مفهوم الجدل في فلسفة العلوم

0

 

بنى غاستون باشلار فلسفته المنفتحة على المفاهيم الرئيسية التالية: مفهوم القطيعة الابستمولوجية والعائق الابستمولوجي و مفهوم الجدل.

ولقد سبق أن تناولنا مفهوم القطيعة في مقالة سابقة ،وفي هذه المقالة سنتناول مفهوم الجدل في فلسفة العلوم (مفهوم الجدل عند باشلار )وأهم مظاهره

في كتابنا “جدلية العلم والعقل ” من منظور ابستمولوجي تناولنا في فصل فلسفة العلوم المعاصرة بعض التيارات الفلسفية التي تجاوبت مع إشكالية نتائج العلوم المعاصرة كتيار مدرسة كمبردج، التي كان يتزعمها ب, رسل، وتيار الوضعية المنطقية الجديدة (حلقة فيينا)، والتيارين المعارضين لهذين التيارين، كتيار كارل بوبر، وتيار توماس كون(1)، وخصصا فصلا كاملا، للابستيمولوجي الفرنسي غاستون باشلار صاحب فلسفة الرفض، لأهمية فلسفته المنفتحة. تنتناولنا فلسفته من خلال زوايا تفاعل العلم المتطور، والعقل المنفتح. أليس هو صاحب فكرة مطابقة العقل والعلم الأكثر تطورا وتطويرا. فالعلاقة بين العلم، والعقل، أو قل جدليتهما، هي التي تناولناها بالتفصيل في الفصل التاسع من كتابنا المذكور، مبرزين بعض مظاهر الجدل في العلم.

وقبل تناول هذه المظاهر ، ماذا نقصد بالجدل ؟

الجدل لغةً: من فعل جدل، يجادل، يعني التحاور، والنقاش، وهو في مبدئه يتعلق بممارسة الحوار، ثم سرعان ما اتخذ معنى مناقشة، مؤسسة على نحو ما، منظمة في حضور جمهور يتابع اللعبة، كأنها نوع من المبارزة بين متجادلين، يدافعان عن أطروحتين متناقضتين(2).

فالمحاورات الأفلاطونية، هي محاورات تشهد على جدال ذلك العصر، وأفلاطون نفسه كان مجادلا قبل أن ينهج منهج الفرض الرياضي (المنهج الصاعد والمنهج الهابط).

والجدل كذلك، هو فن النقاش الذي ظهر مع الأيليين (نسبة إلى إيليا) مع بارميندس أستاذ زينون، وقبلهما هيراقليطس، مؤسس “الدياليكتيك”. وتعود جذور ازدهار هذا الفن إلى ازدهار أثينا اقتصاديا، في عهد بريكليس، في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وازدهر معها العلم، والفن، وظهرت مشاكل كان يجب حلها سياسيا، واجتماعيا. مما يستدعي غلى تعليمم الأنباء، لا لتثقيفهم علميا، بل لإعدادهم للحياة العملية، وتعليمهم البراعة في فن الخطابة، وفن النقاش ، وفن الجدل، للتغلب على الخصم في الميدان التجاري، والسياسي. كانت السياسة في أثينا مرتبطة بالمال، وكان على المعلم أن يعلم التلاميذ كيفية الحصول على المال، وعلى مناصب سياسية. وفي هذه الظروف وفي هذه الشروط، ظهر السوفسطائيون الذين كانوا خطباء، وجدليين، ومدافعين لدحض أطروحة الخصم(3).فهذا الجدال، والنقاش، والمعاندة هو الذي قننه وقعده أرسطو، وأصبح علما قائما بذاته باسم “المنطق الأرسطي”،

  • 1- الجدل في الفلسفة

قبل تحديد مفهوم الجدل العلمي، نتناول أولا مفهوم الجدل في الفلسفة إذا كان هيرقليطس هو مؤسس الديالكتيك فالجدل عنده تعني تبادل وجهات النظر حول قضيتين قد ينتهي بالطريقتين المتقابلتين الى نتيجة جديدة (قضية جديدة ) تتجاوز الرايين المتعارضين . فالنقاش عند الأفيزي قد ينتهي من قضية ونقيضها الى قضية جديدة بتجاوز النقيضين إلى ماهو أحسن وأفضل

ينطلق هيراقليطس من فكرة مفادها أن كل شيء في الكون يحمل في داخله عكسه ، كل شيء موجود هو تناغم من التوترات المتقابلة ، والتناغم يحتوي بالضرورة مبدأين متعارضين .

تأثرت الفلسفات اللاحقة لفكر هيراقليطس كالفلسفة الأفلاطونية ومدرسة السوفسطائيين ، وانتقل هذا التأثيرالى الفكر الفلسفي خلال العصور الحديثة التي تلت . وبالأخص فلسفة هيغل وماركس.

فالجدلى الفلسفي ، جدل هيغل مثلا ينطلق تعارضيا من الأطروحة ونقيضها ومن صهرها في مفهوم أرقى . أما الجدل في العلم لا تكون المفاهيم متناقضة مثلما هي عند هيغل ،بل تكون المفاهيم متكاملة كما سنرى

  • 2- مفهوم الجدل في العلم

قبل تحديد مفهوم الجدل العلمي ، نشير أولا ان إشكالية مطابقة العقل بالواقع المعطى الذي تكون الحقيقة كامنة فيه ، أًصبحت إشكالية ماضوية في عصر باشلار ، ولم تعد ذات موضوع. فإشكالية مطابقة العقل بالواقع المعطى هي إشكالية خاصة بالفكر الأوربي الحديث ، بل نابعة من الفكر الاسكولائي , فابتداء من سنة 1905 ، مع اكتشاف نظرية النسبية مع اينشتين ونظرية الكوانطا مع ماكس بلانك ، سقطت المطلق على العقل وعن الواقع وكما في الحقيقة باعتبارها تطابق لعقل مطلق مع واقع مطلق .

أما باشلار فقد اقترح مطابقة جديدة تناسب المرحل قطباها هذه المرة العلم والعقل , فالعلاقة بين العقل والعلم المتطور في تفاعلهما هي علاقة جدلية سنذكر أربعة مظاهر لهذه الجدلية في العلم .

المظهر الأول : نتناول فيه تشتيت مفهوم الكتلة وتشتيت مفهوم الطاقة

المظهر الثاني: توسيع المعرفة، وتصحيحها

المظهر الثالث: التركيب، والتوليف

المظهر الرابع: تركيب العقل الجديد

المظهر الأول:

* مفهوم الكتلة:

تقدم لنا ميكانيكا ديراك Dirac مفهوما جديدا للكتلة بجانب كتلة نيوتن، وكتلة أينشتين. فالكتلة عند نيوتن، هي مقدار ثابت لا يتغير. وعند اينشتين، هي مقدار يتغير حسب حركة الجسم المتحرك. فلماذا لم تكن الكتلة شيئا آخر غير هذين التصورين النيوتوني، والنسبي؟ لماذا لم تكن لا هذا ولا ذاك؟ وعندئذ تكون فلسفة (لم لا؟)الجدلية هي الطابع المتميز للعقل العلمي الجديد، فلماذا لم تكن الكتلة سلبية؟(12)

فحسب ميكانيكا ديراك، يعطينا الحساب كتلتين اثنتين لموضوع واحد (شيء واحد). أحدهما، تختصر فيه تماما كل ما نعرفه عن الكتلة في الفلسفات الأخرى، التي عاصرها باشلار، كالواقعية الساذجة، والتجريبية الواقعية، والعقلانية النيوتونية، والعقلانية الأينشتينية التامة(13). لكن الكتلة الأخرى، هي كتلة سلبية. تمثل مفهوما جديدا للكتلة لا يمكن تمثله في الفلسفات الأربع السابقة. وبالتالي، فإن نصف ميكانيكا ديراك، يواصل الميكانيك الكلاسيكي، والميكانيك النسبي. والنصف الثاني، يتفرع عن مفهوم أساسي جديد يعطي شيئا آخر، ويحرك ما كان يمكن أبدا أن نجده في التأمل بجوهر مفهوم الكتلة. ولا في صهر مفهوم الكتلة النيوتوني والنسبي(14).فهذا التصور الجديد الديراكي (نسبة إلى ديراك)*** لمفهوم الكتلة هو إحدى مميزات العقل العلمي الجديد الذي يتناوله باشلار. فمفهوم الكتلة ليس مفهوما جامدا، وثابتا، بل متحركا ومتحولا من حدس، إلى حدس آخر. فمن المنظور القبلعلمي للكتلة، إلى التصور النيوتوني، إلى التصور النسبي، ثم إلى المنظور الديراكي للكتلة السلبية.

