الولايات المتحدة والعالم: تاريخ الهيمنة والتدخل

ما الذي تريده الولايات المتحدة من فنزويلا؟

قراءة في الجغرافيا السياسية للطاقة والهيمنة والنفوذ

لا يمكن فهم العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وفنزويلا خارج إطار أوسع يحكم السياسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: منطق الهيمنة المقنّعة بالمصالح. ففنزويلا، التي تبدو في الظاهر دولة نامية مأزومة اقتصاديا وسياسيا، تخفي في عمقها أحد أهم مفاتيح الصراع الجيوسياسي العالمي في القرن الحادي والعشرين، وهو النفط، لكن النفط هنا ليس سوى المدخل، لا الغاية النهائية.

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، متقدما على السعودية وإيران، وهو ما يجعلها – من منظور استراتيجي أمريكي – دولة لا يجوز تركها خارج نطاق التأثير أو الخصومة المُدارة. فمنذ اللحظة التي خرجت فيها كاراكاس عن بيت الطاعة السياسي، وبدأت تبني خطابا سياديا مناهضا للنفوذ الأمريكي، تحوّلت تدريجيا من شريك نفطي إلى مشكلة جيوسياسية.

الولايات المتحدة لا تنظر إلى فنزويلا بوصفها مجرد دولة ذات نظام سياسي مختلف، بل بوصفها سابقة خطيرة في فضاء تعتبره تقليديا مجال نفوذها الحيوي، أي أمريكا اللاتينية. فالخطر الحقيقي لا يكمن في فنزويلا وحدها، بل في إمكانية أن تتحول تجربتها – رغم إخفاقاتها – إلى نموذج مقاومة رمزي يُلهم دولا أخرى للخروج من المعادلة الأمريكية.

من هنا، يصبح الصراع مع فنزويلا صراعا على الرسالة السياسية بقدر ما هو صراع على الموارد.

اقتصاديا، لا يتعلق الأمر فقط بالسيطرة على النفط، بل بالتحكم في سوق الطاقة العالمية ومنع خصوم واشنطن – وعلى رأسهم روسيا والصين – من إيجاد موطئ قدم استراتيجي في نصف الكرة الغربي. فحين وقّعت فنزويلا اتفاقيات نفطية وتسليحية ومالية مع موسكو وبكين، لم تُفسَّر هذه الخطوات في واشنطن باعتبارها خيارات سيادية، بل كاختراق مباشر للتوازن الجيوسياسي الذي أرسته الولايات المتحدة منذ مبدأ مونرو.

سياسيا، تمثل فنزويلا تحديا للنموذج الليبرالي الذي تسوّقه الولايات المتحدة باعتباره الشكل الوحيد الممكن للديمقراطية. فوجود نظام يرفع شعارات السيادة الوطنية، ويعيد توزيع الثروة، ويتحدى المؤسسات المالية الدولية، حتى وإن فشل في إدارة الاقتصاد، يُعد في المنطق الأمريكي خطرا أيديولوجيا لا يقل أهمية عن الخطر العسكري.

لهذا السبب، لم يكن تركيز واشنطن على تغيير النظام في فنزويلا نابعا فقط من حرصها على “الديمقراطية وحقوق الإنسان” كما يُروّج رسميا، بل من رغبتها في إعادة ضبط المسار السياسي بما يضمن انسجامه مع المنظومة الاقتصادية والسياسية الغربية. العقوبات، في هذا السياق، ليست أداة ضغط أخلاقي، بل وسيلة لإعادة تشكيل القرار السيادي من الداخل عبر إنهاك المجتمع والدولة معا.

أما البعد الاجتماعي والرمزي، فيتجلّى في الخوف الأمريكي من عودة اليسار اللاتيني بثوب جديد. ففنزويلا، منذ عهد هوغو تشافيز، لم تكن مشروع دولة فقط، بل مشروع خطاب: خطاب معادٍ للإمبريالية، مستحضر للذاكرة الاستعمارية، وموجّه للشارع أكثر مما هو موجّه للنخب. هذا النوع من الخطابات، حتى حين يفشل اقتصاديا، يظل خطيرا لأنه يعيد تسييس الجماهير ضد مركز الهيمنة.

وتدرك الولايات المتحدة جيدا أن كلفة إسقاط فنزويلا بالقوة المباشرة ستكون باهظة، سياسيا وإعلاميا، لذلك اعتمدت استراتيجية أكثر تعقيدا تقوم على الاحتواء، والعقوبات، والدعم غير المباشر للمعارضة، وإدارة الأزمة بدل حلّها. الهدف ليس بالضرورة إسقاط النظام فورا، بل إبقاؤه في حالة هشاشة دائمة، غير قادر على التحول إلى نموذج ناجح أو مُعدٍ.

في هذا السياق، تتحول فنزويلا إلى ساحة اختبار لنمط جديد من التدخل: تدخل لا يعتمد على الجيوش، بل على الاقتصاد، والإعلام، والعزلة الدبلوماسية، والحرب النفسية. وهو نمط يتماشى مع التحولات الكبرى في طبيعة الصراع الدولي.

في المحصلة، ما تريده الولايات المتحدة من فنزويلا ليس فقط نفطها، ولا فقط تغيير نظامها، بل إعادة إدماجها قسرا في النظام الدولي وفق الشروط الأمريكية. إنها معركة على السيادة، وعلى الحق في اختيار نموذج التنمية، وعلى من يملك القرار في الجنوب العالمي.

وفنزويلا، مهما كانت مآلات أزمتها الداخلية، تظل مرآة كاشفة لحدود الخطاب الأمريكي حول الحرية والديمقراطية، ولحقيقة أن الصراع الدولي ما زال – في جوهره – صراع مصالح وهيمنة، لا صراع قيم.

اظهر المزيد

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى