعم فيزياء الجسيمات النيوتينة المتركزة بوصفها كيانات ذات جوهر ثابت، وبدلاً من ذلك اكتشف العلم أنّ الحقيقية الفيزيائية ديناميكية؛ أي إنّ الكون ليس كياناً موجوداً له تاريخ، ولكنه هو تاريخ بحد ذاته. إنه (أكوان متعددة a multiverse). والعالم ليس خلقاً منتهياً creation بقدر ما إنه استمرارية في الخلق creating. فلاقت هذه التعددية المتضمنة في الفهم الجديد للعلوم بشأن الواقع المادي، صدى فلسفياً في إعادة بناء مارتن هيديجر لطبيعة الحقيقة المطلقة([24])، بوجه التجريد العلمي لدى (ديكارت) الذي أقام مذهبه الفلسفي، الذي اشتهر بالاتجاه العقلي، لإعطائه الدور الحاسم للعقل (Ratio)، وعدّه الضامن الوحيد للحقيقة، فهو يرى أنّ الحق هو ما يمكن الإحاطة به منطقياً وعقلياً، وقد سار على نهج ديكارت من بعده كل من سبيونزا (1633-1677م)، لايبنتز (1646-1716م)، وفلاسفة آخرون عديدون. فأدّت هذه الدعوة إلى إخضاع كل شيء، لبحث العقل، وإلى وضع العقل نفسه تحت البحث، وصار كلا من العالم المادي والعالم العقلي خاضعين للبحث والنظر والاختبار، ومن ثم فقد اتجه اهتمام الفلاسفة نحو البحث في أصل معرفة الأشياء ومصدرها ووسائلها، وتساءلوا قائلين: هل إنّ مصدرها ووسيلتها العقل أم التجربة الحسّية؟ وإذا كان ديكارت قد انتهى، في سعيه للإجابة عن هذا التساؤل إلى أن العقل هو أصل ومصدر ووسيلة المعرفة الحقيقية اليقينية، فإن فيلسوفاً آخر معاصراً له، وهو (فرانسيس بيكون) قد اعتقد أن أصل المعرفة هو العالم المادي الذي نعيش فيه، ووسيلتها التجربة الحسية. وقد وضع بيكون من خلال إجابته أساس هذا الاتجاه التجريبي في الفلسفة، وسرعان ما سار على خطاه فلاسفة آخرون أمثال: ديفيد هيوم، وجون لوك. وقد اتفق دعاة الاتجاه الواقعي، ودعاة الاتجاه التجريبي جميعاً، على الثقة بالعقل البشري، والاحتكام إليه في النظر والبحث، إلاّ أنهم اختلفوا حول الوظيفة التي يقوم بها العقل في عملية تكوين المعرفة، ففي حين أرجع دعاة الاتجاه العقلي عملية المعرفة، بكاملها إلى العقل، باعتباره وحدة أصل ومصدر ووسيلة المعرفة، فإن دعاة الاتجاه التجريبي قد قصروا وظيفة العقل على النشاط التنظيمي، واعتقدوا أن العقل، إنما يقوم فقط بفرز وتنظيم وامتحان المعطيات والمعلومات التي يتلقاها الإنسان، بوساطة الحواس أو التجربة الحسية. وإنّ هذا الاختلاف بشأن دور العقل ووظيفته، جعل دعاة كل اتجاه على خلاف ونزاع مع دعاة الاتجاه الآخر، حتى جاء الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط)، وحاول التوفيق بين الاتجاهين، وإزالة الخلاف بينهما، من خلال تحديد دائرة أو مجال كل من العقل والتجربة([25]). ويتصل العقل – عند كانط – بالموضوعات عبر تنظيم مفاهيمنا، وليس عبر الجزم بفاعلية مفهوم من المفاهيم، وتناسبه مع الواقع الفعلي، وهذه نظرية يبدو أنها تتنافر مع نظريات العلوم الطبيعية، تلك التي يفسر على منوالها الواقع الفعلي لظواهر معينة بوساطة استنتاجات حول ضرورتها.([26]) أكد كانط أن نقطة البدء في كل ما لدينا من المعارف هي التجربة الحسية؛ لأن ما ينبه أو يثير مداركنا أو القوة العارفة فينا، إنما هو الأشياء أو الموضوعات التي تؤثر في حواسنا، غير أن هذا لا يعني أن كانط يرى – مثل الحسيين والتجريبيبن – أن كل معارفنا مستمدة أو مستخلصة من التجربة الحسية وحدها، بل هناك معرفة أولية مستقلة تمام الاستقلال عن التجربة والحس، وسابقة عليهما، وهذه المعرفة الأولية ضرورية؛ بمعنى أنها ذات نتائج حتمية وكلية، وهي عامة لا تحديد فيها ولا تخصص.([27])

كما وقف هايدجر في وجه مشروع ديكارت، فرفض منذ البدء مفهوم ديكارت للأنا؛ أي الذات المفكرة، بوصفها مقولة أساسية، وما عاد هايدجر يسند مفهومه للفهم إلى الذات؛ بمعنى أنّه ما عاد يرى الفهم صفة للأنا المفكرة عند ديكارت، بل ينسبه، بدلاً من ذلك، إلى (كينونة الإنسان في العالم/الدازاين). وقد شكلت فلسفة هيديجر نقطة التحول إلى ما بعد الحداثة، فتركت طروحاته المنفتحة تأثيرها الإيجابي في السردية والدراسات الأدبية عموماً، فأزاح بفضل هذا التوجه الجديد، اللثام عن الخطابات المضمرة داخل الخطاب السردي، وأميط الستار عن أنساق الهيمنة في الخطاب الروائي، على نحو خاص، والخطاب الأدبي على نحو عام، ما أدّى إلى توسيع أفق السردية والدراسات السردية ما بعد الحداثية، إذ كان تركيز (مارتن هايدجر) على التفكير الاستعاري كبيراً، وكان ينظر إليه بوصفه منقذاً للكينونة ومسترجعاً لليوتوبيا ومؤثثاً للعالم.

  • ثانياً: طبيعة سرد ما بعد الحداثي

عرفت الكتابة السردية الإبداعية في مرحلة ما بعد الحداثة تحولات جذرية على صعيد الشكل والتقانات الكتابية والمضمون والتلقي. وهيمنت تلك التحولات على سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته([28]). وقد واكبت (السردية ما بعد الحداثية) هذه التحولات، فتجسدت هي بدورها في السردية الواصفة، والتجاوز النصي، والسخرية التناصية، وتعدّد مستويات القراءة، فضلاً عن استزارة الماضي، وخلق عوالم موازية، أو مختلفة، مع شحنة قوية من السخرية([29])، إذ روّجت سرديات ما بعد الحداثة على نحو خاص لتكنيك التاريخ البديل uchrony أو الجنس الأدبي للرواية المحاذية للتاريخ parahistorical novel بديلاً للرواية التاريخية historical novel. وترسم مثل هذه النصوص الأحداث التي تتجمع في مرحلة من التاريخ معروفة لدينا، فعلى سبيل المثال، في رواية فليب ك. ديك (الرجل في القلعة) (The Man in the High Castle 1962)، خسر الحلفاء the Allies الحرب العالمية الثانية. ففي الخيال العلمي، إنّ وجود العوالم أو الأكوان المتوازية يجعل تركيب الجملة مهمة صعبة؛ فالعبث الوجودي هو السمة البارزة للحبكات المعقدة المناسبة جدّاً لهذا الجنس الأدبي.([30])

يكمن سرّ هذا التعلق بالماضي والعودة إليه باستمرار في السردية ما بعد الحداثية في الاعتراف بأنّ الماضي، ما دام لا يمكن تدميره واقعياً؛ لأنّ تدميره يفضي إلى الصمت، فيجب أن يُستزار من جديد، ولكن بشيء من السخرية([31])، وبكيفية غير بريئة، إذ تراهن ما بعد الحداثة، وهي تستعيد العلاقة مع الماضي، على الباروديا (السخرية أو التهكم الساخر)، واللعب الميتا لغوي، والواقعية المفرطة. وإذا كان فهم اللعبة يعني رفضها بالضرورة، في مرحلة الحداثة، فإنه من الممكن أن لا يفهم المرء تفاصيل اللعبة مع ما بعد الحداثية، ومع ذلك فإنه يأخذ الأشياء مأخذ الجد. وهذا ما يشكل من جهة أخرى، ميزة السخرية (ومخاطرة الإقدام عليها)([32]). ويؤكد (جون بارث) بوصفه المنظر الأبرز لما بعد الحداثة عملية التواصل مع الماضي في طروحات ما بعد الحداثة وممارساتها قائلاً: إنّ الكتاب المثاليين المنضوين تحت لواء ما بعد الحداثية، لا يقلّدون آباءهم المنتمين للقرن العشرين، ولا يقطعون الصلة مع أجدادهم، الذين عاشوا في القرن التاسع عشر، غير أنهم لا يحملونهم فوق منكبيهم، مثلما يُحمل العبء الثقيل…([33])

وقد ظهر في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، عدد من النقاد البارزين الذين تميزوا بدراساتهم لأدب ما بعد الحداثة، على نحو عام، وخصائص وتقانات السرد ما بعد الحداثي على نحو خاص. ومن أشهر تلك الأسماء (ليندا هتشيون)، و(باتريشيا واو)، و(برايان مكهيل)، و(لاري ماك فراي)، و(ونش أومندسن). هذا فضلاً عن الجهد النقدي لروائيين ما بعد حداثيين، مثل (وليم غانس) و(جون بارث). وتعد مقالة جون بارث (أدب الاستهلاك The Literature of Exhaustion) المنشورة عام 1967 من أوائل المحاولات النقدية لتحديد ملامح السرد ما بعد الحداثي([34]). ونشر الباحث وليام تي. فولمان(William T. Vollmann) في سنة 1990 مقالاً قصيراً بعنوان (الكتابة في أمريكا اليوم: تشخيص المرض American Writing Today: Diagnosis of the Disease) ذكر فيه أن الألعاب اللغوية والتقانات التي روجت لها ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية أدت بالنتيجة إلى إفراغ الكتابة السردية من أية قيمة أو وزن يذكر.([35])

– سمات السرد ما بعد الحداثي:

  • 1– الاشتغال على الإشكاليات ذات الطبيعة الأنطولوجية:

تمتاز الكتابة ما بعد الحداثية بإنكار وجود المعنى في هذا العالم العبثي الخالي من أيّ عمق أو دلالة خلف السطح، إذ ترى ما بعد الحداثة أنّ العالم منقسم إلى بؤر عديدة مشتتة وغير مترابطة، ولا يعود هناك غير اللحظة الراهنة ليتعامل معها الفنان؛ والوظيفة الوحيدة للفنان والأديب هي المحاكاة الساخرة لهذا البحث العبثي عن المعنى، بأسلوب مستعار غير أصيل ولا شخصي، وبعملية تقترب من اللعب واللهو العابث أكثر مما تقترب من الإبداع. يدرك الفنان والأديب في ما بعد الحداثة، أنّ الفوضى والعبث وغياب المعنى عن هذا العالم لا يمكن تجاوزها ولا تذليلها. ويرى أن محاولة أدباء الحداثة إقناع القارئ بوهم الوحدة والانسجام والجمال هي موقف غير أخلاقي وتلفيقي تجب مواجهته وإقصاؤه نهائياً. ومن أجل تحقيق هذه التصورات ما بعد الحداثية، لجأ الأدباء والفنانون إلى السخرية، واللعب، والتهكم، والسخرية السوداء، والتشتت، والتقطيع، والتناقض، والمعارضة الأدبية، وكسر الزمنية، وتضمين أنماط كتابية لم تكن معروفة ضمن السرد الروائي. ويتفق معظم نقاد ما بعد الحداثة على أنه يمكن اعتبار روائيين مبكرين مثل توماس ستيرن، ورابيليه، وكافكا، وبورخيس، الآباء الحقيقيين للسرد ما بعد الحداثي. ويرى الباحث (شانون وليامز) في دراسته (خصائص الرواية في ما بعد الحداثة) أنّ القصة في أدب ما بعد الحداثة، تسعى إلى تطبيق فوضى الوجود المعاصر على بنية الشكل والمضمون، وإلى تفكيك القوانين والقواعد السردية المتعارف عليها من أجل فضح زيف الأسطورة التي تروج لنظم عقائدية مستندة إلى الوهم.([36])

2- التوظيف المكرر للأشكال الأدبية التقليدية:

ينحو السرد ما بعد الحداثي منحى التوظيف المكرر للأشكال الأدبية التلقيدية، وتوظيفها، وقد قدم هذا الطرح الباحث (جون بارث) في مقالته (أدب الاستهلاك The Literature of Exhaustion)، فقد وصف بارث رواية ما بعد الحداثة بأنها الرواية التي تقلد شكل الرواية، وتكتب بوساطة مؤلف يقلد دور المؤلف؛ إذ يقول، إنّ ما يقصده من مصطلح الاستهلاك هو ليس الاستهلاك الأخلاقي أو الجسدي، ولكنه استهلاك الأشكال الأدبية التقليدية من خلال توظيف المتكرر لها. وقد أطلقت مصطلحات عديدة لتوصيف تقانات السرد ما بعد الحداثي وجمالياته مثل: (الاستبطانية Introspected)، و(الانطوائية Introvert)، و(النرجسية Narcssistic)، و(رواية الوعي الذاتي Self – conscious fiction)، (والانعكاس الذاتي Self – reflexive)، و(ضد الرواية Anti – fiction)، و(التخريف Fabulation)، و(رواية التمثيل الذاتي Auto – respresential). وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المصطلحات ليست مترادفة، كما أنها تبرز هيمنة جزء معين على الكتابة، وتظهر اهتمامات مرتبطة بمؤلفين مختلفين، وبفترات زمنية مختلفة. وقد شاع مصطلح ما وراء القص أو ما وراء السرد بوصفه مصطلحاً مرتبطاً بذلك النمط من الكتابة السردية. يحاول ما وراء القص تفعيل إمكانيات التأويل المضاعف، على حد وصف جوناثان كيلر، وتحقيق الانفتاح اللانهائي للنص من خلال توظيف جماليات التناص، وتعدد المستويات السردية داخل العمل الروائي([37]).

