نشـأة عِلـم البلاغـة

0

لَمْ تتحدَّد مَعالِم عِلم البلاغة؛ ولم تستقرَّ قواعدُه بالمنطق الذي راج حول مرحلة التدوين والطريقة التي جُمعتْ بها اللغة العربية، ولكنَّ عِلم البلاغة قَطَعَ مراحلَ مختلفةً حتى استوى على عودِهِ علما قائما بذاته.

من خلال استقراءٍ تاريخي لِعلم البلاغة؛ يتضحُ جليا أن الأطوار التي تأسس عليها هذا العلم، كانت النظرية[1]، فالنظريات هي البذرة الجنينية التي رعاها الدارسون وتعاهدوها بالرعاية والاهتمام، جسّدَ هذه المرحلة كلٌّ من أبي عثمان الجاحظ ( 255هـ)، في كتابه “البيان والتبيُّن“، الذي ألفه في فترة شاعتْ فيها الشُعوبية[2] حيت هُمشت اللغة العربية، ولم يعد يُؤبه بها إلاَّ مِن قبل المتخصصين، واكتسحت الفارسية ولغة الموالي الحواضر العربية خاصة العراق والشام، حتى اشتكى إليه الناس، فأنصفهم في كتابِه “البيان والتبين“. وابن قتيبة (276هـ) في كتابه “فن الشعر“، وغيرهم من أعلام القرن الثالث والرابع، وكان فحوى هذه المرحلة هي إرساء الأساس النظري والتصوُّري الذي يصلح لأن يكون ركيزة لقيامِ علمٍ اسمه “البلاغة”. وذلك من خلال تحديد مفاهيم ومصطلحات هذا العلم، وتحديد تفرعاته وتقسيماته، ومجال وآليات اشتغاله.

بعد هذه المرحلة التي استمرت إلى بدايات القرن الخامس الهجري، انصبَّ كل الاهتمام على دراسة قضية الإعجاز في القرآن الكريم، والتي اعتبرتْ من أكبر القضايا، وكانت هذه الفترة (القرن الخامس) هي أوج هذه الدراسات. حيث أخذت حيِّزا كبيرا من اهتمام العلماء والفقهاء والأدباء الذين استجمعوا لها كلَّ طاقاتهم العلمية والمعرفية، وعنوا بالإعجاز وخصائِصه في القرآن الكريم أيّما اعتناء، وكان أبرز هؤلاء: الباقلاني (403هـ) في كتابه “الإعجاز في القرآن“، والرماني (386هـ) في كتابه “النكت في إعجاز القرآن” وأبو سليمان الخطابي (388هـ) في كتابه “بيان إعجاز القرآن“، وعبد القاهر الجرجاني (471هـ) في كتابه “الرسالة الشافية“، وهذه الكتب الثلاثة الأخيرة جمعتْ في كتاب تحت عنوان “ثلاث رسائل في إعجاز القرآن / سلسلة  ذخائر العرب العدد 16″. ولكن  كتاب “دلائل الإعجاز” للجرجاني، كان ثمرة وزبدة هذه المرحلة، حيث جسد فيه رؤيته ونظريته في النظم، وشرحها قائلا “اعلم أنْ ليسَ “النَّظمُ” إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو؛ وتعملَ على قوانينهِ وأصولِهِ، وتعرف مناهجه التي نُهجتْ، فلا تَزيغَ عنها، وتحفظُ الرسوم التي رُسمتْ لك، فلا تُخِلَّ بشيءٍ منها. وذلك أنَّا لا نَعْلَمُ شيئا يبتغيهِ الناظمُ غيرَ أن يَنْظُرَ في وجوهِ كلِّ بابٍ وفروقهِ[3]. هذه النظرية سيكون لها ما بعدها، في بلورة الدراسات البلاغية، وتطورها. أي أنها ستكون الممهد لإخراج البلاغة من مجالها الديني المرتبط بالإعجاز في القران الكريم، إلى حقول أخرى أكثر رحابة، كالبلاغة الشعرية النحوية، والعلاقة التي تحكم ارتباط اللفظ بالمعنى، وستفتح الباب واسعا أمام بزوغ علم الدلالة.

انبرتْ ثلة أخرى من العلماء إلى دراسة الأدب بشكل عام من شعرٍ وخُطب وسِيَّر …، من أمثال عبد الله ابن المعتز (296هـ) في كتابه “البديع في البديع” وهو أول كتابٍ وُضِعَ في البديع وصَنعة الشعر، بل هو مُستنبَطُ علم البديع كما أجمعَ على ذلك جُل الباحثين، بل وزكى فيه ابن المعتز نفسَه قائلا “..فلا يعرفونَ هذا الاسم (يقصد البديع) ولا يدرونَ ما هو، وما جَمَعَ فنون البديع، ولا سبقني إليه أحد، وألفتُهُ سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخَهُ مني علي بن هارون بن يحيى بن أبي المنصور المنجم[4]، كما نجد في هذه المرحلة كلاًّ من قدامة بن جعفر (337هـ) من خلال كتابيْه “جواهر الألفاظ” و”نقد الشعر“، وأبي هلال العسكري (395هـ)، من خلال كُتبه خاصة كتاب “الصناعتين الشعر والنثر“.

كانت هذه الارهاصات بمثابة المرحلة الجنينية الأولى التي أوعزت بظهور الملامح الأولى وغير المُنظمة لعلم البلاغة، تلتْها بعد ذلك مرحلة أخرى كانت أكثر ازدهاراً بحكم استفادتها من الموروث المعرفي والعلمي المهم، خاصة الدراسات والمشاريع النقدية التي تحققت في الفترة الأولى، والمتمثلة في مجهودات ابن المعتز، وأبو هلال العسكري ومن جايلهم من علماء اللغة والأدب، وتأسيس حقول مفهومية ومصطلحية أولية خاصة، سهّلتْ بشكل كبير تمايز العلوم بعضها عن بعض، فانْمَازَ علم البلاغة بحقلِهِ واستقل عن العلوم الأخرى التي كان من قبل مجرد محورٍ أو موضوعا من موضوعاتها.

المرحلة التي تلتْ بوادر استقلال البلاغة كعلم قائم بذاتِه، كانت في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وتمثلتْ في صياغة القواعد النهائية لهذا العلم، مع العالم الجليل أبي يعقوب السكاكي (626هـ) من خلال كتابه “مفتاح العلوم“، الذي ضبط حدودَ علميْ المعاني والبيان وأتمَهُما، مستوفيا بذلك العمل الذي بدأه الزمخشري (538هـ) في كتابه “أساس البلاغة“، وقد نهج السكاكي في كتابه “مفتاح العلوم” تقسيما علميا منهجيا، وزعه إلى ثلاثة أقسام أساسية، راعَ في القسم الأول علم الصرف وما يتصل به من اشتقاقات، وجعل القسم الثاني لِعلم النحو، أما القسم الأخير فخصصه لعلمي المعاني والبيان، وتوسع في موضوع الفصاحة والبلاغة، وأنجز دراسة مستفيضة للمحسنات البديعية بنوعيها (اللفظية والمعنوية)، ثم تعداها إلى دراسة عِلم المنطق من خلالي قطبيه الحد[5] والاستدلال. وخلُص إلى أن من يتدرَّبُ على علمي المعاني والبيان، يحتاج إلى الوقوف على علمي العروض والقافية، وأفرد لهما مبحثا في آخر الكتاب، وبالتالي جاء “مفتاح العلوم” دليلا لعلم الصرف، وعلمِ النحو، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم المنطق، وعلم العروض، وعلم القوافي.

جاء بعد ذلك العلامة الخطيب القزويني (739هـ) ليتمم ويطور عمل أستاذه (السكاكي)، من خلال كتابيْه “تلخيص المفتاح” الذي قصد فيه تلخيص كتاب أستاذه “مفتاح العلوم“، وكتاب “الإيضاح في علوم البلاغة” الذي رام منه شرح المتن.

استمر الحال على الأُسس والمعايير التي وضعها السكاكي في علم البلاغة، ولم يأت مُجايِلُوه، ولا مجايلوا تلميذه بجديد في الدرس البلاغي. حتى حازم القرطاجني (684هـ) الذي يُعد من أساطين البلاغة المتأخرين لم يستطع أن يُجدّد في علم البلاغة، حيث ظل أسير المنهج القديم الذي رسمَه ورسَّخَه السكاكي. وهذا واضح وجليُّ في كتابه الشهير “سراج البلغاء“.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] اعتمدنا مصطلح النظرية، ليكون مُجمل ما جمعناه حول بدايات علم البلاغة هو الممهد والأساس الذي بَنى عليه الجرجاني نظريته للنظم، عكس ما قد يتبادر إلى ذهن القارئ من أن هناك وعي بالنظرية في المحاولات الأولى للتأسيس لعلم البلاغة.

[2]الشعوبية: هم الذين يُصغِّرون شأن العرب، ولا يرون لهم فضلا على غيرهم>.تم اعتماد معجم المعاني الجامع (عربي – عربي) الإلكتروني، وقد أورد تعريفات للشعوبية مأخوذة من معجم اللغة العربية المعاصر، والمعجم الرائد، والمعجم الوسيط.

[3] الجرجاني (عبد القاهر)، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني: القاهرة، الطبعة الثالثة 1992، الجزء الأول، ص 81.

[4] أبو العباس (بن المعتز)، البديع في البديع، دار الجيل، الطبعة الأولى 1990، الجزء 1، ص 152.                                                        

[5] الحد : في علم المنطق، ما اشترك في معناه أفراد كُثر لوجود صفة أو مجموعة من الصفات المشتركة بين هؤلاء الأفراد. وهو نوعان حد جمعيٌّ كأن نقول (جيش – قبيلة – قوم ..) وحد استغراقي ومثاله (كوكب – إنسان-  .. أنظر الموسوعة العربية، المجلد التاسع عشر، مبحث علوم إنسانية، باب الفلسفة وعلم الاجتماع، عنوان، المنطق، ص 604، النسخة الإلكترونية.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.