تربية وتعليممكتبات تاريخية عريقة

في تذكّر التعليم والكتب والمكتبات في حلب

كنت أسكن في حارة شعبية، يسكنها أقوام وأخلاط من عشائر وتركمان وأكراد، يأتون مهاجرين من الريف، ويستقرون في هذه الحارة، هم يعملون في شتى المهن، أضف إلى ذلك نساءهم وأولادهم وأقرباءهم، وكل من يلوذ بهم، ويقومون بالأعمال التي لا يقوم بها الآخرون. إنهم فقط يعملون، وبأجر قليل.

وعندما بلغت سن السادسة، وضعني أبي عند الكُتّاب/ الشيخ، كما نسميه في مدينتنا، لأتعلم القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم، وكان مكان الكُتاب بعد السوق، فكان علي أن أعبر السوق كل يوم في الصباح أثناء ذهابي، وعند الظهر في طريق العودة، فأرى الباعة والمشترين والمتفرجين، ومن لفَ لفَهم. كنت بينهم أركب على العصا وأسوق نفسي، وأنا أحمل تحت إبطي (كنيري) الذي به كتاب الله، وأنطلق إلى الكتاب، فأجلس في الرحلات الأمامية، وأفتح المصحف على السورة التي وصلت إليها، ثم أقرأ بصوت مسموع، وأحج إلى أعلى وأسفل حتى يحين موعد الغداء فيصرفنا الشيخ، أو من ينوب عنه، لأنه يضع مناوبًا عنه، صبيًا كبيرًا، حين يذهب إلى المقهى، أو إلى السوق.

في العام الذي يليه، سجلت في المدرسة التي تقع في السوق أيضًا، وكنت قد تعلمت القراءة والكتابة والتجويد، وأتبارى مع أخي الأكبر مني، الذي كان يسبقني بصفين على الكلمات التي فيها همزة، في أول الكلمة وفي وسطها وفي آخرها، يعطيني الكلمة، فأكتبها له بسرعة، وكنت دائمًا أحصل على العشرة من عشرة.

كنا ندرس عند المعلمات، في مدرسة ساطع الحصري، ويومها كتبت لنا المعلمة الحروف (دا ـ دا) على السبورة، وطلبت منا أن نملأ صفحة الدفتر بها، ملأت الصفحة بسرعة، ونظرت إلى الذي بجانبي ماذا يفعل، كان يمسح ويرسم الحروف كبيرة، ثم يشطبها ويعيد كتابتها من الأول، فعرفت أنه لا يجيد الكتابة، وطلبت منه أن أكتب له، فأسرع يعطيني الدفتر.

أخذته وملأت الصفحة له، غمرته السعادة وابتسم لي شاكرًا، ثم نظرت إلى الثاني، كان أيضًا لا يعرف كيف يكتب، طلبت منه أن يعطيني دفتره فأعطاني إياه وملأت له الصفحة. علم التلاميذ أنني أجيد الكتابة فأسرعوا يعطونني دفاترهم. انتبهت المعلمة إلى الضجة التي أحدثناها، فجاءت تستطلع ما يحدث، سألتني عما يجري فقلت لها إنهم لا يجيدون الكتابة وأنا أكتب لهم.

سألتني وأين تعلمت، قلت لها عند الشيخ، أخذت دفتري وانطلقت، ثم عادت بعد قليل، وطلبت مني أن أذهب معها إلى المديرة، وفحصتني هي الأخرى، ثم طلبت مني أن أحضر والدي غدًا، وأحضر إلى المدرسة.
في البيت، لم يكن والدي يقتنع بالذهاب إلى المدرسة، لكن أمي أقنعته بالموضوع لصالحي.

وفي اليوم التالي، دخلت أنا وأبي المدرسة، أنا اصطففت مع التلاميذ وأبي لاذ بالجدار، يلف سيجارة منتظرًا أن يصرخوا له.

اجتمعوا جميعهم، المديرة وبعض المعلمات ورجل أصلع، أظنه كان الموجه التربوي، طلبت مني المديرة أن أقف أمام السبورة، ففعلت، وأمسكت بقطعة الطباشير، وبدؤوا يحدفونني بالكلمات التي تتمتع بالهمزات، فهذه تقول: أكتب، تلألأ، وأخرى لجأا، وثالثة، تؤدة، وأنا أكتب على السبورة كل ما ينقلوني إياه، ثم انتهت العملية، بأن تشاورت المديرة مع الرجل الأصلع، وقالت: إذهب إلى الصف الثاني، وقالت لأبي الذي كان متسمرًا في أحد المقاعد، مبروك، لقد أصبح ابنك في الفصل الثاني.

في دارنا التي هي من بقايا بيوت الأرمن، خزن كثيرة، وكان في إحداها عشرة كتب على ما أعتقد، أهمها كتاب كبير اسمه (حياة الحيوان) للدميري، وكتاب (عطيل) لشكسبير، ولا أعرف من أين وصلت هذه الكتب، أو كيف، فأبي كان أميًا، وكذلك أمي، ولكن الذي أعرفه أنني حين فتحت الخزانة وجدت أن الفئران قد حولتها إلى نتف صغيرة، سددنا الثقوب التي أحدثتها الفئران، وكنسنا ما بقي من الكتب.

