منبرُنا

حلب تنعي تاريخها

   أرسل لي صديقي “رامي” مقطعَ فيديو قصير منشور في موقع “يوتيوب” يتحدث عن الفوال الحلبي الشهير “أبو عبدو”، أو “حج عبدو” كما يناديه زبائنه، بعنوان “حلب تخسر ذاكرتها”. 


أرسل لي صديقي رامي ذلك التسجيل بالصوت والصورة في منتصف العام ٢٠٢١ الميلادي، أي بعد وفاة الفوال عبد الرزاق المصري (حج عبدو) بثلاث سنوات تقريباً، كان ذلك الفيديو بعنوانه الشيق وتوقيت تداوله المثير، دعوة صريحة مفتوحة للعموم، ولأهالي حلب على وجه الخصوص، للتمرد على النسيان، ولشحذ الذاكرة بمشاهدة محتوى الفيديو الثري. 

ولكي يشحذ صديقي رامي ذاكرتي المتعبة، هاتفني بعد إرسال الفيديو مباشرةً قائلاً:

  • هل تتذكر حين كنا في مقتبل الشباب نعمل في “محطة بغداد” للقطارات؟ 
  • نعم، أتذكر. 
  • طيب هل تتذكر حين عرضتُ عليك ذات ليلة أن نتوجه فور انصرافنا في السابعة صباحاً إلى محل أبي عبدو الفوال في محلة “الجدَيْدة” لتناول طبق فول مع الخبز الساخن ونحن نتمشى في حارات حلب القديمة؟ 

أضاءت البسمة المرتسمة عفواً على شفاهي عتمة وجودي، سرحتُ قليلاً في عوالم طيش الشباب ورغد تلك الأيام، تنهدتُ وأجبته:

  • نعم أتذكر يا صديقي، كانت دعوتك، وما زالت، أغرب دعوة أتلقاها على مر الزمان! يمكن للإنسان تناول لفافة فلافل وكأس عيران على الماشي، أو كأس “سحلب حليب” مع الكعك، أو كوكتيل فواكه مع صندويشة جبنة بلدية، أو طبق “رز بحليب”، أو شراب “السوس مع المعروك” أو أي شيء آخر إلا الفول، الفول يتطلب القعود لتناوله. 

ضحك رامي ودافع عن اقتراحه القديم الغريب وأصرّ على إمكانية تنفيذه في ذلك الوقت واليوم، قال لي:

  • اقتراحي لم يكن غريباً أو مستهجناً، الغريب أنك لم تكن تعلم بأبي عبدو الفوال حتى ذلك اليوم! كيف لرجلٍ يعيش في حلب أن يجهل شهرةَ أبي عبدو الفوال؟ 

تحشرج صوتي وأنا أقرُّ بجهلي مرةً ثانية على الهاتف، بلعتُ خيبتي مع ريقي وقلتُ:

  • نعم بفضلكَ تعرفت على العم حج عبدو الفوال وعرفتُ سبب شهرته، رحمه الله كان مَعْلماً من معالم حلب وأفضل معلّم في عالم الفول.
  • صحيح، وكما يحكي عنوان الفيديو، فقد خسرت حلب بموته بعضاً من ذاكرتها وشهرتها.. 

قاطعته معترضاً:

  • لا، الموت حق ولا يسيء لأحد، حلب خسرت ذاكرتها بدمار محله قرب “ساحة الحطب”، حلب خسرت ذاكرتها بفعل الحرب التي جعلت الساحة وبيوتها ومحلاتها وشوارعها وناسها حطباً لوقودها وصولاً إلى نصف مساحة حلب، تلك الحرب الحاقدة قسمت حلب إلى نصفين وجعلت نصف السكان أعداءًا للنصف الآخر بعدما حجبت نصفها الشرقي عن نصفها الغربي بالحواجز والمتاريس والقناصين والقصف والخوف. 

صمت صديقي رامي لبرهة من الوقت، ثم استدرك قائلاً:

  • إذن، وفقاً لكلامك قصف الأعمار ولا قصف العمار؟

استغربتُ هذا السؤال من صديقي الذي يتسم بالفهم السريع، ابتسمتُ وقلت:

  • لا يا رامي، أنا ضد القتل بكل أشكاله ومواضيعه، ضد قتل الإنسان والحيوان والشجر والحجر. لكن ما أقصده أن موت البشر لا يعني موت ذكراهم في ذاكرة الأجيال اللاحقة، إلا من لم يترك أثراً طيباً في الأرض. أبو عبدو الفوال لن يبرح ذاكرتنا وسيبقى حياً في ذاكرة الحلبيين، هل مات خير الدين الأسدي، أو خليل الهنداوي، أو عمر البطش، أو محمد خيري، أو صبري مدلل، أو مصطفى العقاد، أو محمد راغب الطباخ، أو لؤي كيالي، أو عمر أبو ريشة، أو كامل الغز.. 

