سِجال الدكتور “الفايد” .. فرصة للنقاش العِلمي

 

أُثيرَ وما يزال، سجالٌ حادٌ في المغرب حول مَقاطع فيديو مُتتالية للدكتور؛ “محمد الفايد” أخصائي عِلم التغذية حول فيروس كورونا وقايةً وعلاجاً.

وتمحورَ موضوعُ هذا السجال؛ حول المعلومات المُتناسلة التي أدلى ويُدلي بها الدكتور الفايد في قناتِه على اليوتيوب والتي تحظى بمشاهدات كبيرة. أو في مشاركاتِه على قنواتٍ عربيةٍ ودولية، والمُتعلِّقة بوصفاتٍ وقائية واشتشفائية من فيروس كورونا؛ ومدى نجاعتِها وانسجامها مع المعلومات والمعطيات الطبية والعِلمية التي تتواتر تِباعا من المعاهد والمراكز الطبية عبر العالم؛ ومن مُنظمة الصحة العالمية على وجه التحديد.

انقسم الرأي العام المُتابع والمُتفاعل مع هذا الموضوع في المغرب إلى فئتين؛ فئةٌ تُصدِّقُ وتُعَزز معلومات الدكتور “محمد الفايد” وتثق بها وتروِّجُها. وفئة تعارضُه تماماً وتبذُلُ وُسْعَها في دحض مزاعمِه (كما يُسمونها) استناداً إلى ما يَجِدُّ من تقارير ومعلومات طبية وصحية دولية حول فيروس كورونا.

وفئة ثالثة؛ هي فئة “خالف تُعرف” وتُمثل الأغلبية الساحقة؛ تنقُضُ لأجل النقض فقط؛ أو نِكايةً في الطرف الآخر، تَسُوقُها العاطفة وتَحْكُمُها المشاعر والتأثُّر؛ ولا يخلوا منها زمانٌ ولا مكان. ولا تعنينا في هذا المقال.

المتتبع لهذا السجال؛ سيخلص إلى ملاحظات جوهرية وصحية أبرزها؛ الدكتور “محمد الفايد” نفسُه؛ فهو ليس شخصيةً كوميدية ولا رياضياً ولا فنانا، كما أنه ليس تافها من هؤلاء الذين تَضِجُّ بهم مواقع التواصل الاجتماعي ويُتابعهم الملايين. إنه بروفيسور بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة في الرباط، تخصُّصُه الدقيق هو؛ “المايكرو بيولوجيا الصناعية” و” البيوتيكنولوجيا الغذائية“. حاصل على دكتورتيْن وتسعِ براءات اختراع في مجال الصحة الغذائية. إضافة إلى عددٍ من الأبحاث والدراسات الأكاديمية المُحكَّمة في تخصصِه.

وهذا ما يجعل من هذا النقاش غاية في حد ذاته. لأنه يُساهم بشكل كبير في تجاوزٍ الرأي العام المغربي ولو مُؤقتاً لنقاش التفاهة المُهيمن على القنوات المغربية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى نقاشٍ لا نقول إنه علميٌّ صِرف؛ ولكنه يُؤسس لمجتمع الثقافة العلمية، فالكثيرُ من المُنخرطين في هذا النقاش سواءً من المُؤيدين أو المعارضين للمعطيات والمعلومات التي يُدلي بها الدكتور “الفايد”؛ يبذلون جهداً مقبولا في مُحاولة فهم الكثير من الظواهر الفيزيائية والكيميائية المُتعلقة بأعضاء جسم الإنسان ووظائفها، وبشكل أكبر؛ معرفة خاصية الإمراض لدى فيروس كورونا؛ وكيفية دعم مناعة الجسم، وجدوى اتباع نمط غذائي معين،،، وذلك من خلال البحث والتنقيب عبر شبكة الأنترنت.

عينةٌ أخرى من المُتدخلين في النقاش؛ تبحث في الموضوع بشكل أكثر منهجية وعِلمية؛ من خلال انتقاء واقتفاء المعلومات من مصادرَ مُعْتَبَرَة؛ كمنظمة الصحة العالمية والمجلات العلمية العالمية؛ مُتسلحةً بزادٍ مقبول من المعلومات وبلُغة أجنبية أو اثتنيْن.

على قلة هذه العينة؛ إلا أنها دفعت بهذا النقاش إلى مدى أبعد، من خلال مُساءلة معطيات الدكتور الفايد استنادا إلى نتائج الدراسات التي تُصدرها منظمة الصحة العالمية. لدرجة أن الأسبوع الماضي فقط؛ شهدت منصات التواصل الاجتماعي في المغرب تداولَ كم كبير جدا من المقاطع المصورة لخبراء صحة، ومن الدراسات العِلمية لمجلات ودوريات علمية عالمية، وسيلا من الأخبار والتقارير حول وباء كورونا، إضافة إلى البيانات المتتالية لمنظمة الصحة؛ وهذا في حدث ذاته أمر مُفرح ومُبشر.

لقد خلق هذا النقاش بوادر مُجتمع يتمتع بقدرٍ مقبول من الثقافة العلمية والمعرفية، وألغى ولو مؤقتا نقاشات التفاهة والرداءة التي كانت تحتكر النقاش في المغرب على الشاشة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
مع تسجيل عدم انخراط المتخصصين بشكل إيجابي في هذا النقاش، والدفع به قُدما. وسَعْيِ بعض الجهات في ميدان الطب إلى التشويش وحرف النقاش عن مسارِه الطبيعي؛ وتحويلِه إلى قضية نزاع بين تخصص علم التغذية والطب. فيما سعت جهات أخرى إلى إخماد هذا النقاش بشكل تام من خلال الدعوة إلى إسكات الدكتور الفايد عبر الدعوة إلى مقاضاته.

إن هذا النوع من النقاش؛ ليس مناظرة بين متخصصين؛ ولا يُطمح من ورائه إلى إثبات رأي ودحض آخر بِحُكم أنه نقاشٌ يهم الرأي العام وليس نخبةً من المتخصصين. إن النقاش العلمي والمعرفي في حد ذاته؛ هو الغاية التي يجب أن نؤسس لها للوصول إلى مجتمع المعرفة والثقافة العلمية. وسواءً اختلفنا مع الدكتور “محمد الفايد” أو اتفقنا معه. فالمهم أن ننخرط جميعا في هكذا نقاش ومَن على شاكلتِه. والأهم من هذا وذاك؛ ألا نُشارك في التفاهة وألا نُصفق للرداءة.


للاطلاع على أبحاث الدكتور الفايد العلمية 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.