بعض المُنطلقات الفكرية للجابري

- المنطلقات الفكرية للجابري -

1

 

في الندوة الفكرية التي نظمتها لجنة تأبين المرحوم الدكتور محمد الجابري بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية يوم 9_6_2010 ، فصل الدكتور حسن حنفي بين يوم التأبين ويوم مناقشة فكر الجابري و قال: إن لكل مقام مقال .

وفي هذا السياق،وبدءا من مرحلة تأبين المرحوم أو قبله بقليل بدأ التفكير في مناقشة فكر الجابري من جديد: مضمونه الإيديولوجي ومحتواه المعرفي والتفكير في منطلقاته العلمية والفقهية والسياسية والأسس والمبادئ والمسلمات التي اعتمدها في بناء مشروعه الضخم «نقد العقل العربي «.

ففي هذه الورقة سنتناول تلك المنطلقات والأسس في بعض جوانبها الأولى للجابري وهو في مدينة فجيج أولا ( المفكر ابن بيئته)، ثم بعد انتقاله إلى الدار البيضاء ثانيا.

  • المنطلق العلمي

كان الجابري رحمه الله يعطي اهتماما بالغا للعلوم: رياضيات وفيزياء خاصة أثناء تحضيره لشهادة الباكالوريا ( المعربة ) . وقبل ذلك، كان ميالا للحساب في السنوات الابتدائية ، كان يقوم بعمليات حسابية بدون «خشيبات « وهو في سن الابتدائي بفجيج . وبعد رحلته لسوريا لإتمام دراسته هناك ، وجد عراقيل في كتابة الأرقام الهندية بدل العربية ( الغبارية ) في المقررات ، مما اضطر في تغيير الشعبة.

وبعد عودته إلى المغرب ، درس الفلسفة، ودرسها في المدرجات ،بل كتب في فلسفة العلوم وله مؤلف بعنوان « مدخل إلى فلسفة العلوم « (جزءان). فعقل الجابري عقل رياضي _ أكسيومي ينطلق من أكسيومات ( معطيات ومسلمات) وصولا إلى نتائج معينة بالضرورة.

  • المنطلق الفقهي

حسب مؤلفه : حفريات في الذاكرة ، يصرح المرحوم انه درس في السنوات الأخيرة من الابتدائي كل من النحو والبلاغة والفقه و الشعر والجرمية و ألفية مالك و حفظ القران وعمره لا يتجاوز السنة العاشرة ، خاصة على يد المرحوم الحاج محمد فرح.

  • المنطلق السياسي

انخرط الجابري (صاحبنا) بقلبه و وجدانه في الحركة الوطنية وهو مازال صغيرا، متأثرا أولا بالحاج محمد فرح الذي كان له الفضل في غرس شجرة العلم وغرس روح الوطنية بفجيج ( حفريات في الذاكرة . ص83-84)، وهو الذي أنشأ المدرسة المحمدية الوطنية العربية الحرة بفجيج (ن. م. ص84) .

كان إماما ومديرا لنفس المدرسة ، وكان مباشرة بعد كل صلاة العصر يعطي دروسا في الحديث والنحو و الفقه و التفسير، وكان صاحبنا من الأطفال الوطنيين الدين يحضرون إلى دروس السيد محمد فرح رحمه الله بالمسجد وعمره لا يتجاوز العاشرة آنذاك. كان محمد فرح من رجالات الحركة الوطنية وله علاقات بشيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، أبي الوطنية والسلفية النهضوية الحديثة بالمغرب ، وكان والد المرحوم بدوره عضوا نشيطا في الحركة ، يتحرك ما بين وجدة وفجيج عبر مدينة بوعرفة . و تلمذ المرحوم ثانيا وهو في الدار البيضاء على يد المهدي بن بركة وعلى عبد الرحيم بو عبيد وعلى يد عبد الرحمان اليوسفي ومحمد البصري و غيرهم ليس بقليل .

ما علاقة هذه المنطلقات الأولى في فكر محمد الجابري وبمشروعه الضخم «نقد العقل العربي وباهتمامه بالتراث العربي «؟

أولا أن هذه المنطلقات جميعها تتكامل فيما بينها وتختلف في آن واحد على مستوى الرؤية و المنهج ، تتكامل لأنها تعطي لصاحبها القدرة على الوضوح والنظر يمينا ويسارا _عموديا وأفقيا – لمواجهة التحديات التي تواجهه في تعامله مع نفسه ومع الأخر .

أما على مستوى الاختلاف : فالمنطلق السياسي ليس دوره التنظير لبناء مدينة فاضلة كمدينة الفارابي فقط ، بل الانخراط في صفوف الجماهير و تعبئة الطبقة العاملة للضغط على الأخر للتنازل وللتفاوض . تلك هي مهمة المثقف العضوي بلغة انطونيو غرامشي والتي كانت تطبع سلوك الجابري رحمه الله .

أما المنطلق الثاني الفقهي إن صح هذا التعبير ، فالجابري لم يكن يفكك «النظام البياني» في كتابه بنية العقل العربي أساسا إن لم تكن له آليات فقهية للتفكيك ، آليات في التفسير وفي الحديث وفي النحو أو في البلاغة…وبلغ مختزلة ، إن لم يكن منخرطا بنفسه في النظام البياني .

أما المنطلق الأخير العلمي فهو الذي سمح للجابري الخوض في العلم الأرسطي : علم الطبيعة و الارغانون و الفلسفة الأولى . فهو الذي سمح له الخوض في فلسفة العلوم : ابسمتولجيا وتاريخ العلوم و الميتودولوجيا. وهو الذي سمح له بالوقوف على القيم الابستمولوزجية التي أفرزتها الثورات العلمية الحديثة منها والمعاصرة ، وتوظيفها معرفيا في مشروعه .

إلا أنه في جميع الحالات تبقى علاقة المنطلق الفقهي بالمنطلق العلمي عند الجابري غير واضحة إن لم نفترض أن أحدهما كان خادما للأخر. وبلغة أخرى هل الجابري كان فقيها (بيانيا ) أكثر مما هو علمي (برهانيا) أم العكس؟ هل كان يريد بناء البيان على البرهان مع إقصاء العرفان على غرار إسلافه المغاربة و الأندلسيين بدءا من ابن حزم وابن رشد مرورا بابن باجة وابن طفيل ؟ نطرح هذه الأسئلة للنقاش ونحن في بداية نقد بعض الأطروحات للجابري من بينها أطروحة العودة إلى الروح الرشدية لعقلانيتها وواقعيتها . هل الرشدية مازالت معاصرة لنا وهي تنتمي الى فلسفة العصور الوسطى؟ الم يمت الجهاز المفاهيمي المعرفي (الابستمولوجي ) لهذه الروح الرشدية مع نهاية القرن الثامن عشر ؟


  • المرجع

– محمد عابد الجابري. حفريات في الذاكرة . دار النشر المغربية . الدار البيضاء.
– عنوان المقالة : بعض المنطلقات الفكرية للجابري وهو في مدينة فكيك( مسقط رأسه)

 

تعليق 1
  1. طاهر يقول

    الرجوع الرشدية تعني الرجوع للروح النقدية لابن رشد والاهتمام بالفلسفة والثراث الديني الإسلامي لملء الساحة حتى لا يغلب الفقهاء الفلاسفة لجهلهم ببضاعتهم .اما ان نقول ان الجابري يود العودة الى مفاهيم ابن رشد وتمثلها فهذا ضرب من التجني.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.