3- دحض الإيهام بالواقعية وتقويض الحدود:

يسعى السرد ما بعد الحداثي إلى تعميق الشعور بالتخييل السردي، والتعامل معه على هذا الأساس، إذ يثير ما وراء القص أسئلة تتعلق بالعلاقة الإشكالية بين التخييل والواقع، وينزع نحو إثارة الشك في طبيعة تصوراتنا عن الواقع، وعما هو حقيقي وقائم بذاته خارج حدود الخطابات التي تشكل ثقافتنا ووعينا. كما أنه يعمل على تعطيل الوثوقية المطلقة والبداهة الساذجة التي تتشكل منها تلك التصورات، خلافاً لمبدأ (تعطيل عدم التصديق Suspension of Disbelief)، عند (كولردج). فيعتمد ما وراء القص تقويض الحدود القائمة بين الخيال والواقع وعرض وعي الرواية بكونها تركيبا خياليا([38])، عن طريق تعليقات الراوي ما وراء سردية التي يقصد منها السؤال عن شرعية القصة، أو عن الوسيلة التي تقدم فيها. تعطي مثل هذه التعليقات انطباعاً بأنّ الخطاب السردي هو تخييل (Fictio) أو القصة فقط خيال (Fictum)، إذ يمكن للمرء أن يلتقي كثيراً بتعليقات في عمل أدباء ما بعد الحداثة تميز القصة بوصفها تخييلاً. كما يتم هدم الحدود القائمة بين الخيال والواقع كذلك أيضاً عن طريق لعبة الضمائر؛ إذ نجد في كتابة ما بعد الحداثة تجارب متنوعة بالضمائر الشخصية، فضلاً عن خيارات أخرى مستكشفة؛ كنصوص بضمائر مختلفة، أو بضمير غير شخصي، مثل السرد بضمير غير العاقل (it) أو السرد بالمجهول (one)([39]).

4- التقليل من شأن مفاهيم الأصالة والمصداقية والحضور:

يقوم ما وراء القص بالتشكيك بمدى واقعية ما يتم تداوله ثقافياً بوصفه حقائق مسلم بها، ومدى خيالية وعدم معقولية ما هو خيالي ولا معقول، والتقليل من شأن مفاهيم، مثل الأصالة والمصداقية والحضور. إنّه سرد يظهر انشغاله بالطبيعة الخطابية للعالم.

5- البناء والهدم:

يجري في الكتابة ما بعد الحداثية عادة عرض وجهة نظر لشخصية روائية أو حقيقة ما، أو تاريخاً أو نظرية في السرد أو غيره، ثم يجري هدمها ونقضها في الوقت نفسه للتدليل على تركيب الحقائق وزيف الواقع وتحدي السلطة القائمة التي تروج لحقائقها بين الناس.

– تقانات السرد ما بعد الحداثي:

1– تقانيات الكتابة الجمالية:

يعتمد ما وراء القص (السرد) على صعيد الجماليات الكتابية على تقانات معتددة، مثل تحول المؤلف إلى إحدى الشخصيات الخيالية المشاركة في الحدث السردي، وخلق سيرة ذاتية متخيلة لكتاب متخيلين، ودخول شخصيات موجودة على صعيد الواقع أو أحداث واقعية ضمن بنية السرد التخييلي، ومن ثم التشكيك بمدى واقعيتها، وابتكار نوع من الحوار والنقاش المباشر بين الشخصيات الخيالية في عالم السرد التخيلي، وبين المؤلف في العالم الواقعي، وتدور معظم تلك الحوارات حول طبيعة بناء الحدث الروائي أو حول بناء الشخصية الروائية، ودخول شخصيات مستعارة من أعمال روائية أخرى معروفة للمؤلف نفسه، أو لمؤلفين آخرين بوصفها شخصيات مشاركة في الحدث السردي، وتضمين السرد مقالات روائية موجهة مباشرة من المؤلف إلى القارئ بعيداً عن الصياغة الفنية للحبكة التخييلية للعمل السردي، وتحضر تلك المقالات بوصفها تأملات حول طبيعة الرواية ووظيفتها أو بوصفها تعليقاً على الأحداث والشخصيات الروائية، وعلى الرواية التي تدور أحداثها حول محاولة إحدى الشخصيات كتابة رواية أو التعليق على مخطوطة أو عمل روائي متخيل أو حقيقي.([40])

2- توظيف التناص ومدياته المعرفية:

الثقافات في نظر ما بعد الحداثة، هجينة؛ فجميع أشكال الثقافة هجينة ومولَّدة، ومزيجة، ومشوبة، غير نقية، بل كلها متخالطة، متمايزة إلى درجة فائقة، وغير واحدية. وبمقدار هجنتها – حسب (إدوارد سعيد) – يكمن ثراؤها، وقد وظف إدوارد سعيد هذا البعد في التقليل من أهمية الهوية في الفكر الحداثي، واحتلالها مكانة كبيرة، وازداد ميل إدوارد سعيد عاماً بعد عام إلى تقليص أهمية الهوية، بوصفها عاملاً فاعلاً وإيجابياً في بناء الثقافة، ويراها، في جلّ تجلياتها، إثماً قومياً فئوياً. وقد أصبح (إدوارد سعيد) في بحوثه، ولا سيما كتابه (الثقافة والإمبريالية) مناوئاً شرساً للهويات المتصلبة، الانفصالية التي تصنف نفسها نقيضاً للآخر، وتقيم الحواجز بينها وبين العالم، سواء أكانت هذه الهويات تتحدد في سياسات الهوية عند المرأة، أو الذكر، أو الغربي، أو العربي، أو الإسلامي، أو المسيحي أو اليهودي. ويرجع سبب هذا التشتت الهوياتي إلى الانفجار العجائبي للمعرفة المتخصصة الانفصالية، فنجد أنفسنا اليوم أمام التمركزية الأفريقية، والتمركزية الأوروبية، والاستغراب، والأنثوية (النسوية)، والماركسية التفكيكية…إلخ. إنّ المدارس أو المناهج لتشلّ وتوهن ما كان مصدر قوة وتشويق في التبصرات النفاذة الأصلية([41]).

وتسرّب هذا التواشج الفكري العجيب، وهذا التناسج الرؤيوي، إلى النقد ما بعد الحداثي، وإلى التنظير السردي ما بعد الحداثي، فتجلّى – على نحو كبير – في (مفهوم التناص)؛ ففضلاً عن البناء المشوش وغير المتماسك والتلاعب الواعي بالبنى الروائية وآليات صياغة الخطاب السردي، يوظف ما وراء القص التناصَ، ومدياته المتعددة على نحو مكثف وقصدي. ويكشف التناص في السرد عن استحالة وجود نص نقي قائم بذاته دون التقاطع أو التداخل، أو الإحالة إلى نصوص أخرى سابقة، كما أكد ذلك معظم نقاد ما بعد البنيوية ومفكريها، أمثال جوليا كريستيفا، وتزفتان تودوروف، وجاك دريدا، ورولان بارت. إنّ كل نص – وفق منظور هؤلاء – يحضر بوصفه صدى لعدد لا نهائي من النصوص السابقة التي تشكل بتداخلها نسيج الخطاب الثقافي الجمعي. ويؤكد الباحث (غيرهارت هوفمان) في كتابه (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة From Modernism to Postmodernism) على أنّ توظيف التناص في أدب ما بعد الحداثة يحقق نوعاً من تعددية الرموز (Pluralism of Codes)، وتعددية التأثيرات وتعددية الخطابات داخل النص. ويتم من خلال التناص انتهاك الحدود الخطابية بين أنواع الخطابات المختلفة في الفضاء الثقافي، والتأكيد أنّ جميع الخطابات في الثقافة هي عبارة عن تراكيب لغوية تقوم على ذات الاستراتيجيات والآليات التي يوظفها النص السردي التخييلي لإنتاج المعنى وتوليد الدلالات، فاللغة هي في حقيقتها نظام غير مستقر للمرجعيات، بدلاً من كونها أنموذجاً مضبوط المعنى([42]).

ويحمل التناص بوصفه مصطلحا أدبياً ونقدياً ملامح بارادايغمية، وسيميائية، وما بعد بنيوية جديدة. وقد دخل إلى الساحة النقدية العالمية، بوصفها تصنيفاً معيارياً نقدياً ونظريا وشعرياً في العشرينيات من القرن الماضي تحت تسميات مختلفة؛ كالحوار، والبينصية، والبين ذاتية، والاتصال بين النصوص، والسياقية. ومن المتعارف عليه أن جوليا كريستيفا صكت مصطلح التناص سنة 1966 بعد دراستها لنظرية الأدب لباختين الذي قال فيه إن الحوارية (dialogism) لعبة مفتوحة النهاية تتحرك جيئة وذهاباً بين النص والمرسل (الموضوع)، وبين النص والمتلقي (الذات) ونص الثقافة. وبذلك، يقدم باختين فكرة عدم (الاستقرار الديناميكي) الذي لا تسمح به الشكلانية التقليدية أو البنيوية. تنسف هذه الحركة الدائبة بين النصوص جيئة وذهابا، والمتأصلة في اللغة، البنية المغلقة المفترضة، والمعنى الأحادي لأيّ نص، مشرعة أبواب النص لمزيد من إعادة التخصيص وإعادة الكتابة وإعادة التصوير. ومن هذا المنطلق، فقد مثّل عمل جوليا كريستسفا انعطافة مهمة في مسار النقد الأدبي([43])؛ لأنها ركزت على تلاقي مساحات ومفاهيم؛ فالكلمة الأدبية وفق مفهوم التناص ليست نقطة (معنى ثابتاً)، ولكنها تلاق للمساحات النصية، وحوارا لكتابات عدة: للكاتب، للمرسل إليه (أو للشخص)، للسياق الثقافي الحالي أو السابق([44]).

وقد ثبت تعريف كريستيفا ومنظرو ما بعد البنيوية، مثل رونالد بارت ودريدا النظرة الأوسع للتناص التي تقول بأن كل النصوص هي تناصات، وأن التناص هو أساس ومطلب كل اتصال وتواصل، وإنّ النصوص والخطابات التواصلية مبنية كلها دائماً على معايير ومدونات ثقافية موجودة بالفعل. ومن ثم، فإنّ النصوص هي (اقتباسات فسيفسائية) تفقد فيها قضية أصل النص أهميتها. وقد أصبح التناص جزءاً لا يتجزأ من (وظيفة) الممارسة الفنية الحديثة التي غالبا ما توصف بالترابط الوسائطي والتواصلي intermediality، والتي تتعرض على الدوام لمزيد من التطوير والتغيير.

إنّ أيّ حديث عن مكانة التناص في الفنون، يقودنا الى موضوع (ما بعد الحداثة). ومن ثم، فإن خبرتنا عن الفنون في المجتمع المعاصر تعود الى إعادة إنتاجها التقني. ولهذا، فإنّ الهالة التي تحيط بالموناليزا لم تعد موجودة أو ربما أصبحت غير ذات صلة بهذه الأنواع الجديدة للأشكال الأدبية. وإذا كان تناص بارت – الذي يشير إلى التحرر الجذري للدلالة – يمكن أن يكون سبباً في إحداث نوع من السأم أو الضجر، فإن التناص الذي ينظر إليه على أنه حضور الشفرات والكليشيهات ضمن الثقافة لدرجة قد تحجب الأصل أو تتفوق عليه؛ وانتصار الرأي المجرد doxa على كل ما يمكن أن يقاومه أو يعطله، يمكن أن يتسبب في نوع من التكرار أو التشبع بالصور النمطية الثقافية. ويبدو أن هيمنة الشفرات والتطبيقات التناصية على سياق ما بعد الحداثة، يعود إلى فقدان سبل الحقيقة. وقد علق (جيمسن) على أسلوب ما بعد الحداثة في اجتثاث الأفكار الأساسية التي أطلق عليها العمق بقوله: استبدل العمق بالسطح أو بسطوح متعددة، وسمّي هذا التبادل بالتناصية، وهي بهذا المعنى تفتقد إلى أيّ عمق. ويؤكد النقاد ما بعد الحداثة أن أيام الإلهام قد ولّت وانتهت، وذهبت أيام الاعتماد عليه، فهيمنت فكرة أن كتاب ما بعد الحداثة لم يعد بمقدورهم ابتكار أساليب وعوالم جديدة. وعلى هذا الأساس، يعد ما بعد الحداثة اليوم مصطلحاً أساسياً في دراسة الأدب، بل إن قائمة إيهاب حسن للمصطلحات المميزة للحداثة وما بعد الحداثة تتضمن التناص بوصفه مصطلحاً يمايز حقبة ما بعد الحداثة.([45])

– أنماط الكتابة السردية ما بعد الحداثية:

تمتاز البنى السردية للرواية ما بعد الحداثية بأنها بنى مفتوحة، ومختلطة، وغير قابلة للتصنيف الأجناسي السهل المؤطر الدقيق – كما نجد ذلك في فن المقامة في الأدب العربي القديم – فهي مزيجة على مستوى الواقع والخيال، والمعقول والسحري، والشعر والنثر، واللغات والأصوات، والأمكنة والمواقع والمشهديات، وعلى مستوى الطبقات الاجتماعية التي تجسد عوالمها، والتي تتوجه إليها، وحضور الرجل وحضور المرأة في المجتمع، وعلى مستوى تعدد الرواة، والأنماط السردية، والدوائر الحكائية([46]). وقد كانت تسعينيات القرن العشرين حبلى بتغييرات واسعة النطاق في الأدب والفن والنظرية والسياسة والاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا، ما مهد السبيل للتأسيس لانحلالات وتراكيب ونماذج فكرية مغايرة، وقد ميزت (ليندا هتشيون) بين ظاهرتين في كتابات ما بعد الحداثة السردية، وهما ما وراء القص، وما وراء القص التاريخي.([47])

أ- ما وراء القص:

ينسب مصطلح (ما وراء السرد Meta – naration أو ما وراء القص metafition إلى الروائي الأمريكي (وليام غاس) الذي وظفه للمرة الأولى عام 1970، ويستخدم مصطلح ما وراء القص للإشارة إلى الظاهرة الأدبية الموسومة بسمات وخصائص معينة؛ ذلك أن هذا المصطلح قد رسخ نفسه بوصفه مصطلحاً منتخباً للإشارة إلى الروايات الانعكاسية المعاصرة، وبهذا أصبح (ما وراء القص) الاسم المتعارف عليه في الدراسات النقدية ما بعد الحداثية([48]). وقد أعطتنا (باتريشيا واو) تعريفاً شاملاً عندما تصف ما وراء القص بأنه كتابة روائية تلفت نظر القارئ منهجياً، وعن وعي ذاتي كامل لحالتها بوصفها صناعة بشرية، من أجل أن تطرح قضايا عن العلاقة بين الحقيقة والخيال.([49])

