“إلياذة” البستاني: ذِروة نهضة التّرجمة العربية

0

 

بعد قرونٍ من الانقطاع، استأنفت الترجمة العربية في القرن التاسع عشر، نهضتها مشروعاً موسوعياً لنقل العلوم والآداب والمعارف إلى اللّغة العربية من أجل اليقظة واكتساب الحضارة الحديثة، فكان ذلك قرن الترجمة بامتياز.

ولم يُكتب بعد تاريخ هذه الحركة الترجمية التي كانت في الأصل من مشروع “النهضة” بأكمله، حسب الباحث المغربي عبد الكبير الشرقاوي في كتابه “نهضة الترجمة العربية” (دار توبقال للنشر، 2016)، وهو كتاب يتتبّع هذا التاريخ عبر ترجمة الأدب الملحميّ إلى العربية منذ بداياتها حتّى مشروع سليمان البستاني الرّائد، المتمثّل في ترجمة إلياذة هوميروس، باعتباره نهاية مرحلة نهضة التّرجمة وبداية للتّرجمة العربيّة في العصر الحديث.

  • الطهطاوي واكتشاف هوميروس

ظلّ هوميروس اسماً يتردّد في الترجمات العربية القديمة وفي مؤلّفات الفلاسفة والشرّاح وبعض الأدباء العرب، لا يُعرف عنه سوى أنّه شاعر اليونان الأوّل والأعظم، ويقارنونه بامرئ القيس عند العرب، ولم يذكروا شيئاً كثيراً عن ملحمتيه “الإلياذة” و”الأوديسيا” سوى ما ورد منهما شواهد قليلة مبثوثة في النّصوص الفلسفية والعلمية المترجمة عن اليونانية.

ذلك لأنّ ترجمة الميثولوجيا كانت تطرح معضلات عقيديّة وتكييفيّة مع النّسق الثقافي العربي وترجمة الشواهد والإحالات الأدبية كانت تطرح فوق ذلك معضلات معرفية وتأويليّة ومصطلحية من أجل نقلها إلى سياق أدبي ومعرفي عربي يجهلها كلّ الجهل.

في المعجم الّذي ألحقه رفاعة الطهطاوي بترجمته لكتاب “قلائد المفاخر” يعنون أحد مداخله باسم هوميروس، ويقدّم لأوّل مرّة في اللّغة العربية سيرة وجيزة، لكن وافية، لهوميروس، وتعريفاً بملحمتيه، وهذه المعطيات قد استقاها، كغيرها من مواد المعجم، كما يقول، “من كتب عديدة وعرّبناها كالأصل”.

لكن ما ينقص هذا النّص هو التحديد المصطلحي الدّقيق لنوع أشعار هوميروس، إذ يكتفي رفاعة بأوصاف عامّة مثل “أعظم”، “عظيمتان”، وأنّ “قصيدتا” الشاعر اليوناني “متعلّقتان بمدح حروب اليونان وخرافاتهم”، ما يوحي لقارئه بوجود مشابه بالشّعر العربي وأغراضه.

وفي سنة 1843، صدرت ترجمة الجزء الأوّل من كتاب ضخم في الجغرافيا تكفّل رفاعة بنقله وهو مشروع كبير استغرق أعواماً عديدة لإنجاز ترجمته وطبع أجزائه الأربعة.

وفيه مقالة مخصّصة لتاريخ الجغرافيا وبداياته مستقاة من كتب الشعوب القديمة، لا سيما اليونان منهم، وهي تعرض بتفصيل معارف هوميروس الجغرافية المتضمّنة في شعره الملحمي (الّذي يصفه رفاعة بـ”الحماسي” استناداً على مصطلح فارسي).

من الأكيد أنّ رفاعة وتلامذته قد غابت عنهم نصوص الأدب اليوناني والمصادر المعرّفة به. فلا نجد في مؤلفات الطهطاوي، وما ذكره هو أو ما نعرف عنه، أيّ إشارة إلى اطّلاعه على ملحمتيّ هوميروس، ولا على مؤلّفات الآداب اليونانية القديمة، رغم وعيه بأهمّية الاطلاع عليها.