فبالنسبة إلى عالم القرن التاسع عشر، كان مفهوم الكتلة السلبية مفهوما مخيفا، يعتبر خطأ أساسي في نظرية المعرفة العلمية. فقد كان ثمة حدود لحرية التعبير، ولم يكن من الممكن أبدا لفلسفة ما لأن تنجح في تفسير الكتلة كمقدار سلبي(15).

إن ما يطبع فلسفة باشلار هو انفتاحها على “لماذا لا هذا ولا ذاك؟” ولم يكن شيئا آخر. وانفتاحه على منطق جديد لا يتفق مع المنطق الأرسطي الثنائي القيم. هذا الانفتاح، هو ما يميز فلسفة باشلار المنفتحة عن “لم لا؟” يبقى سؤال مطروح قبل المرور إلى تشتيت مفهوم الطاقة. هل وجد مفهوم الكتلة السلبية تأويله الاختباري؟ وإلا ستبقى العقلانية الباشلارية معلقة في الهواء. سؤال طرحه باشلار نفس(16).

* مفهوم الطاقة:

بجانب مفهوم الكتلة السلبية، ظهر مفهوم الطاقة السلبية في ميكانيكا ديراك* من خلال معادلاته عن الشيوع(17). أصبحنا أمام تصورين لنفس مفهوم الطاقة. وعلى يد بلاكيت Blarkett وأوكشياليني Occhialini سرعان ما جاء الاكتشاف الاختباري للكهربون الإيجابي ليؤكد بشكل غير مرتقب نظريات ديراك(18). لقد كان السرير جاهزا (يقول باشلار) لكي تأتي الظاهرة الجديدة (ظاهرة التصور السلبي). لقد كان هناك تنبؤ نظري بتوقع الحدث(19).

فالعناصر التي اشتغل عليها باشلار، وغيرها، تأخذ عدة صور (عدة مظاهر). وهذه الصور ليست متناقضة، فالسلب ليس نقيض لقضية كما هو الشأن لدى هيغل(20) بل هي بالأحرى متكاملة(21) ومن هنا يختلف الجدل في العلم عن الجدل في الفلسفة، ففي هذه الأخيرة يقوم الجدل على قضية ونقيضها ثم المركب الذي يجمع بين خير ما فيهما ويتجاوزهما إلى ما هو أفضل. أما في العلم، فالجدلية العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها إلا عن طريق السلب المنظم، الذي يصارع القديم، ويرفضه، ويعبر عما يطرأ في العلم من تحولات أساسية عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى ومراجعتها من جديد(22).

كانت من بين منطلقات باشلار حول مفهوم الجدل في العلم أستاذه كونزنت، العالم الرياضي السويسري، صاحب العقيدة الايديونية Idonisme التي تنادي بإعادة سبك مترابط للحدوس وللمفاهيم المشتتة، كحدس أقليدس، وحدس لوباتشوفسكي، وحدس ريمان، المشتتة التي من خلالها تشكل الفكر الهندسي في شموليته. وكحدس نيوتن، وحدس أينشتين وحدس ديراك، المشتتة المتناسقة في توسيعها، وفي شموليتها، التي تختزل في الفكر الغربي الجديد والمعاصر. فنظرية كونزنت، هي طريقة عقلانية، مرنة، متحركة، وأفضل من أي عقيدة حديثة أخرى عرفت كيف تغني الفكر الرياضي لتقدمه(23).

المظهر الثاني: توسيع المعرفة وشموليتها

إن تاريخ العلوم في تصور باشلار هو تاريخ أخطائه، وكل مقالة في العلم ستكون دوما مقالة ظرفية. والفكر العلمي بالدرجة الأولى همه هو تصحيح معرفته وتوسيعها. فهو يعلو على ماضيه التاريخي بإدانته. ووعيه هو الوعي بتصحيح أخطائه التاريخية(24). وما الأفكار اللابيكونية، واللانيوتونية، اللاأقليدية و اللامكسولية … سوى خلاصة هذه الأفانين من الجدل التاريخي بين القديم والجديد، التي تمثل في تصحيح خطأ العلم، وتوسيع منظومته(25). فالهندسة اللاأقليدية مثلا لم تضع لتناقض الهندسة الأقليدية، وإنما هي كالفاصل المساعد الذي ينبغي للفكر الهندسي التأليف الكلي، والاكتمال، وييسر له الذوبان في هندسة كلية(26). وبالمثل، بالنسبة لميكانيكا اينشتين، وميكانيكا الكوانتا لهزنبيرغ، وميكانيكا ديراك، فهي جميعها لم تضع لتناقض ميكانيكا نيوتن، بل جاءت لتكملها، ولتوسع منظومتها الفيزيائية في شموليتها. فالجدل هنا بمعنى التكامل بين العلم القديم والعلم الحديث في إطار التوسيع والتصحيح. وفي هذا السياق يتجادل (يتكامل) العقل مع الواقع والنظرية مع التجربة (وهما يتبادلان النصح باستمرار).

فعندما زار كمبتون ج.ج طومسون J.J Thomson في كمبردج لقي هذا الأخير ابنه J.P Thomson الذي جاء ليقضي عطلته الأسبوعية. وكانوا جميعا يلهون بفحص الصور الشمسية للألواح الكهربية. وقد وقف كمبتون في هذا الصدد على مفاجئة عبر عنها قائلا: “لقد كان حادثا دراميا حقيقا أن نشاهد رجل العلم الكبير العجوز الذي أنفق خير وقته في تأكيد طبيعة الكهرب الجسمية، فقد امتلأ حماسا لعمل ابنه J.P Thomson الذي اكتشف أن الكهارب المتحركة أمواج”(27) (وهو تعبير عن تكامل النظرية الجسيمية والنظرية الموجية).

لقد كان الغرب مضطرا لترميم عقله، وإن يضع لنفسه من جديد حياة بالمعنى العقلي، ثلاث مرات، أو أربع، كما وهم J.J Thomson الجسيمات والتموجات. (*)

المظهر الثالث: التركيب والتوليف

في كتابه “الفكر العلمي الجديد”يقول باشلار: وقد انقضى عهد الفرضيات المشتتة (…) كما انقضى زمن التجارب المعزولة (…) وصارت الفرضية من الآن تركيبا(28).فالفكر الجديد أصبح مركبا من حدوسات مختلفة، ومن فرضيات ومصادرات، تتداخل فيما بينها، في إطار تركيب، وتوليف، لتتكامل، وتتجادل، وتتوسع منظومتها المعرفية.

فمفهوم الكتلة الذي شتتناه سابقا، هو مفهوم مركب من فرضيات، ومصادرات مختلفة: مصادرة نيوتن، ومصادرة أينشتين، ومصادرة ديراك، وهي مصادرات لا تتناقض فيما بينها،بل لتكمل بعضها البعض. وكذلك بالنسبة للعلوم الأخرى كعلم الهندسة. فعلم الهندسة هو منظومة فكرية رياضية مركبة من مصادرات، وحدوس مختلفة، كمصادرة أقليدس، ومصادرة لوباتشوفسكي، ومصادرة ريمان، وهي جميعها مصادرات مركب، تختزل في النهاية في علم الهندسة في شموليته، وفي توسيعه، وبالمثل بالنسبة لفيزياء نيوتن، أينشتين، ولويس دوبروي، وبوهر، وهيزنبرغ، وديراك، فكل واحد من هؤلاء العلماء ينطلق من مصادرة، وهذه المصادرات جميعها تتركب، وتتجادل فيما بينها لتصل إلى ما وصلت إليه الفيزياء المعاصرة.

إذ لاحظ كونزنت قبل باشلار وجود نوع من التكامل في العلم الرياضي، والعلم الفيزيائي، فلم يعد في نظره أن نضع الرياضيات في تعارض مع العلوم الفيزيائية، كما لو كانت الأولى التي تعتمد الاستنباط تمثل نوعا من الحقيقة الثابتة، والمطلقة. وكما لو كانت الثانية التي تعتمد التجربة، هي وحدها التي تخضع للتطور. فالعالم الرياضي يجرب ولو بطريقة عقلية(29) وفي هذا السياق، سار باشلار. ويؤكد أن حوارا بين العالم الرياضي والعالم الفيزيائي لا يستطيع الفيلسوف التقليدي أن يفهمه، إلا إذا انطلق من المفهوم الفلسفي للجدل داخل العلم.

وفي نظر بوهر، BOHRليس هناك تضارب، وتنافي للنظرية الجسمية، مع النظرية التموجية(30). بل قد أعلن عن ضرورتهما وتكاملهما لفهم الوقائع الضوئية. فالجدل هنا يعني التكامل، تكون فيه القضية بدون نقيض(31). وقد حاول بوهر أن يطبق هذا المبدأ في ميادين علمية أخرى، كعلم الحياة. فالكائن الحي في نظر بوهر يبدو لنا في مظهرين: مظهر فيزيائي – كيميائي، ومظهر دينامي. ولكي ندرك ظواهر الحياة، لا بد من اعتبار هذين المظهرين في إطار تكاملهما.

لقد لاحظ بيالو رجسكي وجود بعض التماثل بين بناء المفاهيم الفيزيائية وطريقة أوكتاف هاملين Octave Hamilin التوليفية. فالمفهومان اللذان يندمجان في توليف (هامليني) يتكاملان ويتجادلان، لكنهما لا تناقضان(32). إن عالم الفيزياء يتمسك بحكم طريقته ذاتها بتحفظ شديد ولا يمكنه المضي قدما وسريعا كما يفعل الفيلسوف(33)

فهناك جدل في العلم، كما هو عند هاملين، وعند ديراك … وهناك جدل في الفلسفة، كما هو الشأن عند هيغل، وماركس. فإلى أي حد يتقارب الجدلان؟

المظهر الرابع: تركيب العقل الجديد: (من بنية ثابتة إلى بنية متحركة ومتحولة)

فتركيب المفاهيم المشتتة، والمصادرات، والفرضيات والحدوس المختلفة، وتوسيع المعرفة، وتوليفها، وتصحيحها، لن يتأتى دفعة واحدة، ولن يدركه العقل إلا عبر مراحل، مما يعني رفض مقولة ثبات بنية العقل البشري، في صيغتها التقليدية القائلة “كل ما هو موجود، موجود”. وبلغة أرسطو أن (ا) هو (ا) مهما يكن (ا). لكن الابستمولوجية المعاصرة، خلخلت مجموعة من الثوابت كثبات مقدار الكتلة، والطاقة، وبالتالي (ا) ليس هو (ا). بل هو شيء متحرك ومتغير. وهذا التحول، لا يمكن إدراكه دفعة واحدة، لا في التجربة، ولا في العقل. وعلى هذا الأساس، ينبغي على الابستمولوجي أن يشرح تركيب العقل تركيبا متحركا إلى جد ما، حتى عندما يبدو هذا التركيب من الناحية الفلسفية معضلة لا سبيل إلى حلها(34). وبالتالي عليه أن يقف على التغيرات التي تطرأ على بنية العقل في صيرورته اتباعا لنتائج العلوم المتطورة. وبهذا يهذب العلم العقل ويعلمه، ويتشكل هذا الأخير من جديد اتباعا للقيم الابستمولوجية الجديدة التي يفرزها العلم المتطور. فمن الواجب القول أن يطيع العقل العلم الأكثر تطورا وتطويرا(35). عليه الاستجابة لخضوع شروط العلم، وعليه أن يتعبأ ويتحرك حول توليفات جديدة تتوافق مع جدليات العلم المتطور.(36)

إن هذه التركيبات، والتوليفات، والجدليات في العلم في مظاهرها المختلفة، تمثل فرص التعقل التي تؤثر على بنية العقل (العقل المكون). وهذا التأثير ينعكس بدوره على العلم. فتكون علاقة العلم والعقل علاقة جدلية. فماذا يمكن لعقل أن يكون بدون فرص التعقل؟

سؤال طرحه باشلار في كتابه “فلسفة الرفض”. وفي رده يقول: “يجب على العقل أن يستفيد من كل فرص التعقل، يتوجب عليه البحث عن تنوع المعاقلات، أو بكلام أفضل، من تباينات التعقل. والحال أن تباينات التعقل هي كثيرة في علوم الهندسة، والفيزياء، وكلها متكافلة مع جدل الأسس العقلية(37).

وبهذا التفتح على فرص التعقل في الفكر العلمي الجديد من تركيبات، وتوليفات، وجدليات في العلم، بنى باشلار فلسفته التي يسميها تارة الفلسفة المنفتحة، وتارة الفلسفة الجدلية وتارة فلسفة الرفض (فلسفة لا).

فالجدلي هو العقلاني المنخرط في إشكالية هذه الجدليات المتنوعة التي تتطلب إدخال منطق جديد، بدل المنطق الأرسطي الثنائي القيم. وفي هذا السياق قامت حركة أمريكية بزعامة كورزيبسكي Korzybski مستندة على المنطق الرمزي(38) من أجل تربية اللاأرسطوطاليسية. فلنتابع أعمال كورزيبسكي في تطبيقاتها في علم التربية.
إن الطفل عند كورزيبسكي، هو بمثابة ميدان خاص، ولد بدماغ غير متكامل، وليس كما تقول مصادرة العلم التربوي القديم بدماغ أبيض. والجميع يكمل دماغ العقل بواسطة اللغة، والتعليم، والدربة (الترويض). ويمكن إكماله بطرق عديدة. وفي هذا الأمر بالذات تكمن التربية اللاأرسطوطاليسية التي يقترحها كورزيبسكي. فإكمال دماغ الطفل بوصفها جهازا مندمجا، وجهاز وظائف نفسانية متفتحة(39)، بتطلب حسب كورزيبسكي بمدرسين غير أرسطوطاليسيين يقومون بتهذيب هذه النفسية المنفتحة، فيلزم أولا تحليل نفسية المدرسين أنفسهم، والقطع مع نظام الحصر النفسي الذي غالبا ما يميزهم، ويعلمهم تقنية التفريغ والتبعيض، آخذين في الاعتبار، منالهم الماهوي، بوصفه هاجسا يجب الابلال منه(40).

لقد بنى كورزيبسكي منذ مقدمة كتابه “للتدريب على دور علاجي حتى بالنسبة للراشدين السليمين. ويميز فيه بين البلهاء والأغبياء بوصفهم أفرادا فقدوا كليا قدرتهم على التفسير الروحي(41). ويبدو أن خلاصة نظرية كورزيبسكي تتجاوب مع الجدليات في العلم التي قال بها كونزت، وقال بها هوبر، وأكدها باشلار في كتابه ” فلسفة الرفض، والفكر العلمي الجديد”. وهي الخلاصة التي دافع عنها باشلار في كتابه “تكوين العقل العلمي” يرى كورزيبسكي أنه على كل مرب يرى قدرته العطائية قد انخفضت أن يحال على التقاعد. فمن المستحيل حصر التربية في الرجوع المجرد إلى ماض تربوي. إذ لابد للمعلم أن يتجدد وفق المستجدات المعرفية، وأن يخرج من حتميته، ومنطلقاته … وإلا أن يحال على التقاعد. عليه أن يأخذ بالجديد كالمنطق الرمزي الذي يقترحه كورزيبسكي المتعدد القيم، وبالهندسة اللأقليدية، وميكانيكا أينشتين، وميكانيكا الكوانتا لهزينبرغ، وميكانيكا ديراك…، وهي كلها علوم تعبر عن الفكر العلمي الجديد. فعلى العقل أن يخضع ويتجاوب مع العلم المتطور في جدلياته، ويتأثر بها، ويتفاعل معها.

تلك هي سمات جدلية العلم والعقل. فالعقيدة السلفية القائلة بعقل مطلق وثابت ما هي إلا فلسفة بالية وبائدة(42).

  • خلاصة:

فالعقل في مرحلة ما قبلعلمي، ليس هو عقل المرحلة العلمية حسب ترسيمة باشلار. وعقل المرحلة الأخيرة، حسب نفس الترسيمة، ليس هو عقل ما بعد 1905م. بل هو عقل مرحلة تتميز بجدلية العلم، والعقل، يتجادل فيها الحتمي، والنسبي، وما فوق النسبي. فعلى العقل أن يستوعب هذه الجدليات، في تركيبها، وتوليفها، في وحدة متناسقة، تعبر عن الفكر العلمي الجديد الذي يقترحه باشلار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

(1) أنظر الفصل الثامن تيار كارل بوبر وتيار توماس كون

(2) بلانشي: المنطق وتاريخه. م. س. ص 25.

(3) ثيوكاريس كيسيديس هيراقليطس.م س. ص 30.

*ساهم العقل الأمريكي (الغربي) في العلم المعاصر ابتداء من النصف الأول من القرن 20 وساهم العقل الياباني في نفس العلم ابتداء من النصف الثاني من نفس القرن.

** الفلسفات التي عاشرها باشلار أهمها: الواقعة الساذجة والواقعية التجريبية، العقلانية النيوتونية والعقلانية الأينشتينتية التامة (عن فلسفة الرفض. ص 36)

(4) محمد وقيدي فلسفة المعرفة عند باشلار. مكتبة المعارف. الرباط ط2 1984 ص 9

(5) ن.م.ص 9

(6) ن.م.ص 9

(7) ن.م.ص 40

(8) يمنى طريف الخولي. فلسفة العلم في القرن العشرين م.س. ص 406

(9) ن.م.ص 407

(10) ن.م.ص 407

(11) باشلار فلسفة الرفض ترجمة خليل أحمد خليل. دار الحداثة ط1 –

** جورج طرابشي. نظرية العقل. دار الساقي ط1 1996 ص 244

(12) باشلار. فلسفة الرفض. ص 37

(13) باشلار. فلسفة الرفض. ص 36

(14) باشلار. فلسفة الرفض. ص 37

*** في محاولة لإيجاد تعميم نسبوي لمعادلة شرويدنجر الكمية بالنسبة للإلكترون ابتكر ب.ا.ديراك p.a. dirac نظرية حققت نجاحا في تطبيقها على ذرة الهيدروجين، ولكن حملت معها بعض الأشياء الغربية غير المألوفة ظاهريا. من بينها حالات الطاقة السالبة للالكترون الحر. وعندما أعيد تفسرها على نحو صحيح تحولت إلى التنبؤ بجسيم جديد له نفس كتلة اللاكترون. لكنه يحمل نتيجة معاكسة. أي موجبة وتم على الفور اكتشاف اللاكترون المضاد المسمى بو زيترلاون بطريقة تجريبية = عن سالم تريمان. من الذرة إلى الكوارك. ترجمة أحمد فؤاد الباشا. عالم المعرفة. عدد 327.

(15) باشلار. فلسفة الرفض. ص 37

(16) باشلار. فلسفة الرفض. ص 38

(17) باشلار. فلسفة الرفض. ص 39

(18) باشلار. فلسفة الرفض. ص 39

(19) باشلار. فلسفة الرفض. ص 39

(20) ن.م. ص 154

(21) ن.م. ص 154

(22) يمنى طريف فلسفة العلم. م, س, ص 404

(23) باشلار. فلسفة الرفض. ص 115

(24) باشلار. فلسفة الرفض. ص 137

(25) باشلار.الفكر العلمي الجديد. ترجمة عادل العوا ط3 1990 ص 170

(26) باشلار.الفكر العلمي الجديد. ص 170

(27) باشلار.الفكر العلمي الجديد. ص 171

(*)باشلار.الفكر العلمي الجديد. ص 171

(28) ن.م. ص 9

(29) محمد وقيدي. فلسفة المعرفة عند باشلار. م. س. ص 152

(30) محمد وقيدي. فلسفة المعرفة عند باشلار. م. س. ص 148

(31) محمد وقيدي. فلسفة المعرفة عند باشلار. م. س. ص 149

(32) باشلار. فلسفة النفي. م.س. ص 154

(33) باشلار الفكر العلمي الجديد م. س. ص 19

(34) باشلار. فلسفة الرفض. ص 163

(35) باشلار. فلسفة الرفض. ص 163

(36) باشلار. فلسفة الرفض. ص 164

(37) باشلار. فلسفة الرفض. ص 144

(38) باشلار. فلسفة الرفض. ص 144 وما بعدها

(39) باشلار. فلسفة الرفض. ص 144

(40) باشلار. فلسفة الرفض. ص 164

(41) باشلار. فلسفة الرفض. ص 144

(42) باشلار. فلسفة الرفض. ص 164

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.