ينزع ما وراء القص أو السرد منزع الخروج على حدود السرد الحداثي، والتخلي عن تقاليد الواقعية بإنشاء تعارض بين المتخيّل والسرد، وبخلق تضاد بين الوهم والواقع عن طريق بناء تخييل روائي. ويحتفي هذا النوع السردي ما بعد الحداثي بالشكل المفتوح، واللعب الحر، والتركيز على الذات، والانهماك بالصمت، وسيادة الدال، فما وراء السرد يعمل دالاً لسرد آخر، وهذا السرد الآخر هو مدلول عليه.([50])

تقترب أصول عمل ما وراء القص من جماليات المسرح الملحمي عند الأديب والمنظر والمسرحي الكبير (برتولت بريشت)، والذي برز قبل الحرب العالمية الثانية في الغرب. يقول بريشت: لا ينبغي لنا أن نتعلق بقواعد وأسس (مجربة) لسرد حكاية أو بأنماط من تاريخ الأدب أو بقوانين جمالية لا تبلى([51]). ثم ظهرت كتابات ما وراء القص في سبعينيات القرن العشرين، وارتبطت بظواهر ما بعد الحداثة، وقد عرّف بأنه القصّ الذي يجعل من نفسه موضوع حكيه أو كما أطلقت عليه ليندا هتشيون السرد النرجسي؛ أي الرواية التي تتضمن تعليقاً على سردها وهويتها اللغوية([52]). وعرفته (باتريشيا واو) بأنه رواية تلفت الانتباه بانتظام ووعي إلى كونها صناعة بشرية، وذلك لتثير أسئلة عن العلاقة بين الرواية والحقيقة. ووصف (ماك فراي) ما وراء القص بأنه تلك الكتابات التي تختبر الأنظمة الروائية وكيفية ابتداعها، والأسلوب الذي تم توظيفه لتشكيل الواقع وتصفيته بوساطة الافتراضات السردية والاتفاقيات. وتندرج (الرواية الجديدة)، ورواية (الواقعية السحرية أو العجائبية Magic Realism) ضمن هذا المسار([53]).

ظهرت رواية الواقعية العجائبية منذ أن استقبل المشهد الثقافي مصطلح «الواقعية السحرية» من خلال كتاب «ما بعد التعبيرية: الواقعية السحرية» للناقد الفني الألماني فرانز رو عام 1925م، ثم تلقف المفهوم الناقد الفنزويلي أرتورو أوسلار بييتري، ليوظفه في نقد السرد الإسباني – الأمريكي، ثم سرعان ما شقت الواقعية السحرية طريقها في عالم أميركا اللاتينية إبان خمسينيات القرن الماضي وستينياته مع أعمال الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والأرجنتيني خوليو كورتاثار والبيروفي ماريو بارغاس يوسا والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والتشيلية إيزابيل أيندي. أرسى هؤلاء الكتاب دعائم المفهوم؛ فقد رسخوا الهدف من الواقعية السحرية، ألا وهو القبض على اتحاد الأضداد… اتحاد قد يظهر متناقضا في الظاهر؛ إذ تسبر الواقعية السحرية التناقضات القطبية كالحياة والموت، أو الماضي ما قبل الاستعماري في مقابل الحاضر ما بعد الصناعي. وغالبا ما يتسم هذا الأسلوب الأدبي بوجهتي نظر متعارضتين؛ تعتمد إحداهما على رؤية عقلانية للواقع، والثانية على قبول الخوارق، باعتبارها حقيقة معتادة مجردة من الخيال، فهناك التداخل بين عوالم الحلم والعوالم الواقعية في الفضاء الروائي. وغالباً ما تقترن هذه الخوارق بالصيغ البدائية أو العقلية «السحرية» الهندية. وقد عرف (راي فيرزاسكوني) أستاذ اللغة الإسبانية (أستاذ سابق في جامعة أوريغون الأميركية) الواقعية السحرية بأنها «تعبير عن واقع العالم الجديد، عالم يجمع بين العوامل العقلانية المميزة للحضارة الأوروبية السامية، والعوامل غير العقلانية المميزة لأميركا البدائية».([54]) فيمتاز هذا النوع من الرواية برسم تفاصيل الواقع رسماً موغلاً في البساطة والألفة، مما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث، حيث يجاوره ويتداخل فيه.([55]) وهكذا تختلف الواقعية السحرية عن الفانتازيا الصرفة، فأحداثها تقع في عالم حديث اعتيادي لا يخلو من وصف فعلي للبشر والمجتمع، فهي تنطوي، وفقا للمستعرب الإسباني أنخيل فلوريس، على «الدمج بين الواقعي والفانتازي([56]). ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك، قصة الكاتب الأرجنتيني (خورخي لويس بورخيس) عنوانها (كتاب الرمل) يحكي فيها قصة تبدو عادية عن رجل يحب الكتب، ويهوى جمع النادر منها، إلى أن جاءه رجل غريب وباعه كتاباً عجيباً له بداية، ولكن ليس له نهاية، وهو كتاب الرمل. ويصف بورخيس تصفحه للكتاب ودهشته منه وصفاً شديد الواقعية، لكن ما يصفه يظل غريباً حقاً، إذ إنه يطالع صفحة لها رقم محدد، وبعد أن يغلق الكتاب يجد نفسه عاجزاً عن العثور على تلك الصفحة، ثم تتكرر التجربة مرة تلو الأخرى والنتيجة لا تتغير. إنه واقع سحري فعلاً، لكن الكاتب لا يرسمه للإمتاع فقط، وإنما للإيحاء بفكرة فلسفية أو مجموعة أفكار منها أن العالم الذي نراه مألوفاً فيه قدر كبير من الغرابة، ومنها، في القصة المشار إليها، لا نهائية المعرفة وما تتضمنه أحياناً من رعب. ومن الكتاب الذين اشتهروا أيضاً بتوظيف تقنية الواقعية السحرية الإيطالي إيتالو كالفينو، والإنجليزي جون فاولز والألماني غنتر غراس، وهناك من يجد عدداً من خصائص هذا اللون من الواقعية في أعمال كتاب سابقين، مثل كلايست وهوفمان وكافكا.([57])

ويضيف الباحث (هيربرت غريبر) إلى الأنماط السردية ما بعد الحداثية كل من رواية المؤامرة والروايات البوليسية وروايات الرعب وروايات الخيال العلمي والفانتازيا المفرطة، والروايات التي تصور الواقع الكابوسي المخيف للمستقبل البشري (الديستوبيا Dystopia)؛ لأنها تقوم على التشويش على عمليات التلقي التقليدية وكسر أفق التوقع لدى القارئ العادي واستدراج الانتباه إلى طبيعة بناء الحبكة ومدى مصداقية الحدث الروائي والشخصيات على حد سواء، ومساءلة البديهيات اليقينية والمسلمات الثقافية خارج النص.([58])

كما اعتنت رواية الواقعية السحرية أو العجائبية بقضية اللغة، واعتبرتها نظاماً اعتباطياً واستبدادياً، وناقشت الحالة المفارقية لسلطة المؤلف أو أنها جعلته بلا سلطة أحيانا، وأبرزت إلى الواجهة خيالية الرواية والواقع على حد سواء. وكان للتناص حضور مكثف في ما وراء القص، ولا سيما (ما وراء القص التاريخي). فقد أشارت (سوزانا أونجا) و(جوس إنجيل) و(غارسيا لاندا) إلى أن ما وراء القص يرتبط ارتباطا وثيقا بالتناصية؛ إذ إن النص والشخصيات المتضمنة تشير دائماً إلى نصوص أخرى لمؤلفين آخرين، وبذلك يحقق ما وراء القص النظرية التي تؤكد عدم وجود نص بوصفه كلاً مستقلاً ومكتفياً بذاته عن النصوص الأخرى؛ وإنّ خبرة القارئ والكاتب عن النصوص الأخرى تقرر في النهاية شكل النص وتفسيراته. كما وظف ما وراء القص وسيلة أخرى هي الاستيلاء appropriation، تمامًا كما يفعل مغني الراب (شون كومبز Sean John Combs) المشهور بـ(بف دادي Puff Daddy)، فإنّ كاتب ما وراء القص المعتدي يأخذ قصة راسخة، ويتلاعب بها كما يشاء هواه. لقد أعاد (بف دادي) إصدار ألبومات من السبعينيات، مثل (كل نفس تأخذه) و(روكسين)، و(كاشمير) بإيقاعاته وكلماته وتوزيعه وكورسه الخاص. وبالمثل، فإن كاتب ما وراء القص يأخذ غالباً قصصاً راسخة، مثل رحلة (ذات الرداء الأحمر) في الغابة، و(مشاعر جوزيف)، و(قبلة بياض الثلج الساحرة)، ويعيد مزجها، وتقسيمها إلى عينات مختارة، وكتابتها تماما كلمسة بف دادي، إذ أصبحت معارضة الأساليب القديمة أو المزج بين الأساليب والأنواع المختلفة أو (الباستيشية – مختارات أو مقتطفات أو منتجات) Pastiche وسيلة ما بعد الحداثة للتعاطي مع الماضي؛ لإجلاله أو للسخرية منه. إنها تمثيل لمجتمع ما بعد الحداثة الفوضوي المتعدد الأجناس والمظاهر، والمشبع بالمعلومات حد الإتخام.([59])

ب- ما وراء القص التاريخي (Historiographic Metafiction):

في تحديدها لما وراء القص التاريخي؛ تعد ليندا هتشيون ما وراء القص التاريخي أحد أنواع الرواية الما بعد حداثية التي ترفض إسقاط المعتقدات والمعايير الحالية على الماضي، وتؤكد خصوصية وفردية الحدث الماضي([60]).

يوظف ما وراء القص التاريخي التقانات السردية نفسها التي يستخدمها ما وراء القص، إذ يعمل النمطان السرديان ما بعد الحداثيان ضمن الاستراتيجيات والسياقات النظرية والثقافية نفسها، إلاّ أنّ ما وراء القص التاريخي يتميز بالانشغالات المتمركزة حول التاريخ والأحداث التاريخية الحقيقية والمتخيلة والإشكاليات التي تثيرها الكتابات التاريخية وعلاقة التاريخ بالحاضر. فيسعى وراء القص التاريخي إلى عرض تفصيلات تاريخية معروفة، جرى دحضها وتزييفها عن عمد بهدف إظهار الإخفاقات الممكنة للتاريخ المسجل والاحتمال المفترض للخطأ المقصود وغير المقصود.([61])

وتندرج (حكايات بلا زمنية uchronice) ضمن هذا التوظيف المكرر للأشكال التقليدية، والمقصود بـ(حكايات بلا زمنية) – كما أشرنا إلى ذلك عند حديثنا عن طبيعة سرد ما بعد الحداثي – إعادة صياغة الروايات والقصص أو الأحداث التاريخية على نحو مخالف، وهي المقابل الزمني (لليوتوبيا)؛ فهذه اللازمنية تشكل نوعاً من القصص التخييلية، (أو العلم الخيالي الخاص بالماضي)، إذ يتخيل مؤلف ماذا كان سيحدث في أوروبا لو أنّ نابليون انتصر في معركة واتيرلو. وتحيل كلمة uchronie في السرد التخييلي على ما يشبه اللازمنية، من قبيل إعادة كتابة التاريخ، ليس استناداً إلى وثائق جديدة، بل بالاستناد إلى فرضيات تلغي ما وقع وتتصوراً مساراً آخر، كالافتراض القائل: لو انتصرت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، أو انتصر غيفارا في حرب العصابات في بوليفيا)، وهي افتراضات محض تخييلية. يتعلق الأمر إذن، بزمنية لا وجود لها. لذلك، فإنّ uchronice عادة ما ترتبط بالعلم الخيالي. وتكون الهوية القوية للشخصيات التخييلية قضية بالغة الأهمية في هذا المسار من الكتابة؛ إذ يحكي فليب دومينغ في كتابه (بحث مضاد عن موت إيما بوفاري) حكاية تحريات بوليسية أثبتت أنّ مدام بوفاري لم تمت مسمومة، بل قتلت. فإذا كان لروايته من نكهة، فإنّ ذلك يعود إلى أنّ قراءه يسلمون بأنّ مدام بوفاري (في الواقع) تسممت. فلا يمكن تقدير رواية من نوع (لا زمنية)، إلاّ إذا كنّا نعرف مسبقاً أنّ نابليون انهزم في واتيرلو. وبالمثل سيكون على القارئ، لكي يقدر رواية دومينغ، أن يكون عارفاً بأنّ مدام بوفاري انتحرت في رواية فلوبير، وإلاّ لماذا نكتب أو نقرأ بحثاً مضادّاً حول هذه القضية؟([62]).