ولهذا، يمكن القول إنّ اكتشاف هوميروس هذا ظلّ في حدود تعليميّة أوّلية، ولم يؤدّ إلى اتّصال مباشر بشعره، ولا اطّلاع على فنّه الملحمي، ولا تأثير ملموس على فهم رفاعة للشعر الّذي ظلّ خاضعاً للأنماط التقليدية في العصر العثماني وفي حلقات الأزهر.

لكن، إذا كان الطهطاوي قد فشل في ترجمة الشّعر الملحمي، فإنّه في المقابل قد نجح في ترجمة رواية ملحمية، وهي العمل الأدبي الكامل الوحيد الّذي ترجمه، ويتعلّق الأمر برواية فينلون “مغامرات تليماك”، وهو عمل ترجمي هامّ في تاريخ الترجمة العربية الحديثة، وفي تاريخ نفاذ المادّة الملحمية اليونانية والأدب اليوناني إلى الثقافة العربية، وفي تاريخ نشأة النّثر العربي الحديث، الّذي نشأ أوّل ما نشأ، بفضل الترجمة وبوسيلتها.

بعد هذه المرحلة، جرت العديد من محاولات المقارنة والتّوفيق بين جنس الملحمة الشعرية والشعر العربي، وهي محاولات كانت موزّعة بين غايات ثلاث: أوّلها، محاولة تعريف الجنس الأدبي الغربي الغريب عن الأدب العربي وإيجاد مصطلح نوعي له، ولعلّ محاولتي روحي الخالدي وسليمان البستاني كانتا أهمّ محاولات القرن التاسع عشر في هذا المجال.

والثانية، نقل نماذج من الأدب الملحمي إلى العربية عن طريق الترجمة أو التلخيص أو التعريف، مثل محاولات الطهطاوي وتلامذته. والغاية الثالثة كانت جهداً أشبه ما يكون بإعادة قراءة للمتن الشعري العربي بحثاً فيه عن لأعمال ونصوص مماثلة لجنس الملحمة، في حركة متناقضة من شعور بنقص الشعر العربي في هذا الصّعيد ومحاولة تعويض هذا الشعور بالعودة إلى نصوص طاولها الإهمال والازدراء مثل ما يسمّى “السّير الشعبية” أو شعر الحماسة (عنترة مثلاً) أو قصص البطولة والحرب، وقراءتها قراءة تجعلها مقابلة أو معادلة لجنس الملحمة الغربي.

  • “إلياذة” سليمان البستاني

يمكن اعتبار ترجمة سليمان البستاني لملحمة هوميروس”الإلياذة” أوّل ترجمة شعرية عربية كاملة لنصّ ملحميّ بلغة أجنبية. وإذا استثنينا “ترجمة” أبي الفتح البنداري الأصفهاني (القرن السابع للهجرة) لملحمة الفردوسي، “الشاهنامة”، وإذا اعتمدنا على إجماع المصادر القديمة على القول إنّ نصاً ملحمياً شعرياً كاملاً لم يُنقل إلى العربية قديماً في عصور ازدهار الترجمة، سواء من الفارسية الفهلوية أو من اليونانية القديمة، يكون البستاني أوّل مترجمٍ عربي يترجم شعراً نصّاً شعرياً ملحمياً كاملاً من لغته الأصلية مباشرة.

ولم يكتف المترجم بنقل النص، بل مهَّد له بمقدّمة قيّمة تاريخياً ونقدياً، عرضت صورة وسيرة هوميروس كما روتها المصادر اليونانية القديمة، وعرفت بجنس الملحمة وخصائصه وموضوعاته وصياغاته ممثّلة في أنموذج “الإلياذة”، فضلاً عن القضايا الجوهرية الكبرى المتّصلة بمسائل الترجمة وبتاريخ الشعر العربي وأشكاله وأفق تحوّلاته إلى “شعر عصري”.

إنّ ترجمة البستاني لنصّ “الإلياذة” لا تكتسب قيمها من إنجازها ذاته، وإن كان هامّاً وضخماً، بقدر ما تكتسبها من كونها الأنموذج لتحوّل حاسم في مفهوم الترجمة وممارستها في اللّغة العربية، وفي صلات الثقافة العربية بالثقافات الأجنبية قديمها وحديثها.