داهمني رامي قائلاً بمكر:

  • لكن هؤلاء السادة هم من العظماء الذين لم يمر على موتهم زمنٌ طويلٌ حتى تنساهم الذاكرة الحلبية، أضف إلى ذلك الآثار المادية الخالدة التي تركوها خلفهم لتذكرنا بهم، مثل موسوعة الأسدي، وتاريخ الغزي والطبخ، وأفلام العقاد، ولوحات المدرس و الكيالي، وكتاب الكواكبي والنحوي، وصوت أساطين الغناء المسجل في أشرطة الكاسيت و الاسطوانات…

أما دمار العمار فيمكن تعويضه بالترميم وإعادة البناء، وبذلك يبقى عمار حلب حاضراً في ذاكرة المدينة وأركان وجودها المادي. 

أجبتُ بهدوء مختتماً مكالمتنا الهاتفية بأسى واضح:

  • لا يا صديقي، هيهات يعود الفرات أدراجه! حلب خسرت تاريخها بتدمير أوابدها العظيمة مثل سوق المدينة وجامعها الكبير وخاناتها الواسعة وجوامعها الرائعة ودورها القديمة وقيسرياتها وبيمارستاناتها وكنائسها وحمّاماتها وقصورها وحاراتها العريقة… 

حلب يا صديقي لم تخسر ذاكرتها قط، حلب تنعي تاريخها الذي نشهد موته المستمر في ظل سكوتنا الطويل! 

فمنذ نصف قرن وحتى اليوم تتعرض حلب لاغتيال تاريخها بشكل ممنهج، منذ بدأت الجرافات بهدم باب الفرج وبحسيتا وباب النيرب بغطاء مشروع تجميل المدينة، منذ اغتيال أشجار شارع فيصل بغطاء توسيع الطريق، منذ هدم المقصف العمالي وقلع أشجاره الباسقة لينهض مكانهم برج شاهق لركن السيارات وسوق بيع وشراء، منذ بيع مقهى القصر لرأسمال تجار البناء ليغدو محلاً لبيع الأحذية بدلاً من مركز تجمع المثقفين، منذ هدم إعدادية الحكمة بلا حكمة ولا ذريعة سوى الجشع والطمع… منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وانتهاءًا بهذا الخراب العظيم، يُقتَل تاريخ حلب ونحن نتفرج بصمت. 


   بعد أشهر معدودة زارتنا إحدى الصديقات الحلبيات في ذات اليوم الذي توفي فيه مطرب حلب العظيم صباح فخري، هي قرأتْ الخبر من موبايلها وأعلنته علي وعلى زوجتي وقالت:

  • الرحمة لروحه ولحلب العزاء، الآن خسرت حلب صوتها الغَنّاء وركناً مهماً من ذاكرتها، وللأسف خسرت ذاكرتي أنا صورته الحية لعدم حضوري أياً من حفلاته خلال حياتي في حلب. 

ردتْ زوجتي رجاء بكلمة رثاء:

  • الله يرحمه كان نجماً ساطعاً في عالم الغناء، مع ذلك أساء له أقرب الناس إليه قبل وفاته بحجة الدفاع عنه، وأساء له الإعلام في إظهار عجزه بحجة تكريمه في أواخر عمره. 

.. أحمدُ الله أنني رأيته في عز أيامه بكامل البهاء، نعم لقد حضرتُ له بعض الحفلات التي غنى فيها حتى الصباح ورقص فيها الحضور حتى التعب، خسارة موتك يا صباح يا فخر حلب. 

علّقتُ قائلاً:

  • نعم لقد خسرت حلب وسوريا والوطن العربي أجمل أصوات الطرب الأصيل، وبرغم كل الإساءة له سيبقى صوته نقياً شجياً حياً في ذاكرة حلب وأبناء حلب، وصفحته التي طواها الموت في كتاب الفن والطرب ستبقى مرجعاً أساسياً لكل الأصوات اللاحقة. 

حلب الولّادة ستحبل يوماً بصباح آخر يمشي على دربه في “درب حلب ومشيته كله سجر زيتون”*… لقد قال لي رحمه الله في نهاية حفلته على مسرح قلعة حلب ذات يوم: 

(لطالما يولد مثل هذا الطفل الذي رقص مثلي وقلد رقصتي على المسرح الليلة، فلا خوف على صباح فخري من الفناء). 


جهاد الدين رمضان 

فيينا، الخامس من تشرين الثاني /نوفمبر ٢٠٢١ 


*درب حلب ومشيته كله شجر زيتون: من أغاني المرحوم صباح فخري المشهورة. 

جهاد الدين رمضان

جهاد الدين رمضان، محامٍ وكاتب مستقل من سوريا. مُقيم في النمسا حالياً بصفة لاجئ. أكتب القصة القصيرة والمقال ومُجمل فنون أدب المدونات والمذكرات والموروث الشعبي. نشرتُ بعض أعمالي في عدد من المواقع ومنصات النشر الإلكتروني والصحف والمجلات الثقافية العربية. لاقت معظمُها استحسانَ القراء و لفتت انتباه بعض النقاد لما تتسم به من بساطة في السرد الشيق الظريف و أسلوب ساخر لطيف؛ مع وضوح الفكرة وتماسك اللغة وسلامتها.

تعليق واحد

  1. *تصويب: الغزي والطباخ، ليس الطبخ.
    مع جزيل الشكر لإدارة المنصة وجميع العاملين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى