سيميوطيقا “الدمع الجاف” – فؤاد البياز
قراءة نقدية في ديوان "الدمع الجاف" للأديب "رحال الإدريسي"
- مقدمة:
منذ دخول عتبة العصر الحديث، حدث زلزال فكري أثر بشكل فجائي على كل الثقافات العالمية، إثر اصطدام أو احتكاك أو اندماج بين الشرق والغرب. كان للثقافة العربية نصيب من ذلك. وتعتبر الفنون الأدبية ومناهجها واحدة من المجالات التي تأثرت بمحيط التغيرات سواء تعلق الأمر بالسرد الروائي أو المسرحي أو الشعري.
شمل هذا التطور بنية الأجناس الأدبية حيث بدأ التنصل من جلد التراث إلى الحداثة عبر أشواط ومراحل عرفت هزات وازمات متعددة. ولم تخل الساحة المغربية من ذلك.
يتنأول هذا التحبير النقدي ديوان (الدمع الجاف) للزجال المغربي رحال الإدريسي، الذي يكتب في كثير من الأجناس الأدبية بشكل ديناميكي ما بين أصالة عريقة تحمل رائحة الاهتزازات التراثية وما بين حداثة مفرطة تمزق جسد السؤال الغامض لفك طلاسمه. كما يلامس يراعه الثر مضمار النقد. يعتبر (الدمع الجاف) اضمامة في الشعر العامي المغربي تنضاف إلى المكتبة الزجلية المغربية العريقة التي تزخر بها المملكة المغربية عبر ازمنتها الفكرية وتنوعها، كالملحون والحساني والعيطي، وغيرها من الأنماط التي تكيفت مع جغرافية التربة وظهور شكل اخر هو ما يعبر عنه بالزجل الحداثي المعاصر.
فما هي العلامات الدالة التي يختزنها مضمون الاضمامة؟ الى أي حد يعلو الخطاب السيميائي بين التجربة الذاتية والموضوعية؟
- عتبة العنوان الدلالة والبنية:
العنوان جملة اسمية ابتدأت بخبر (الدمع) الذي تقديره المبتدأ الغائب (هذا). الجاف نعت تابع لمنعوته في الرفع والتعريف. وقد تم قراءة العنوان داخل النسق القاعدي العربي لان اللغة العامية رديفة اللغة العربية الأم في تعريفها وتصويرها وان غابت القواعد تبقى الدلالات مرجعا في فهم تيماتيها. ففي سيمياء العلامة لم يختر زجالنا هذا العنوان عبثا، فيمكن تصنيفه ضمن سيمياء العواطف[1]، فما دلالة الدمع؟ يعتبر الدمع حالة بيولوجية ذاتية يمكن وصفها عرضيا بخروج ماء مالح من العين نتيجة بكاء أو ألم او حركة اهتزازية رئوية، ولكن غالبا ما يسيل الدمع الا بألم. والألم يكون الا بتيارات متداخلة جوفية نفسية أو جسدية فماهي الحالات البكائية؟
“توضح الأكاديمية الأمركية لطب العيون قائلة: «تنتج دموعك غدد دمعية تقع فوق كل عين. وعندما ترمش، تنتشر الدموع على سطح العين. وأحيانا تقطر من أنفك. وهي ثلاثة أنواع من الدموع التي تفرزها الغدد الدمعية، وذلك في حالات مختلفة من حياة الإنسان اليومية.
1- «الدموع الأساسية» وهي الدموع التي يتم إفرازها طوال الوقت من أجل تحقيق مهمة تعمل كدرع دائمة بين العين وبين العالم الخارجي.
2- «الدموع الانعكاسية»، وهي النوع الثاني، فيتم إفرازها عندما تحتاج العينان إلى التخلص من المهيجات الضارة، مثل الدخان أو الأجسام الغريبة أو أبخرة البصل.
3- «الدموع العاطفية»، التي تُنتج وتُفرز إما استجابة للفرح والانفعال العاطفي السعيد، وإما خلال البكاء، نتيجة الحزن أو الخوف أو الحالات العاطفية الحزينة الأخرى. ويشير بعض المصادر إلى أن في العالم شعوباً «عاطفية» يسهل عليها البكاء، وأخرى «باردة الأعصاب». وكذلك يختلف الحال فيما بين الرجال والنساء.
وقد أشارت نتائج إحدى الدراسات التي أُجريت على شريحة من الرجال والنساء في بريطانيا، إلى أن معدل بكاء الرجل السنوي نحو 17 مرة، وأن معدل بكاء المرأة السنوي هو 64 مرة. كما لاحظت دراسة أميركية، أن أكثر وقت ترتفع فيه احتمالات بكاء الشخص البالغ هو ما بين الساعة السابعة مساءً والساعة العاشرة مساءً.”[2]
القراءة الأكثر تأويلا في سيمياء الدمع هو الألم الذي يصوره زجالنا بالجاف، فالصدور مليئة بالتموجات الحارقة “أنا أتألم اذن انا موجود” حسب تعبير ميلان كونديرا Milan[3] Kundera. ولايقصد هنا بالدلالة المازوشية، بل التحرر من جاذبية الذات ويخبرنا الفيلسوف السويسري ايميل انغيرونémile Arnould [4] عن تمظهرين هما الألم والعجز عن تجاوزه على مستوى المعنى كمحددين للشرط الإنساني. لقد كان زجالنا ماكرا في التخفي وراء العنوان لإخفاء ترسانة من فلسفة الألم التي تمهد لأنطولوجيا الروح المعذبة تحت عنوان الدمع الجاف، فعلا الرجال لا يبكون.
- السيمياء البنيوي في الديوان:
تسمو هذه المناولة الى تحليل الخطاب النصي من حيث الاسلوب واللغة كما تنحو الى فرز تحليلات العواطف والعلامات الدالة والتوترات الانفعالية في النص، لمعرفة هذا المنهج السيميائي الدال على وجود تأثيرات متجانسة بين السياق السردي والانزياح الرمزي.
استهل زجالنا قصائده (نده يا علام وامسح ريوك لبهاليل) تشكل الندهة في المتخيل العام للثقافة المغربية الشعبية صرخة قائد الخيالة وسط الغبار. صورة حماسية مؤثرة توحي الى القائد وسط الميدان. أو الحامل لرسالة الانسان وسط الصخب المعيشي اليومي، هذه القصيدة واحدة من اشكال التفجير العاطفي سواء بوصف المشهد الاجتماعي او السياسي /قتلوا الهمة / حرقوا الرغبة/قتلو عطفة / وكأن القلم والحرف والكتابة هي السفينة التي يجب ان يصطف راكبوها وراء ربانها.
هذا الانكسار الواقعي جعل لكل متأوه صومعة يتعبد فيها بآهاته. يظهر ذلك بجلاء في اروع قصائد رحال الادريسي (يا كَلبي كن لي هجهوج بك ندندن موالي) جعل الشاعر من قلبه الباطن آلة موسيقية من اجل سمفونية طربية ثم يقول على (المطرح مذبوح فروج في عمق الصمت يلالي) دلالة جلية على حالة الظلام التي يعيشها الشاعر وسط البيئة المحيطة به. هنا يطرح السؤال هل عمق الصمت الذي يخبرنا ان صياحه او صرخته راجع لزمن مصادرة الحريات ام هي فلسفة اخرى لا يجيدونها الا العاكفون فوق جبل التأملات؟
من هنا بدأت تجليات النبض السردي من خلال طرح السؤال وطرح السؤال على مسار الازمنة والامكنة كما في قصيدة (من قفا الوقت) وفي قصيدة (كل ما ورد خذ الوقت) هذا السؤال الملازم بالأمل (خلطات لعصايد كيف تفرّز خوك). ان المخزون العاطفي للشعراء يعبر عن الانغماس العاطفي رغم الانكفاء البصري الذي يروم الى فهم نظرية ما وراء السرد العاطفي. وهذه طريقة العارفين او رسالة السالكين كالتشوف والمجذوبيات في الحمولة الاسلامية الصوفية (دكات الشوفة في الجوف) او في تفكيك نسقي اخر يعبر عن فلسفة الصمت، لا يسلكه الا الحكماء والعلماء والفلاسفة.