انتقلت إلى مدرسة أخرى، يديرها مدير وله معاون ومعلمون، وقد أخذني معلم الصف الخامس إلى شارع المكتبات في منطقة باب النصر، وكنا جمعنا من التلاميذ مبلغًا من المال، واشترينا به كمية من القصص. عدنا فرحين مسرورين، وضعنا القصص في الخزانة، وسلمني المفتاح، وصرت الآمر الناهي عليها، وقد فكرت أن أعمل واحدة لي مثلها في منزلنا، فبحثت عن خزانة في بيتنا، وعندما وجدتها، نقلت الأشياء التي كانت لأمي، ثم نظفتها، ووضعت المجلات فيها مع كتبي المدرسية، ثم رحت أشتري القصص والمجلات وأضعها فيها، وكانت مجلتا (سمير وميكي) تسيطران على الوضع، تلتهمان (سوبرمان)،

وكنت أتعلق على باب الحافلة (التراموي) وأنزل إلى باب الفرج، وينتهي مشواري عند سينما حلب، أتفرج على الصور التي تعرضها السينما في الخارج، ثم أتمشى قليلًا، وحين أصل إلى الأقبية التي تبيع الكتب المستعملة، أنتقي منها ما أشاء ثم أسمع صوت الحافلة وهي قادمة فأجهز نفسي، وذلك بأن أضع المجلات تحت إبطي، وعندما أدرك أنها وصلت إلي، أسرع فأعطيه ثمنها ثمَ أقفز إلى الباب، وأمضي سالمًا إلى باب الحديد.

توجد مكتبات بعيدة عن بيتنا، وكلها تبيع الكتب المستعملة، واحدة تقع عند سور القلعة، وكنت أشتري منها مجلة “السندباد”، وأخرى تقع في منطقة “أغيور”، وقد استعرت منها كتاب (رجوع الشيخ إلى صباه)، وقرأته مرات ثلاث، وأذكر أنني استمتعت كثيرًا بقراءته.

كنت أعير المجلات والقصص التي صنفتها في مكتبتي لأولاد الحارة، وأقوم بعرضها في طرف من حارتنا، وأقوم بتأجيرها. نعم، لقد أصبح لدي نواة مكتبة، قبل أن أكتشف كنزًا من المعرفة تجلَى ذلك في الكتب الموجودة في المركز الثقافي، ودار الكتب الوطنية. رحت أنهل كتب المنفلوطي، والرافعي، وإحسان عبد القدوس، وطه حسين، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وغيرهم، ثم اكتشفت أن هذه الكتب على البسطات، أو العربات، فرحت أجمع النقود لأشتري بها الكتب، وجمعت روايات نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ومجلة “شعر”.

وهكذا بدأت بتأسيس المكتبة/ مكتبتي، وانضم إليها ما اشتريته من الكتب المختارة من المعارض، ثم اكتشفت أن هذه الكتب كلها قديمة، وذلك عندما دخلت مكتبة بهنام يامين، الواقعة في عبارة سينما الكندي، اطلعت عليها، وبدأت أشتري الكتب التي تطبع في بيروت، وكتب علم النفس، واللغة، والروايات، والكتب السياسية.

كنت أريد أن أكوّن رأس هذا الذي أمامكم، فأغذيه بالمعرفة من كل نوع. بعد ذلك عبأت عقلي بالكتب الماركسية، موضة تلك الأيام، من دار الفجر، التي تقع في شارع القوتلي، وقد كنا نتزاحم على تلك الدار، وكان هناك معرض دائم للكتب السوفييتية، فتعرفت على غوغول، وإيليا إهرنبورغ، ورسول حمزاتوف، وبليخانوف، وهلم جرّا من هؤلاء الأدباء، فقد كنا نحمل كتبهم بين الجرائد، ثم نمضي إلى الجامعة، وهكذا رحت أكمل ثقافتي بالكتب الجامعية، وبالكتب التي أشتريها، إلى أن كوّنت المكتبة التي تخصني، والتي أصبحت تعد بالمئات.

الآن، وقد أغلق معظم المكتبات، وتحوّلت إلى أماكن لبيع الأحذية، والموبايلات، والألبسة النسائية والرجالية، وأصبحت أشهرها، وهي دار الفجر التي كانت تبيع الكتب الماركسية، محلًا لبيع الحلاوة النابلسية، اكتمل بناء المكتبة لدي، وصارت معظم الكتب في حوزتي، حتى كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني جلبته إليها.

وعندما كنت طالبًا في الدراسات العليا، قسم الدراسات السامية، احتجت إلى كتاب (كتبوا على الطين) لإدوارد كييرا، وبحثت عنه في مكتبات حلب، ولم أجده، سافرت إلى دمشق، وعثرت عليه في مكتبة ميسلون، وجلبته معي إلى حلب، وضممته إلى المكتبة.

ينتقم جيل الأبناء من جيل الآباء، ويبيعون المكتبات، وهم يقولون إن سوق الكتب ليست رائجة، وإن الآباء الذين كانوا يهتمون بالكتاب ماتوا، وخرج جيل جديد لا يهمه الكتاب، ولا دوره في تثقيف الناس وزيادة معرفتهم، فنشأ جيل لا يهمه سوى الربح المادي، ثم هناك الكتب على الشبكة العنكبوتية، فقد اعتقدوا أنها تغني عن الكتب الورقية. أقول: إن الكتاب الورقي هو المهم، وطالما أن هناك من يهتم بتنمية مكتبته من أمثالي، فإن الكتاب الورقي سيستمر وجوده، كما أن دور النشر موجودة وتطبع آلاف الكتب في كل يوم، وسيظل الكتاب يحمل قيمته إلى أبد الآبدين.


ضفة ثالثة

فيصل خرتش

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات