“الثيوقراطية” الأمريكية: مخاطر الدين الراديكالي والنفط والمال المقترض
تُعد “الثيوقراطية الأمريكية” للكاتب السياسي كيفن فيليبس أحد أكثر الكتب نقدا للحالة السياسية والاقتصادية والدينية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. يطرح الكتاب رؤية نقدية للتحالف الجمهوري الذي امتد لعقود، مستندا إلى ثلاثة محاور رئيسية: النفط، الدين الراديكالي، والديون الوطنية. يستعرض هذا المقال تحليلا معمقا لهذه المحاور وتأثيراتها على السياسة الأمريكية محليا ودوليا.
- أولا: النفط والتفوق الأمريكي
1. النفط كركيزة للقوة الأمريكية
يُجادل فيليبس بأن صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى في القرن العشرين ارتبط ارتباطا وثيقا بسيطرتها على موارد النفط العالمية، على غرار سيطرة بريطانيا على الفحم في القرن التاسع عشر، وهولندا على طاقة الرياح والمياه في القرن السابع عشر. ويرى أن أي دولة تفقد سيطرتها على مصدر الطاقة الرئيسي في عصرها تتراجع في النهاية عن مركزها المهيمن.
2. ارتباط الجغرافيا السياسية الأمريكية بالنفط
يُشير الكتاب إلى أن البنية التحتية للولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على النفط، من شبكة الطرق السريعة إلى الضواحي الواسعة التي صُممت لتكون معتمدة على السيارات. ينتقد فيليبس هذه البنية بقوله إنها جعلت البلاد رهينة لأسواق النفط العالمية.
3. دور النفط في السياسة الخارجية الأمريكية
يؤكد فيليبس أن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت مدفوعة جزئيا بالرغبة في السيطرة على النفط. يُشير إلى أن حرب الخليج عام 1991، وغزو العراق عام 2003، كانا مدفوعين بحسابات استراتيجية لضمان التدفق الحر للنفط. كما يُحلل كيف تحولت القوات العسكرية الأمريكية إلى قوة حماية دولية لمصالح النفط.
- ثانيا: الدين الراديكالي وتأثيره في السياسة الأمريكية
1. صعود المحافظين الدينيين
يُبرز الكتاب كيف أصبح اليمين المسيحي قوة مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، حيث يشكل الإنجيليون والخمسينيون جزءا كبيرا من قاعدته الانتخابية. يؤكد فيليبس أن هذا التحالف الديني عزز سياسات محافظة تتسم بمناهضة العلمانية والعداء للنظريات العلمية مثل التطور.
2. التدين كأداة سياسية
يتناول الكاتب تصريحات قادة سياسيين، وعلى رأسهم جورج بوش الابن، الذين استخدموا الدين كأداة لحشد الدعم السياسي. يُشبّه فيليبس هذه الظاهرة بظهور التيوقراطيات التاريخية، حيث تُستخدم الرموز الدينية لتعزيز السلطة السياسية.
3. دور النبوءات الدينية في السياسة الخارجية
يُسلط الكتاب الضوء على الاعتقاد القوي لدى بعض التيارات الإنجيلية بأن الولايات المتحدة تلعب دورا محوريا في تحقيق “نبوءات نهاية العالم”، مما يدفع باتجاه دعم سياسات معينة تجاه إسرائيل والشرق الأوسط.
- ثالثا: أزمة الديون الوطنية والمخاطر الاقتصادية
1. الحجم غير المسبوق للديون
يحذر فيليبس من أن الدين الوطني الأمريكي بلغ مستويات غير مسبوقة، مما يُهدد الاستقرار المالي للبلاد. يُشير إلى أن الولايات المتحدة انتقلت من كونها دولة مُقرضة في منتصف القرن العشرين إلى أكبر دولة مدينة في العالم.
2. ثقافة الديون وتأثيرها على الاقتصاد
يُحلل الكتاب كيف أصبحت الديون ثقافة في المجتمع الأمريكي، حيث يتم تشجيع الأفراد على الاقتراض بلا حدود، مما خلق اقتصادا يعتمد على الإنفاق الاستهلاكي الممول بالديون بدلا من الإنتاج الفعلي.
3. المخاطر المستقبلية والتوقعات الاقتصادية
يُحذر فيليبس من احتمال حدوث “انفجار فقاعة الديون”، والذي قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي مشابه لما حدث في الإمبراطوريات السابقة مثل بريطانيا وروما. يُشير إلى أن الدائنين الأجانب، مثل الصين، قد يصبحون قادرين على فرض شروط قاسية على الاقتصاد الأمريكي.
- خلاصة:
يُقدم كتاب “الثيوقراطية الأمريكية” رؤية نقدية وشاملة للتحالف المحافظ في الولايات المتحدة، مشيرا إلى المخاطر الكبرى التي تواجه البلاد نتيجة للاندماج بين الدين الراديكالي، الاعتماد المفرط على النفط، وتراكم الديون الهائل.
يُحذر فيليبس من أن الولايات المتحدة قد تكون في مسار مماثل لما شهدته قوى عظمى سابقة من تراجع وانهيار. تحليله يُثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل أمريكا ودورها العالمي.