مِن الضرورة الابستمولوجية إلى فلسفة القيّم التعددية

ترجمة: أنوار طاهر

0

 

يعد الفيلسوف والسوسيولوجي البلجيكي أوجين دوبريل (1879-1967) هو رئيس مدرسة بروكسل، ورئيس الجمعية الفلسفية البلجيكية ومؤسِسها. وساهم في إنجاز العديد من الأعمال العظيمة، وعلى رأسها تجديد مناهج تدريس الفلسفة، وفتح آفاق غير مسبوقة بغية دراسة العلاقات الاجتماعية وأنظمة القيم في المجتمعات البشرية1. وشرع بذلك في أطروحته للدكتوراه المكرسة للبحث في مقولات الأنظمة الفلسفية لأرسطو وكانط ورينوفير، موضحاً:

((إن دور الميتافيزيقيا مثلما يتبدى كناتج لمسلمات قبلية، يكمن في التأسيس لحركة جدلية تقوم على ضرورة منطقية يُثبّت فيها لحد اعلى من خلال وضع أفكار كلية ومطلقة وإلزامية، دون ان تستلزم هذه الأخيرة شيئاً فيما ورائها سوى نفسها)). فمثل تلك الأنظمة الفلسفية تقدم نفسها كنظرية مقولات أي كأفكار اساسية تنطبق على واقع التجربة والفعل، وعلى الكوني أيضا، بواسطة ضرورة منطقية تشكل وتصيغ تعريفاتها بصورة متبادلة.

ففي داخل هذا التصور للمثالية التقليدية، تشرع الميتافيزيقيا، انطلاقا من مفهوم مطلق وصائب بواسطة ضرورة منطقية، في وضع نظام مقولات أي مبادئ أكثر عمومية؛ متميزة؛ بسيطة وواضحة، ونطاقها شمولي2.

فلا توجد فكرة وسمت الجهود المبذولة طوال تاريخ الفكر الفلسفي، وميّزت تطلعاته التقليدية بصورة أفضل، أكثر من فكرة المعرفة الضرورية/ الواجبة/الإلزامية. حيث تفرض مجموعة احكام قيمية بنفسها على المخاطب للموافقة عليها بمجرد ما ان يتم طرحها، وحيث لا ينفصل فيها تأكيد صدق هذه الاحكام او كذبها من كونها صائبة.

وعند هذا الحد، يبدو شكل حقيقة تلك الاحكام وقيمتها هو شيء واحد ومتطابق لدرجة ان العقول الحاملة لها ستكون على يقين من انها تمسك بالتعريف المطلق للأشياء عموما على الوجه الصحيح. هكذا، بعد ترسيخ فكرة المعرفة الإلزامية، التحمت المعرفة والوجود حد التطابق، واندمج الموضوع مع الشيء، وهذا يكفينا لفهم السبب وراء انشغال الفلاسفة بهذه الفكرة بحماسة وإصرار.

نتيجة لذلك، أمسى دور الفيلسوف، وحسب التصور الأكثر كلاسيكية، هو المفكر الذي يبدأ في الحال بتمييز المسلمات الضرورية غير المنفصل صلاحية قيمتها وحقيقتها كليا عن كونها محل اعتبار او مستبعدة. ففي موضع آخر ممكن، ستكون قيمتها منتشرة ومتداولة على نطاق واسع عن طريق تضمينها او تعزيزها وتوسيع تمدّدها فوق أرضية مسلمات أخرى ليست واضحة البداهة فورا.

إن تقدم المعرفة، إنما يمثل هذا الانتقال للبداهة، او بالأحرى هذا الامتداد والتوسع (لان القيمة المحمولة/المنقولة لا تترك نقطة انطلاقها نهائيا، وإنما تمدد مجالها)، اما ميكانزم تقدم الفكر برمته فهو تشغيل وتفعيل لتلك الضرورة بوصفها هي المعيار.

إن التأكيد على الضرورة المستندة على الحدس، فهذه مسألة اظهرتها النصوص الفلسفية والأكثر كلاسيكية أيضا. فالكلمة نفسها تستدعي ذلك فعلا، فعبارة “تعرف على الواجب وميزّه، هي ان إدراك حالة القسر والإلزام، أي الشي الذي يجبرنا. اما الفيلسوف الذي ينادي بالحقيقة الضرورية فهو دائما ما يشبه كثيرا ذلك الموظف الذي يبادر بالقول فورا: لست انا من فكر بهذا الامر، انها السلطة العليا او لائحة التعليمات، فهو يخلص نفسه بالإشارة الى قوة تتخطاه3.

وإذا علمنا انه في الأسبوع الاجتماعي الجامعي العشرين لمعهد سولفاي في السوسيولوجيا المكرس لموضوع «فن الاقناع»، كان الفيلسوف دوبريل قد أكد في ورقته الموسومة: «الخطاب والطبيعة…صراع البلاغة والفيزيقا في عصور الحضارات القديمة»، على:

((أننا إذا أردنا ان نوجز في مصطلح «بلاغة» جميع فنون التواصل بين مختلف العقول على تعددية اشكال تفكيرها، فنحن في حاجة لها الآن أكثر من أي وقت مضى)).

فلن نستغرب، بعد ذلك، -حسب الفيلسوف شاييم بيرلمان- انه منذ بداية ظهور كتابنا بالاشتراك مع زميلتي السوسيولوجية لوسي اولبرخت-تيتكا والموسوم بـ «البلاغة والفلسفة…من اجل نظرية حِجاجية في الفلسفة»، كان معلمنا دوبريل قد نوه الى أهميته في الأول من ديسمبر عام 1952، بالتنويه الى أنه:

((عمل يهدف الى سد فجوة مهمة أجبرت علماء المنطق على أن يدعوا جزءًا كبيراً من ممارسات التفكير العملي خارج منطقة البحث العلمي، وهو جزء يتعلق بالقيّم التي تفلت من بداهة البراهين العلمية بحصر المعنى (لا سيما إذا فكرنا بالقيّم الخاصة بعلوم الاخلاق والقانون والجمال)، أي انه الجانب الذي ينسب له الكثير من مزاعم اللاعقلانية. إن هذا المشروع الرامي لإعادة الاعتبار الى البلاغة هو فن تعلم استعمالات القيّم وكيفية الاستفادة منها في الحياة الاجتماعية))4.


1) Chaïm Perelman : Notice sur EUGENE DUPRÉEL, Extrait, ACADÉMIE ROYALE DE BELGIQUE, ANNUAIRE, 1980, p. 8-10.

2) Ch. Perelman : L’originalité de la pensée d’Eugène Dupréel, à l’occasion du centenaire de sa naissance, Académie Royale de Belgique, Bulletin de la Classe

des Lettres et des Sciences Morales et Politiques, 5e série – Tome LXV, 1979, 3-4, p. 61.

3) Eugène Dupréel : Esquisse d’une Philosophie des Valeurs, Librairie Félix Alcan, Paris, 1939, p. 1-2, p. 3-4.

4) Ch. PERELMAN : L’originalité de la pensée d’Eugène Dupréel, à l’occasion du centenaire de sa naissance, Académie Royale de Belgique, Bulletin de la Classe des Lettres et des Sciences Morales et Politiques, 5e série – Tome LXV, 1979, 3-4, p. 70-71.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.