وتوضح (فيكتوريا أورلوفيسكي) في دراستها (ما وراء القص) أنّ ما وراء القص التاريخي هو روايات الانعاكسية الذاتية المكثفة التي تعيد تقديم السياق التاريخي بطريقة ما وراء القص، وتتشكل تبعاً لذلك، قضية المعرفة التاريخية بأكملها، فهي تنتج سرديات تتلاعب بالحقيقة وتكذب السجل التاريخي، وتحاول من وراء ذلك إعادة اكتشاف تاريخ المقموعين والمهمشين، مثل النساء والأطفال والأقليات العرقية والدينية، ومساءلة الروايات التاريخية الرسمية لخطابات السلطة. وتعرف (ليندا هتشيون) هذا النمط من الكتابة السردية ما بعد الحداثية على أنها كتابة تقترح إعادة كتابة، وإعادة تمثيل الماضي في الرواية وفي التاريخ، من أجل كشفه أمام الحاضر، ومنعه من أن يكون حاسماً ونهائياً وغائياً. وترى هتشيون أنّ ما وراء القص التاريخي يعمل على تعطيل اليقينية المرجعية المباشرة للرواية التاريخية، ويكشف من خلال التكهم والسخرية عن أنّ كلاً من التاريخ والأدب هي بناءات وتراكيب أو أوهام بشرية، وأنّ نصوص الأدب والتاريخ على السواء هي مجرد لعبة واضحة. فالأدب والتاريخ، هما جزء من أنظمة ثقافتنا الدالة، وكلاهما يصنع عالمنا ويجعل له معنى. يحضر الماضي في مثل هذا النمط السردي بوصفه تلفيقات مختلقة من قبل النصوص التي تفرضها خطابات السلطة بوصفها مرجعيات لما هو حقيقي في التاريخ، ولما تضفيه تلك السلطة، وما تسمح به من عمليات إنتاج المعنى وتأويل لتلك النصوص التاريخية. ويسعى ما وراء القص التاريخي، من خلال تقانات العرض والتمثيل السردي ما بعد الحداثي، إلى التشكيك بالمعاني والتأويلات التي تضفيها السلطة على التاريخ ومحاولتها الاستحواذ على الماضي. وتعدد (أورلوفسكي) عدداً من الأعمال الروائية كأمثلة على ما وراء القص التاريخي، مثل (أطفال منتصف الليل) و(تنهيدة مور الأخيرة) لسمان رشدي، و(امرأة الضابط الفرنسي) لجون فاولز، و(الناس والمتجولون) لبرايان جونسون، و(اثنان أو لا شيء) لريموند فيدرمان، و(اسم الوردة) لأمبرتو إيكو([63]). ويشير (إيكو) صراحة إلى استعمال تقنيات ما بعد الحداثة، قائلاً: «كنت واعياً منذ البداية، وقد ذكرت هذا في (حاشية على اسم الوردة)، أنني استعمل تقنيتين من تقنيات ما بعد الحداثة، كيفما كان تعريفنا لها: الأولى هي السخرية التناصية: إحالات مباشرة على نصوص معروفة جدّاً. أما الثانية، فهي المحكي الواصف: النص يسائل طبيعته، حيث يتوجه المؤلف مباشرة إلى القارئ.

إنّ (التسنين المزدوج) هو الاستعمال الموازي للسخرية التناصية والاستعانة بالمحكي الواصف. (…) واسمحوا لي أن أحيل على مثال عن التسنين المزدوج، كما تحقق في إحدى رواياتي. تبدأ رواية: اسم الوردة بالحديث عن الكيفية التي عثر من خلالها المؤلف على مخطوط قديم. نحن الآن في قلب الظاهرة الإحالية؛ ذلك أنّ تيمة اكتشاف مخطوط تيمة قديمة جدّاً. إنّ السخرية مزدوجة، وتشكل أيضاً إحالة ميتا – سردية؛ ذلك أن النص يؤكد، بالإضافة إلى ذلك، أنّ هذا النص القروسطي لا يمكن العثور عليه، إلاّ في شكل ترجمة للنص الأصلي، وهي ترجمة أنجزت في القرن الرابع عشر، وهو ما يبرر، في الرواية، وجود بعض العناصر الخاصة بالرواية القوطية الجديدة. أعترف أنّ المؤلف، وهو يستعمل تقنية التسنين المزدوج، إنما يؤسس لنوع من التواطؤ بين القارئ المثقف والقارئ العادي الذي، إن لم يلتقط هذا التلميح الثقافي، فإنّه سيشعر أن هناك شيئاً ما قد أفلت من بين يديه»([64]).

يسعى ما وراء القص التاريخي أن يضع نفسه ضمن الخطاب التاريخي دون التنازل عن استقلاليته بوصفه رواية العلاقة الما بعد حداثية؛ فالعلاقة بين الرواية والتاريخ أكثر تعقيداً من مجرد التفاعل والتضمينات المتبادلة. إنه نوع من المفارقة التهكمية الجادة التي تؤثر في كلا الهدفين: التناصات مع التاريخ، والرواية التي تلبس حالة موازية (وإن لم تكن مسأوية) لإعادة النزعة التهكمية من الماضي النصي لكل من العالم والأدب. ويوظف الدمج النصي لهذه الماضيات التناصية، بوصفها عنصراً هيكلياً تكوينياً لرواية ما بعد الحداثة، على أنه تسويق رسمي للتاريخية عالمياً وأدبياً. وقد يبدو للوهلة الأولى، أنّ التلميح الثابت الساخر من الاختلاف في قلب التشابه هو ما يميز التهكم الما بعد الحداثي عن المحاكاة في القرون الوسطى وعصر النهضة. بناء على نظرة ما بعد الحداثيين التي ترى أنّ نصوص الأدب والتاريخ على السواء، لعبه واضحة. وترى (هتشيون) أنّ هناك عودة اليوم إلى فكرة الملكية المشتركة غير الحدسية لما هو مضمر في النصوص الأدبية والتاريخية، إلاّ أنّ هذه العودة تحمل إشكالية، بفضل التأكيدات العلنية الما وراء قصية بأن كلاًّ من التاريخ والأدب، إنْ هما إلاّ بناءات وتراكيب بشرية، بل أوهام بشرية – لازمة. فالمحاكاة الساخرة التناصية لما وراء القص التاريخي تمثل وجهات نظر مؤرخين معاصرين معينين. إنها تمنح الإحساس بحضور الماضي، ولكنه الماضي الذي يعرف من نصوصه وآثاره، سواء كانت أدباً أو تاريخاً.

في رواية ما بعد الحداثة، نجد أنّ الاتفاقيات الخاصة بالكتابة التاريخية والرواية توظف ويساء توظيفها، وتنصب وتهدم، وتؤكد وتنكر في الوقت نفسه. فضلاً عن أن الطبيعة الثنائية (الأدبية/التاريخية) لهذه السخرية التناصية، هي أحد أهم الوسائل التي تكتب وتعرّف بوساطتها الطبيعة المفارقية لما بعد الحداثة نصّياً. وهنا يتحدى ما وراء القص التاريخي كلاًّ من المفهوم الواقعي الساذج للعرض، والتأكيدات النصية أو الشكلانية الساذجة للفصل الكلي للفن عن العالم. إنّ ما بعد الحداثة هو فن وعي ذاتي ضمن الأرشيف، وهذا الأرشيف هو تاريخي وأدبي معاً.

ترى ليندا هتشيون أن الاستكشاف النظري للحوار الضخم بين الأدبيات والتاريخيات الذي نصّب ما بعد الحداثة، ما كان ليحدث لولا (جوليا كريستيفا) بتجديدها المبكر للأفكار الباختينية عن التعدد الصوتي المتراكب، والحوار الروائي، والتغاير اللساني (الأصوات المتعددة في النص). لقد طورت كريستيفا هذه الأفكار نظرية شكلانية أكثر صرامة عن التعددية غير القابلة لاختزال النصوص ضمن أو خلف أي نص معطى، ومن ثم فإنها تزيح البؤرة الحاسمة بعيداً عن الفكرة الرئيسة للموضوع (المؤلف هنا) إلى فكرة الإنتاجية النصية. لقد شنت كريستيفا مع زملائها في مجلة تل كيل، في أواخر الستينيات وأوائل السبعينات، حملة جماعية ضد الموضوع المنشأ (المسمى بالكليشيه الرومانتيكي للمؤلف) بوصفه أصل ومصدر إنشاء المعنى الثابت والمقدس في النص. وبالطبع، فإنّ هذا يشككك بفكرة النص كلها، بوصفها كياناً مستقلاً ذاتياً، بمعنى جوهري.([65])

الاستنتاج:

– يعد ظهور ما بعد الحداثة نتيجة حتمية لتطورات الحياة الفكرية وتغييرها؛ فبما أن الأدب ومعه الحركة النقدية جزء من النشاط الإنساني الفاعل، فإنه من الطبيعي أن تتعرض أنظمته للتغيير والتطوير والمراجعة.

– ظهرت ما بعد الحداثة بوصفها ردة فعل على مركزية الحداثة، وانغلاق منظوماتها الفكرية، من هنا سعت جاهدة لتفكيك المركزية الغربية، وإرجاع الفاعلية للإنسان القارئ أو الملتقي، ورفض الهيمنة والهوية السكونية الأحادية.

– انطلاقاً من تعددية المراكز في الفكر الما بعد حداثي، تعددت أنماطه السردية، وأعيد فيه الاهتمام للمحيط أو الهامش، والماضي. كما أعيد الاعتبار لفاعلية المتلقي أو القارئ، وعدم تحجيم دوره في الوصف والرصد الجمالي فحسب.


([1]) معجم العلوم الإنسانية: 336 – 339. وما بعد الحداثة بين ليوتار وهابرماس، أشرف حسن منصور، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([2]) معجم العلوم الإنسانية: 939. وأفق يتباعد من الحداثة إلى بعدما بعد الحداثة: 201

([3]) معجم العلوم الإنسانية: 939 – 940

([4]) رواية اسم الوردة، مقدمة المترجم: 18

([5]) القارئ في الحكاية: 64 – 65

([6]) معجم المصطلحات الأدبية: 1195

([7]) الأسلوبية: 76 – 84

([8]) معجم المصطلحات الأدبية: 1254

([9]) القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان: 190

([10]) موسوعة النظريات الأدبية: 668

([11]) القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان: 190

([12]) النقد الأدبي المعاصر – مناهج، اتجاهات، قضايا: 99

([13]) ينظر السرديات ضمن كتاب: نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير: 193

([14]) ينظر في نظرية الرواية – بحث في تقنيات السرد: 256

([15]) التحليل الجوّاني للنصوص والانفتاح على التداولي والتأويلي والثقافي، وحيد بن بوعزيز، حوار مع موقع مؤمنون بلا حدود حول حدود التاويل والدراسات الثقافية.

([16]) الإنساني والتدخل الإنساني، ميخائيل باختين، ضمن كتاب: نقد النقد: 75

(*) يرى الدكتورمنصور الحازمي في كتابه (ما وراء الأطلال)، أنّ الترجمة الصحيحة لمصطلح باختين ليس Dialogism وإنما هو الـ Intertextualit، وهي الترجمة التي وضعتها الناقدة جوليا كريستيفا، وقد وظف تودوروف ترجمة كريستيفا في دراسته لباختين، وعرفه باختين في دراسته لدوستوفسكي (قضايا الفن الإبداعي عند دوستوفسكي) بأنه مجموعة العلاقات القائمة بين نص ما ونصوص أخرى. وقد ترجمه إلى العربية الدكتور جميل نصيف التكريتي في (قضايا الفن الإبداعي عن دوستوفسكي بالعلاقات الحوارية). أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 20، الهامش رقم (1).

([17]) معجم المصطلحات الأدبية: 461

([18]) التحليل الجوّاني للنصوص والانفتاح على التداولي والتأويلي والثقافي، وحيد بن بوعزيز، حوار مع موقع مؤمنون بلا حدود حول حدود التاويل والدراسات الثقافية.

([19]) 6 نزهات في غابة السرد: 56 و87

([20]) 6 نزهات في غابة السرد: 56 و67 و87

([21]) النظرية الأدبية: 38

([22]) مقدمة في النظرية الأدبية: 108

([23]) الاستعارة العظمى، إمبراطورية الهيمنة بالتخييل، وحيد بن بوعزيز، مجلة هوامش (المصرية).

([24]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 270 – 271

([25]) الفلسفة لمن يريد: 82 – 92

([26]) المثالية الألمانية: 1/ 177

([27]) الفلسفة لمن يريد: 31 – 32 و90 – 92

([28]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 297

([29]) مقدمة رواية اسم الوردة: 6- 7

([30]) مدخل إلى علم السرد: 67 – 68

([31]) مقدمة رواية اسم الوردة: 6- 7

([32]) حاشية على اسم الوردة: 114 – 115

([33]) حاشية على اسم الوردة: 117

([34]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 306 – 307

([35]) كيف انتهت ما بعد الحداثة .. بعد مابعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع عمان نيت، تاريخ النشر: /08/282016.

([36]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 127 و299 – 304

([37]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 127 و299 – 304

([38]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 127 و299 – 304

([39]) مدخل إلى علم السرد: 71 و126 – 127.

([40]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 301 – 302

([41]) الثقافة والإمبريالية: 23 و34 و70 و376

([42]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 303

([43]) التناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([44]) معجم المصطلحات الأدبية: 282

([45]) التناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([46]) الثقافة والإمبريالية: 29

([47]) الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة آفاق التحولات السردية وملامح الجماليات القادمة، د. معن الطائي وأماني أبو رحمة، الحوار المتمدن-العدد: 3445 – 2011/8/2 – 07: 30  المحور: الأدب والفن.

([48]) ما وراء القص – تقانة واقعية الوعي الذاتي، ضمن كتاب: جماليات ما وراء القص – دراسات في رواية ما بعد الحداثة: 13

([49]) ما وراء القص، ضمن كتاب: جماليات ما وراء القص – دراسات في رواية ما بعد الحداثة: 50

([50]) ما وراء السرد – ما وراء الرواية: 8 و16، 25

([51]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 302

([52]) التناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([53]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 305 – 306

([54]) هيدي هابرا.. الواقعية السحرية بنكهة شرقية، هالة صلاح الدين حسين، جريدة الشرق الأوسط، الاحـد 03 شعبـان 1433 هـ 24 يونيو 2012 العدد 12262

([55]) الواقعية السحرية، شبكة النبأ المعلوماتية.

([56]) هيدي هابرا.. الواقعية السحرية بنكهة شرقية، هالة صلاح الدين حسين، جريدة الشرق الأوسط، الاحـد 03 شعبـان 1433 هـ 24 يونيو 2012 العدد 12262

([57]) الواقعية السحرية، شبكة النبأ المعلوماتية.

([58]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 305 – 306

([59]) التناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([60]) التناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.

([61]) أفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 297 – 305

([62]) اعترافات روائي ناشئ: 105 – 106

([63]) ما وراء القص، ضمن كتاب: جماليات ما وراء القص – دراسات في رواية ما بعد الحداثة: 49 – 55. وأفق يتباعد من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة: 297 – 305

([64]) اعترافات روائي ناشئ: 43 – 46

([65]) ما وراء القص التاريخ، ضمن كتاب: جماليات ما وراء القص – دراسات في رواية ما بعد الحداثة: 93 – 125. والتناص وما بعد الحداثة، أماني أبو رحمة، موقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme.


مؤمنون بلا حدود

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

يادگار لطيف الشهرزوري

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات