أشعَب.. الطمّاعُ الشَّرِهُ المَظلوم العابرُ للعصور

0

 

تتسلل روائح الطعام الشهية إلى أنف أشعب، فالطعام منثور فوق موائد تحتوي أطعمة وأشربة بأصناف متعددة، حيث يقتحمها بلا استئذان وبلا دعوة من أحد، يستقر أمامها فينهش الطعام ويزدرده بسرعة، وذلك كي يأكل مقدارا أكبر خوفا من أن يسبقه الآخرون إلى ما يبتغيه.

  • من هو أشعب؟

أشعب؛ صاحب المثل في الطمع وذو النوادر فيه، وهو أشعب بن جبير واسمه شُعيب وكنيته أبو العلاء، كان يُقال لأمه أمّ الخَلَنْدَج، وقيل بل أم جميل، وهي مولاة أسماء بنت أبي بكر واسمها حُميدة.

نشأ أشعب بالمدينة في دور أبي طالب، وتولت تربيته وكفلته عائشة بنت عثمان بن عفان، أما أبوه فكان مولى لآل الزبير، حيث خرج مع المختار الثقفي فقتله مصعب بن الزبير.

كما ورد في الأغاني: أخبرني الجوهري قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل اليزيدي قال: حدثني التوزي عن الأصمعي قال: قال أشعب: نشأتُ أنا وأبو الزناد في حِجر عائشة بنت عثمان، فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا هذه المنزلة[1].

وقيل هو أبو العلاء أو أبو القاسم شعيب بن جبير، وُلد سنة تسعة للهجرة في المدينة المنورة لأب من مماليك عثمان بن عفان، وعاش طويلا حتى بلغ عهد الخليفة العباسي المهدي.

يحكي ابن حجر عن أشعب بأنه يُعرف بابن أم حميدة. له نوادر، وقلما روى، حدَّث عنه معدي بن سليمان وأبو عاصم وحَميدة، وبأنه توفي سنة 154 للهجرة. له ترجمة في تاريخ دمشق وتاريخ بغداد، ويُقال اسمه شعيب ويُكنّى بأبي العلاء وأبي إسحق، وقيل هو ابن أم حُميدة، وزعم الجاحظ أنه قدم بغداد زمن المهدي، ويُقال إنه وُلد في خلافة عثمان بن عفان

  • إعتاق بإغماد السيف

ويُنقل عن أشعب أن أباه وجدّه كانا موليي عثمان بن عفان، وأن أمه كانت مولاة لأبي سفيان بن حرب[3]، فقد تربى في بيت عثمان بن عفان على يد عائشة ابنته، وذكروا أنه كان مع عثمان لما حُصر فجرّد مماليكه السيوف ليقاتلوا، فقال لهم عثمان ”من أغمد سيفه فهو حُرّ“، فقال أشعب ”فلما وقعتْ والله في أذني كنتُ أول من أغمد سيفه فأُعتِقت“.

ويُروى في الأغاني: أخبرني أحمد قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الهيثم بن عدي قال: قال أشعب ”كنتُ ألتقط السهام من دار عثمان يوم حوصر، وكنتُ في شيبتي ألحق الحُمُر الوحشية عدواً“[4].

  • أشعب.. نموذج الشره

امتلأت بطون كتب الأدب والتراث العربيين بحكايات أشعب مع الطعام وشرهه وحضوره الولائم، مترصدا إياها مقبلا عليها، فذُكر في الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ، وعند ابن كثير في البداية والنهاية، وفي نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري وغيرها.

تُجسّد هذه الشخصية حالة الجوع والشره الدائم للطعام، مبينة الانقسام الطبقي والمجتمعي، ومصورة حالة اجتماعية سائدة في ذلك العصر ربما لم يتطرق إليها الدارسون لدراستها دراسة وافية، ليكون أشعب نموذجا عنها.

  • جليس الأمراء

يأتي معنى أشعب في لسان العرب ”أشعب الرجل إذا مات أو فارق فراقاً لا يرجع“، وفيه أن ”أشعب اسم رجل كان طمّاعا“، وفي المثل ”أطمع من أشعب“، وفي مثل آخر ”لا تكن أشعبَ فتتعبَ“، وأشعب هو التيس إذا انكسر قرنه.

صوته حسن يجيد القراءة، إذ ينقل الأصفهاني بحديث متواتر عن الأصمعي قوله ”رأيت أشعب يغني وكأن صوته صوت بلبل“[5].

وتروي كتب الأدب جلوسه في مجالس الأمراء والخلفاء يسرد الدعابات، فنسبت إليه نوادر امتزجت بنوادر غيره من ظرفاء العرب، لكن اتفق على أنه ذو حس دعابي، شره للطعام.

تجوّل أشعب مكتسباً خبرات ومعارف وفكاهيات تُرجمت إلى لغات عدة، فقد جاب الشام والعراق في أيام المنصور[6] الذي تجمعه نوادر كثيرة مع أشعب في مجلسه.

كما أن أشعب ذو علم، فهو قارئ للقرآن وحافظ له، ويروي كثير ممن عاصروه ونقلوا عنه أنه من قراء القرآن، وكان قد نسك وغزا، وكان حسن الصوت بالقرآن، وربما صلّى بالناس القيام[7]، لكن هزله ودعابته صرفا الناس عن محاسنه ومناقبه، وغلب طمعه على صفاته الأخرى.

 


المصدر : موقع الجزيرة الوثائقية 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.