وهي لم تكن أبداً عملاً معزولاً عن عصرها ولا عن القضايا العسيرة الّتي طرحها ذلك العصر على الأدب العربي ولغته. إنّها عمل فريد لا نظير له من تاريخ الترجمة الأدبية في الثقافة العربية على مدى تاريخها: فريد بالنّظر إلى كتلة النص الشعري المترجم (أكثر من خمسة عشر ألف بيت في الأصل اليوناني)، وفريد في أنّه أوّل نصّ ملحميّ ينجزه البستاني لأنّه لم يترجم قبله أو بعده شيئاً في دائرة الأدب، كما أنّه ما يزال الترجمة الشعرية الوحيدة لنصّ “الإلياذة”، وكلّ ما تلاها من ترجمات عربية لها كانت نثراً، وفريد أيضاً بظروف إنجازه ومنهجه الترجمي.

  • أسس المنهج الترجمي للبستاني

قضى سليمان البستاني في إنجاز مشروعه الترجمي سنوات عديدة (1887-1895) في أفق ترجمي كان كثير التحوّل والتطوّر، استعان فيه بلغات غربية وسيطة إلى جانب “تعلّمه” للّغة اليونانية الأصل. ومنذ الجملة الافتتاحية في مقدّمة ترجمته، يقرّر مبدأ أساسياً في منهجه الترجمي: تعريب الإلياذة لا يمكن أن يكون إلّا شعراً عربياً، وكان هذا المبدأ مفروغاً منه في رأيه، إذ لم يعد إلى تحليله والاحتجاج له، ولم يذكر إطلاقاً الاختيار الآخر: التعريب النثري، بل ينفي، بطريق غير مباشر، وفي جملة واحدة، اختيار الترجمة النثرية: ” ثمّ لا يُخفى أنّ الشعر إذا تُرجم نثراً ذَهب رونقه وبَهت رُواؤه”.

كما يُستنتج من المقارنة الّتي أقامها البستاني بين الشّعر العربي والشعر اليوناني القاعدة المنهجية العامة الأساسية لممارسته الترجمية: إنّها ممارسة يكون فيها الشعر العربي ببنياته العروضية وطرائق نظمه هو مادّتها وشكلها، وهي لذلك تُغفل الشكل الشعري للنصّ الأصلي. ولهذا لم تأتي ترجمة الإلياذة، في شكلها الشّعري، صورةً أمينة للأصل اليوناني، بل للشّعر العربي الخالص الّذي لن يخرج عن “عمود الشعر” الموروث.

من جهة أخرى، وضع البستاني للشّعر الهوميري والشعر العربي أساساً مشتركاً يلخصّه في مفهومه عن “الجاهلية”، الّذي يرى الباحث أنّه مفتاح المنهج الترجمي لدى البستاني والإطار الإيديولوجي لذلك المنهج. فهذا المفهوم يتيح المقابلة، غير المتعسَّفة تماماً في منظور المترجم، بين شعر هوميروس والشعر الجاهلي، ويجعل من القصيدة البدوية الجاهلية شكلاً شعرياً ملائماً لاستيعاب شعر الإلياذة الملحمي طالما أنّ كلا الشكلين منبثقين عن حضارتين وثقافتين تتوحّدان، رغم اختلافات التّاريخ، في خصيصة “الجاهلية”، وإطلاق هذا المصطلح من طرف البستاني، بتضميناته التاريخية والدّينية والإيديولوجية المساوقة للحضارة العربية الإسلامية، على الحضارة اليونانية القديمة، هو تكريسٌ مصطلحي ودلالي ومنهجي لهذا التماثل.

كما أنّ هذا المفهوم سيتحكّم في العمل التّرجمي بأجمعه، سواء منه إنجاز نصّ الترجمة هاته (نظم الإلياذة شعراً عربياً) أو النصوص الموازية (المقدمة والشّرح والمعجم)، وهذا التحكّم يفسّر أسباب إنجاز البستاني لعمل رائد في عصره: استقراء الشّعر العربي وأدواته العروضية والمعجمية وأغراضه وأساليبه بحثاً عن أداة الترجمة الشعرية.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.