ان الخطاب الزجلي للشاعر رحال الادريسي ديناميكي مرن، يخاطب العقل في تجريده كمستوى انطولوجي كما يخاطب النفس في اغوارها وعاطفتها الميالة. وما بين العقل والنفس هناك عرفانيات لذائقة الجمال وسمو الروح يعبر عنه في مساحة الاضمامة المتنوعة. و خطاب سوسيولوجي، المجتمع (مراود الزفوط) الاهل (مولاي ادريس /الباهية /الباتول) الاقارب (شخذة صنهاجية) ثم خطاب بسيكولوجي يتوزع في مساحة المنجز عبر تموجات الذات وتعرجها الى الانا الاعلى الى بحور السقف الروحي (قلقلت ماك يا كلة) (لا ثقة فيك يا بحر) ولاتتورع نفس رحال في شوفينيتها للوطن كما في قصيدة (الحجر الصحي) او قصيدة (ما نسيت حبك يا بلادي).
- السيمياء العددي [5]
ما يثير في متون النصوص الزجلية للمبدع رحال الادريسي في ديوانه (الدمع الجاف) خمسة أضلع لشكل هندسي متراص (الزمن، الدمع، القلب، الحرف، فلسطين) هل كانت صدفة قدرية تجاوب النفس الثيليباتية للأستاذ رحال ام جهد بنائي قوي.
-الزمن:
لقد ذكر الزمن بعبارات متعددة منها:
الوقت تكرر تسعة عشر مرة في الديوان وكأن زجالنا يعيش الأزمنة المتعاقبة في سريرته وللعلم الرقم 19يحمل اسرارا كثيرة وقدسية عند الديانات كاليهودية والبهائية وحتى الإسلامية، فأولا هو رقم رياضي لا يقبل القسمة الى على نفسه ويعتبر من اهم الأرقام لاعتماده في الخوارزميات التي تستخدم في التكنولوجيا الحالية، ثانيا في الاسلام يحمل يمنا وبركة يقول الله عز وجل؛ {لواحة للبشر عليها تسعة عشر} أي 19 ملكا موكلا وتشير الى اول سورة نزلت هي سورة العلق اقرا التي تتكون من تسعة عشر اية وكأن المعرفة لازمة بشرية عبر الوقت والازمنة. وتعتبر الديانة البهائية 19 رقما مقدسا حيث تتكون السنة الشمسية من 19 شهرا وكل شهر يتكون من 19 يوما. فهل هذا التكرار بني عن إصرار وبغية الزجال ام ان الصدفة داعبت قريحة الابداع الرحالي بقبلة الاستطلاع؟
-اليوم/الليل/النهار:
لقد تكرر اليوم 34 مرة. حري بزجالنا ان يذكر الليل 17مرة والليل 17 مرة لان اليوم يتكون من الليل والنهار، لكن ذكر الليل 17 مرة بينما النهار 3مرات فهو في حاجة لأسبوعين من النهار، لعل هذا الليل الذي عاشه زجالنا، هو تخفيه عن الضوء مما يحمل من معاناة وارهاصات.
علامات أخرى دالة على الزمن تكررت:
العام 9 مرات /النهار 3مرات /الشهر مرتين/ البارح 4 مرات /ساعة مرتين/ العمر 3 مرات/ التاريخ مرتين /الزمان مرتين/ الدوام مرتين /عقود مرة واحدة /السنة 1 /سنة 2020 1 /الماضي 1/ للي فات 1 /من والي 1 /القر 1 /الصمايم 1 /سعد لخبية 1 /الصيف 1 /باب الموريات 1 /الفجر 1/ الصباح 1 /جمعة /1 لاربعة 1/
فالمجموع هو 114لكل صيغ الزمن، وعدد سور القران الكريم 114 سورة وكان ازمنة (الدمع الجاف) المضطرمة تحمل في زمنها المطلق عدد الزمن القرآني المطلق، هل هذه دلالة على عر فانيات اللغة؟ ام مكر لغوي يمظهر قوة المنجز لدى الشاعر؟ ام هي صدفة وبناء اعتباطي.
-القلب:
لقد ذكر زجالنا مفردة القلب أربعين مرة هذا يحيلنا الى زمن الوحي عند الأنبياء و انطلاق الوسيط العمري للتفكر والتأمل عند الفلاسفة وبلوغ النضج الفكري والرجولي للتأمل والاستعداد لحمل الأعباء القوية، كما يحيلنا هذا العدد في الثقافة الإسلامية مدة اختلاء سيدنا موسى بالله عز وجل؛ {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل} [6] وفي التطابق السلبي يحمل لعنة أخرى؛ {فإنها محرمة عليهم أربعين عاما يتيهون في الأرض} [7] ويُذكرنا جلال الدين الرومي الذي أسس أربعون قاعدة للعشق الإلهي، وفي كل الديانات والمعتقدات يحمل رقم 40 دلالة الصبر ما بين الموت والحياة. يُستنتج من هذ المناولة الإحصائية العددية ان الاربعينيات من خلال القياس التاريخي فهي الانصهار في لذة القدرة الروحية او الانتكاس والضياع؟
-الدمع:
تضمنت هذه الاضمامة الزجلية 53 كلمة الدمع. او ما يعبرعن الدمع سواء البكاء او غيرها. منذ ولادة الانسان وهو يبكي ويصرخ من الم الطبيعة الى ان يجف الدمع ويبدأ البكاء بأدوات أخرى كالغناء، او الشعر، او التعبير الابداعي، او الصمت فهو أكبر بكاء بلا دمع ولعل عمر زجالنا في كتابة هذه الاضمامة هو 53 سنة وكأن كل سنة بدمعة ليصوغ لنا دموعا جافة. هل كان هذا الرقم صدفة في تكراره في الاضمامة ام مكر تركيبي للغة؟
-الحرف:
تردد الحرف، او الكلمة، او القصيدة، او الكتبة. ..الخ47 مرة. ولعل السن السادسة هو نشأة الطفل على التعلم ومهارة الكتابة حثى يشتد عوده ونضجه وهذا الرمز يحيل الى عمر كتابة رحال الادريسي منذ سن السادسة الى هذه الاضمامة. كما يرمز الى الفترة الذهبية للفكر الفلسفي العميق
-فلسطين:
لم تتكرر كلمة فلسطين الا مرة واحدة في الاضمامة فلماذا اذن؟ هناك عدة تأويلات ونصوغ منها: هل البعد الجغرافي أوان الاهتمام بالدار قبل الجار؟ ثم هل فلسطين وقضيتها لا محل لها في اهتمامات الابداع الرحالي؟ ام ان مقص الكيانات السياسية فرض على ثوب الاجندة الاجتماعية مقاسا محددا؟ غير ان القضية الفلسطينية والوطنية لها حمولات قوية دالة في الاضمامة خفية.
تسمو هذه المناولة لإضمامة (الدمع الجاف) الى فرز تجليات العواطف والعلامات الدالة والتوترات الانفعالية في النصوص الزجلية المتضمنة لها، لمعرفتها من خلال المنهج البنيوي واللغوي الدال على وجود تأثيرات متباينة بين السياق السردي والانزياح الرمزي عبر (كتابة فنية التي قد يستطيع المبدع تعلمها خارج المدرسة لا نستطيع القول اننا نتعلم الفن داخل المدرسة فقط وان نغفل ما للثقافة والبيئة وما فيها من مظاهر واشكال واحجام) [8].
وهي تجربة ذاتية من باب الابتكار والانتاج الثقافي بشكل عام، ويؤكد الأستاذ خليل حاوي (عندما تكون التجربة ذاتية وموضوعية يضيق عنها القالب القديم) [9]، وتنضاف الى الرؤية الثقافية التي يشارك بها المثقف جمهوره والام شعبه،(المثقف الذي لا يتحسس الام شعبه لا يستحق لقب مثقف) [10]انطونيو غرامشي Antonio Gramsci، فماهي اذن اهم العلامات الدالة في الاضمامة ؟
لتفكيك اتون وفهم سميولوجي لما يتضمنه السرد الرحالي يمكن تفكيكه حسب هذا الاتجاه المعاصر الى ثلاثة محاور: الدلالة /التواصل/الثقافة. ففي سميولوجيا الدلالة هنا ثنائية الدال والمدلول تشير الكتابة الزجلية اللغوية هي (الدال) الى تعبير عاطفي عن (مدلول) هو ألم متعدد في المحيط الذاتي، وفي سيميولوجيا التواصل تصبح ثلاثية، اضافة على الدال والمدلول هنا وظيفة قصدية، يصبح السؤال ما الهدف من الدمع الجاف هل جاءت هذه الاضمامة لتمرير خطاب ثقافي؟ هل يتضمن هذا الخطاب مرجعية؟ لذا جاءت سيميولوجيا الثقافة تضيف الى الدال والمدلول المرجعية. اذن ما ماهي مرجعية الكتابة في (الدمع الجاف)؟
لقد فصل جاكسبون[11] التواصل الى /رسالة/ مرسل /مرسل اليه/ قناة التواصل /سعلام، منة اللغة/، لدينا رسالة اسمها الدمع الجاف كما لدينا مرسل اسمه رحال الادريسي ومرسل اليه قراء، بمعنى ذات شاعرة قصيدة شعرية وأذن ذائقة فماهي قناة التواصل التي اعتمدها الزجال الادريسي ؟، اعتمد رحال الادريسي في نصوصه على مجموعة من القصائد الزجلية التي تختلف في بنيتها من المشذرة الخفيفة المتوسطة خبال لعقدات، عز لفراق رفاق العز. ..الخ الى القصيدة الطويلة مثل نده يا علام، من قفا لوقت، يا قلبي كن لي هجهوج…الخ.
والسياق العام هو نبض عاطفي يحمل الالم يعبر عنه بالدمع فماذا يعنى بالدمع؟(تعني الدموع عندما يفقد العالم كل المعاني) حسب جوزيه ساراماغو[12]. هنا شفرة الالم كدلالة خفية وينضوي مفهوم الألم في مفاهيم العلوم النفسية التي تختلف تفسيراتها من مدرسة الى مدرسة (الالم هو العذراء الطاهرة المكرسة لخدمة الكمال الخالد) طاغور[13]. وهو قيمة انسانية في النسق الجمالي ويضيف طاغور أيضا (سأتبع الغيمة سأتبع النغمات الى حيث ينهض الصياح خلف الهضاب سأتبع العشاق وهم يمشون يصغرون ايامهم اكليل غادر على خيط اغنية) طاغور سأتبع الريح
يمكن تفكيك العلامات الى علامات عفوية وعلامات قصدية في ظاهر الاضمامة من خلال النصوص الزجلية. عندما يقول زجالنا:
نده يا علام
مسح ريوك لبهاليل
الصورة صرخة قائد الفرسان: كعلامة ظاهرة عفوية. امسح لعاب المجانين: كعلامة ظاهرة عفوية في حين أن العلامات القصدية هي صرخة الابطال في المعارك، والساحات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. امسح لعاب المجانين هو كناية عن الاندماج الروحي للمخزون الثوري والعاطفي لكونها تتبعها (الجدبة الجدبة) خطاب تأكيدي على اصرار الاستفزاز والتنبيه الصوفي حيث الجدبة مقام من مقامات التصوف الإسلامي يقول زجالنا ايضا:
خليني نكتب بالمكتوب حرف
نزاوك ف الريشة لقلم ودواية
خليني نكتب ب نادر الهم جرف
لمهود على خذ الوقت الغواية
يا ماسك دراعي لموتتي طرف
(خليني نكتب) اي بمعنى دعني أكتب علامة ظاهرة بينما ترمز الى (اعطيني حريتي علامة قصدية) (نزاوك في الريشة) علامة ظاهرة تعني التوسل، لكن العلامة القصدية تروم الى ثورة الكتابة كسبيل للحرية، (يا ماسك دراعي) علامة ظاهرة تدل على اللمس بينما العلامة القصدية تعني القمع.
الخطاب الرحالي في منجزه الإبداعي يمرر خطابا متعدد الانساق ظاهره الم باطنه رؤى فلسفية. تنبثق من فلسفة الصمت الى ملحمة الاوطان انطلاقا من التأثيرات المحيطة به كالبيئة الحاضنة وتتجلى في مضامين النصوص الزجلية /ملي تباع السرج لبغلات /عواجك محراتك يادنيا /من راس الشوكة مظلي/ من الملاحظ انه توجد معادلة البيئة المحيطة في تصوير بصري ظاهري وغناء شعري مشرع على الالم، تصوير عاطفي من اجل انتاج متخيل فريد يقول الاستاذ رحال عن الصمت في قصيدة (هاك شاهدي كفافة ل سقفك):
درت من كاع الصمت عكيك
ومن كاع كلبي شلاّ امدج
شفت ف غيوم ليام اش من رفيك
الطل يسقيني على مغسل لحدج
تصوير فريد وكأنه يصف من صمت العالم حلياً، ومن عمق كيانه مجموعة كبيرة من الحلي والاساور، ويجيب في البيتين التاليين عن الحالة المحوقلة التي تعيشها ذات الشاعر ككيان ينضح بالألم. شفت لغيوم. ..الطل يسقيني على مغسل لحدج
يقول رحال الادريسي في القدر:
الا كان قادارك ف الدنيا ناشف
لا تمحّن وتسال علا مدهون
ويلا كان قادارك ميمون تالف
علاش توسّخ جلالك عل الكانون
لا تحنّت لقدار لا تشتت وكار
ولي دارها المولى كاينة وتكون
من جوابي ف ملكََ الطركََان
مات ليفوع على قم مَا مضمون
والما على راس الكير زاند
تشربو نار الى مقدر يكون يكون
لا يترك لنا الزجال رحال الإدريسي في لعبة القدر اختيارا ما بين قدر يابس وبين قدر تائه، بلغة شعبية عامية، حثى يأخذ بالقارئ إلى مسارب القصيدة الزجلية بدهاء، لا يترك لنا الخيار في مجابهة القدر والرضى بالقدر والايمان بالقدر وكأن الإيقاع يثير نبض المتلقي إلى لعبة النار والماء في ملتقى دائري، النار تغلي الماء والماء يطفئ النار كقاعدة فيزيائية حتمية قدرية وفي صورة أخرى تعانق الكلمة في حبكة مبهرة بين الليل والنهار هذا التعاقب الأزلي وما يحمل من أسرار، (على سيف الليل كان النهار غمادو) يا لروعة و بلاغة هذه الحبكة تترجم لنا بلغة الشعرية المرفوعة لغة الله في القرآن الكريم يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. يخرج لنا الزجال حياة القصيدة الشعبية بلغة عرفانية تتماوج بين الماضي والحاضر بين الغائب والشاهد بين فيزيقيا الأجناس وتجلي الغائب. ويختمر الزجال شعور بنوسطالجيا المكان والزمان ليصفف لنا قصيدة ببديع المصطلحات المحلية الشعبية لتكون رائحة القصيدة أزكى في صدر المتلقي.
ونتيجة لفهم المضلع الرحالي في ديوانه، خلصنا لنتيجة انه يمرر لنا عدة اغراض شعرية عبر فلسفة التصوف (التقى محيي الدين في مطلع شبابه بابن رشد فسأله ابن رشد هل القمة التي وصل اليها الفلاسفة بالعقل والفكر هي القمة التي وصل اليها المتصوفة بالتصفية والتجرد والذكر؟ فقال له محيي الدين نعم ولا وبين نعم ولا تطير الارواح) ليضعنا الزجال رحال الادريسي في منجزه ا(لدمع الجاف) امام اشكالية ثقافية كبيرة بلغة عامية.
-اللغة:
جاءت المركبات اللغوية في الديوان عبر الانساق الموسيقية التي توازي السماع المغربي وهي قصيدة المبيت حيث يجيب الشطر الاول من البيت الثاني الشطر الاول من البيت الاول او ما يعبر عنه فراش وغطا وليس غطا وفراش كما هو متداول في النمطية الاصطلاحية الزجلية المغربية [14]في التجربة الزجلية المغربية الصدر صدر والعجز العجز. التي تتفاوت تقطيعاتها من أربع كما في البيت يا كلبي كن لي هجهوج الى تقطيع احدى عشري كما في البيت التالي، من حرب الحرف بّاردية من خوا لحرك*** بارودْ طافي وعلف ما وافي واش تقرّيه.
استعمل الاستاذ رحال ترسانة من المفردات المحلية الغارقة في محليتها التي بدت كأنها تندثر مما يزيد من تفخيم النفس الشعري حد التأثير وهو نوع من الامتياز الإبداعي. /نشرشم / ندندن/ موهج /نده يا علام /. وظف الشاعر رحال الادريسي كل مهاراته اللغوية من فنون المعربين سواء الفصيح من بلاغة اللغة التشبيه الانزياح وفنون البديع الى حيث يسير البيت في جناسه الى أكثر من مفردة أحيانا مثلا / تراب دود وزود وزودات النفس /لا تبالظ لاتغالط / طنزك وطرزك/ ثم وظف قاموسا لهجيا غارقا في المحلية /كالت تاشكة ملي كانت تاشكة / العبون/ مراود الزفوط /لفحل كرون/ عود كلخة / وكم هي مساحة التعبير البلاغي مفخمة بالمناداة يادكاك /ياشوكة/ يارايق /يالمساوي. حاولنا قراءة الاضمامة الزجلية التي تصوغ نوعا من القول العامي عبر طرقا نراها قادرة على فك شفرة الكتابة الزجلية لبعض المبدعين في الحقل الثقافي المغربي والتي نراها فريدة.
ختاما ان التجربة الزجلية في ديوان الدمع الجاف للزجال المغربي رحال الادريسي تتسم بالفرادة، من حيث الصوغ اللغوي. نسج رحال الادريسي من طريف المفردة النادرة في اللهجة المغربية حللا شعرية تستفز اذن المتلقي، اما من حيث المضمون عالج رحال الادريسي ظواهرا اجتماعية وسياسية وحالات نفسية من حيث ظاهر النسج، بينما العلامات الباطنة التي يمررها الأستاذ رحال الادريسي عبر انساق فلسفية كونية. حيث حاولنا تفكيك العلامات الدالة التي يحملها هذا المنجز عبر طرق ومناهج دلالية ورمزية.
- البيبليوغرافيا:
1-محاضرات الأستاذ عصام واصل أستاذ كلية الآداب ذمار-اليمن
2-جريدة الشرق الأوسط 21 يوليوز 2023 محمد حسن صندقجي سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض.
Milan kundira روائي فرنسي حاصل على جائزة الاندبندنت لأدب الخيال الأجنبي عام1991
4-غياب المعنى لايميل انغيروني
5-سورة البقرة
6-سورة المائدة
7-د. نبيل الحسيني كتاب منابع الرؤية في الفن
8-د. خليل حاوي مجلة الآداب البيروتية عدد 2 سنة 1965
9-الخطابات السياسية لأنطونيو غرامشي
10جاكسبون ناقد ادبي روسي أحد مؤسسي مفهوم الشعرية الحديثة
11-José saramago -روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل 1998- ربما الفرح 1970
12- المثالية الإنسانية طاغور شاعر وروائي وفيلسوف هندي بنغالي
13-الأدب والغرابة عبد الفتاح كيليطو
14-دراسة نقدية للباحث المغربي الاستاذ فؤاد البياز القاسمي
- هوامش:
[1] عصام واصل أستاذ اللغة كلية الآداب جامعة ذمار اليمن
[2] د. محمد حسن صندقجي سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[3] Milan kundira روائي فرنسي حاصل على جائزة الاندبندنت لأدب الخيال الأجنبي عام1991
[4] Emile Arnould غياب المعنى
[5] يمثل المنهج الاحصائي أحد المناهج اللسانية الخطابية
[6] سورة البقرة الآية 51
[7] سورة المائدة الآية 26
[8] د. نبيل الحسيني كتاب منابع الرؤية في الفن ص 4
[9] د. خليل حاوي مجلة الآداب البيروتية عدد 2 سنة 1965
[10] الخطابات السياسية لأنطونيو غرامشي
[11] Roman Jakobson ناقد ادبي روسي احد مؤسسي مفهوم الشعرية الحديثة
[12] José saramago -روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل 1998- ربما الفرح 1970
[13] طاغور شاعر وروائي وفيلسوف هندي بنغالي – المثالية الإنسانية
[14] إشارة من الناقد نورالدين حنيف ابوشامة الذي يفيد ان الفراش يسبق الغطاء في الحياة اليومية












