جماليّة النّار في الشعر العربي القديم

- د.أحمد محمود الخليل -

0

 

 

إن للنار في التراث العربي الجاهليّ حضوراً لايُستهان به، أما في الشعر فإن ذاك الحضور يرقى ليشكّل ظاهرة فنّية متميزة، هذا إلى جانب أنه حضور متكامل، نجد فيه ما هو ميثولوجي، وماهو اجتماعي، وماهو سياسي، وماهو فني. وقد تنّبه الباحثون القدماء إلى هذا، فوقفوا عنده باهتمام واضح، وإن كانوا قد اكتفوا بالتوصيف، ولم ينتقلوا إلى مرحلة التحليل وربط دلالات النار بالبنى الثقافية التي لاتخلو من التعقيد.

  • 1ً- النار في الدائرة الميثولوجية:

المشهور أن معظم عرب الجاهلية كانوا يدينون بالوثنية، وصحيح أنهم كانوا يؤمنون بالله، لكنهم كانوا يشركون به، ويعبدون إلى جانبه آلهة على شكل أصنام وأوثان، باعتبارها تقربّهم إلى الله، ويذكر القرآن الكريم توجّههم هذا بوضوح؛ إذ كانوا يقولون: (ما نَعبُدُهم إلاّ لِيُقرِّبونا إلى الله زُلْفى)
(سورة الزمر/3).

وكنا نتوقع أن تكون النار من جملة المعبودات التي عبدها العرب قبل الإسلام، لكن هذا مالم نجد دليلاً تاريخياً صريحاً عليه، لافي الشعر الجاهلي، ولا في الأخبار المتعلّقة بالميثولوجيا العربية، وسواء أكان ذلك في الدراسات العامة حول ديانات العرب مثل كتاب (الأصنام) لهشام بن محمد بن السائب الكلبي، أم في تلك البحوث التي خصّت النار باهتمام مستقلّ، كما هو الأمر عند الجاحظ في كتابه (الحيوان)، وعند النويري في كتابه (نهاية الأرب في فنون الأدب). وأقصى ماجاء في هذا الصدد أن أشتاتاً من العرب عبدوا النار، وكان ذلك سرى إليهم من الفرس والمجوس(1).

إذاً لنا أن نعتقد أن الذين عبدوا النار من عرب الجاهلية كانوا قليلي العدد، وهم قد فعلوا ذلك بتأثير الثقافة الفارسية، وقد روي في الأخبار أن المجوسية كانت في تميم، وكانت منازلها في البحرين القريبة من حدود الامبراطورية الفارسية(2). وتؤكد الأخبار أيضاً أن تلك المنطقة كانت واقعة تحت النفوذ الفارسي على الصعيدين السياسي والثقافي، وهناك أكثر من دليل على ذلك، ونذكر على سبيل المثال أن ملك الحيرة -وكان تابعاً للفرس- أرسل الشاعر طرفة بن العبد، إلى عامله بالبحرين ليقتله هناك، وهذا ماتمّ فعلاً.

وللباحث أن يخلص ممّا سبق إلى أن عبادة النار لم تكن ديناً للكثرة الكاثرة من العرب قبيل الإسلام، وإلاّ لورد في الأخبار مثلاً أن النار كانت من جملة الآلهة التي حشدها الجاهليون في الكعبة، أو أنهم أقاموا لها الأنصاب هنا وهناك في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وهذا مالم تتمّ الإشارة إليه، لا من قريب ولا من بعيد.

لكن هل يعني هذا أن العرب لم يعبدوا النار في جاهليتهم الأولى؟! وهل نتخذ انتشار المجوسية في أطراف البحرين بين تميم وبعض عبد القيس، ولدى أفراد محدودي العدد (مثل زُرارة بن عدس، والأقرع بن حابس)، ذريعة إلى أنه لاصلة للنار بالميثولوجيا العربية الجاهلية؟!.

هذه مسألة فيها نظر!

إذ في الأخبار أن أول من عبد النار قابيل بن آدم(3).

وتتفق النصوص التاريخية والدينية على أن عبادة النار كانت في فترة من فترات التاريخ البشري ديانة عالمية، وقد تطورت هذه الديانة من بعد، وتجسدت في ديانة الشمس، هذه الديانة التي كانت عالمية بحق، إذ نجد لها، في العصور القديمة، حضوراً ميثولوجياً طاغياً من اليابان شرقاً إلى أمريكا والهنود الحمر غرباً.

هذا، ولعل الجنس البشري مازال يحتفظ حتى يومنا هذا برموز لها صلة، على نحو أو آخر، برواسب من تلك الميثولوجيا، وتتجسّد تلك الرموز في صيغ عديدة، لعلّ منها شعلة الأولمب في المواسم الرياضية؛ إذ المشهور أن مباريات الأولمب تقرّرت في اليونان القديمة حوالي سنة (776ق.م) إكراماً للإله زفس، وكان اليونان آنذاك ينتمون إلى المنظومة الدينية الوثنية، تلك التي كانت الشمس تشكّل منها واسطة العقد، ونذكر على سبيل المثال أن أبولو كان يدعى إله الشمس وإله النور(4).

ولا نرى داعياً إلى سوق الأدلّة على العلاقة الوثنية -في الإطار الميثولوجي- بين عبادة الشمس وتقديس النار، فالأمر غنيّ عن البيان، وعلى نحو أخصّ عند الشعوب الآرية، ومنهم اليونان.

ولنعد إلى موضوع عبادة النار عند قدماء العرب، فالروايات التاريخية تذكر أن فريقاً من العرب كان يعبد الشمس قبل الإسلام، ولاسيّما عرب حمير قبل أن يتهودّوا(5).

ويذكر هشام الكلبي أن (الشمس) صنم قديم، وأن العرب إذ سمّت عبدشمس (بطن من قريش) إنما سمته بذلك الصنم(6).

إذاً نحسب أن العرب لم يكونوا خارج التاريخ الإنساني، وأنهم عبدوا النار في فجر حياتهم البدائية، وأن تلك العبادة الصريحة تقلّصت من بعد، ثمّ انقرضت، لكنّها تركت آثاراً لها في بعض المظاهر ذات الطابع الميثولوجي، أشرنا منها إلى عبادة الشمس.

والحق أن ثمة مظاهر أخرى لميثولوجيا النار في الثقافة العربية القديمة، وقد ظلّت تلك المظاهر فعّالة في المجتمع العربي الجاهلي إلى عهد متأخّر جدّاً، ثم جاء الإسلام فأجهز عليها، وألغاها مع جملة ما ألغى من أسس الميثولوجيا الوثنية. ومن النيران التي نحسب أنها تعود بجذورها إلى مرحلة عبادة النار من مراحل الميثولوجيا العربية: نار المزدلفة، ونار الاستسقاء، ونار الحرّتين، ونيران السعالي والجن، ونار الاحتيال.

  • نار المزدلفة:

من المظاهر الميثولوجية للنار أن عرب الجاهليّة كانوا يوقدون ناراً بالمزدلفة، لكي يراها القادم من عرفة، ويروى أن أوّل من أوقدها هو قصي بن كلاب(7). وما الذي يمنع أن تكون هذه النار من رواسب الميثولوجيا المغرقة في البدائية عند العرب، أيام كانت عبادة النار تستأثر بقسط وافر من السطوة في المجتمعات البشرية؟‍!

ثم إن الباحث في العقائد وأسسها ومكوّناتها قادر على اكتشاف كثير من الانزياحات في الصيغ والرموز الدينية، وانتقال تلك الصيغ والرموز من منظومة عقدية سابقة إلى منظومة عقدية أحدث منها. ولنأخذ مثالاً على ذلك الصليب، فهذا الرمز الديني لم يبدأ مع النصرانية، وإنما كان له حضور في الميثولوجيا الوثنية القديمة أيضاً.

ولنأخذ مثالاً آخر.

ولكن الانزياح، في هذا المثال، من المنظومة الميثولوجية إلى المنظومة العلمية، وليكن موضوع الانزياح هو (الأفعى) فالمعروف أن صورة الأفعى باتت شعاراً مرفوعاً أمام كل صيدلية، لكن لعلّ من غير المعروف لدى الكثيرين أن هذا الشعار هو في جذوره البعيدة ميثولوجي صرف؛ إذ كانت الأفعى تمثّل عند بعض الشعوب ومنهم اليونان ربّة الحكمة، ونعلم أن الحكمة والطب كانا علمين متداخلين في الثقافات القديمة، وإلى يومنا هذا ندعو الطبيب حكيماً. لذا لانستبعد أن تكون نار المزدلفة -وقد ارتبطت في المنظومة العقدية الجاهلية بالحج إلى الكعبة- من جملة تلك الانزياحات.

  • نار الاستسقاء:

وتسمّى نار الاستمطار أيضاً، ويذكر الجاحظ أنها “النار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى؛ فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ماقدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعُشَر، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران، وضجّوا بالدعاء والتضرّع، فكانوا يرون ذلك من أسباب السّقيا”(8).

ويذكر الآلوسي أن العرب الذين كانوا يأخذون بهذا الطقس كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً بالبرق، وكانوا يسوقون البقر نحو الغرب من دون الجهات(9).

ويقول أميّة بن أبي الصلت في ذلك:

سَنةٌ أزْمةٌ تًخيَّلُ بالنا

سِ، ترى للعِضاةِ فيها صَرِيرا

إذ يَسفُّون بالدقيقِ، وكانوا

قبلُ لايأكلون شيئاً فَطِيرا

ويسوقون باقِراً، يطردُ السَّهـ

ـلَ، مهازيلَ خَشيةً أن يَبُورا

عاقدينَ النيرانَ في شُكَرِ الأذ

نابِ عمداً، كيما تَهِيجَ البحورا

فرآها الإلهُ تُرشَمُ بالقَطْـ

ـرِ، وأمسى جَنابُهم ممطورا(10)

وكان هناك من العرب من يعدّ هذا الطقس مرفوضاً، ويستنكر الأخذ به، ولعلّه كان ينتمي إلى ميثولوجيا غير هذه التي كان هذا الطقس من مكوّناته، ومن هؤلاء الوَرَل الطائيّ:

لادَرَّ دَرُّ رجالٍ خابَ سَعيُهُمُ

يستمطرون لدى الأزَماتِ بالعُشَرِ

أجاعلٌ أنت بَيْقوراً مسلَّعةً

ذريعةً لكَ بينَ اللهِ والمطرِ؟!(11)

  • نار الحرّتين:

وهي نار أخرى لانراها نائية عن الدائرة الميثولوجية، وتسمّى نار خالد بن سِنان، ويذكر الجاحظ أنه لم يكن في بني اسماعيل نبيّ قبله، وأن ابنته قدمت على النبيّ محمد، صلّى الله عليه وسلّم، فبسط لها رداءه، وقال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه(12).

وتذكر الأخبار أن نار الحرّتين هذه كانت ببلاد بني عبس، فإذا كان الليل فهي نار تسطع في السماء، وربما خرج منها عنق، فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لاتمرّ بشيء إلاّ أحرقته، وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بني عبس رجلاً، فخرج بهم نحوها، ومعه درّة، حتى انتهى إلى طرفها، وقد خرج منها عنق كأنه عنق بعير فأحاط بهم، فقالوا: هلكتْ -والله- أشياخ بني عبس آخر الدهر! فقال خالد: كلاّ! وجعل يضرب ذلك العنق بالدرّة، ويقول: “بداً بدّا، كلُّ هدْي الله يؤدّى! أنا عبد الله بن سنان!”. فما زال يضربه حتّى رجع، وهو يتبعه، والقوم معه، كأنه ثعبان يتملّك حجارة الحرة حتى انتهى إلى قليب، فانساب فيها وتقدم عليه فمكث فيه طويلاً، فقال ابن عم لخالد: لا أرى خالداً يخرج إليكم أبداً! فخرج يندى عرقاً، وهو يقول: زعم ابن راعية المعزى أنّي لا أخرج(13)!

وبإخضاع هذا الخبر للبحث العلمي يتبيّن أن تلك النار كانت بركاناً ضعيفاً يثور بين الحين والحين، فتسيل منه الحمم، وتتوجّه نحو ديار القوم، فتهدّد مراعيهم ومواشيهم، فكان أن حاول خالد بن سنان درء خطر تلك الحمم بأن حفر لها خندقاً أو مجرى يصرفها به إلى وجهة أخرى بعيدة عنهم، أو أنه صرفها نحو واد عميق في تلك الناحية. لكن الوعي الميثولوجي الجاهلي أبى إلاّ أن يطلّ برأسه، ويتدخّل في تحوير هذا الخبر، ويضفي عليه طابعاً أسطورياً خلاّباً ومثيراً.

ثمّ يبدو أن القيم الاجتماعية الجاهلية تسلّطت على الحدث أيضاً، واستأثرت بنصيب منه، فها هوذا خالد بن سنان يستنكر استهانة ابن عمه بقدراته الميثولوجية الخارقة، فيسميه ابن راعية المعزى، فقيل لهم من بعد: أبناء راعية المعزى، وبات لقباً لهم أبد الدهر! ولا يخفى على كلّ دارس للثقافة الجاهلية مدى احتقار العرب الجاهليين لمن يمارس الرعي من الرجال -ولاسيما إذا كانت الحيوانات معزى، فكيف بمن يقال عنه أن أمه كانت راعية المعزى!

على أن مايذكره المسعودي عن قصة خالد بن سنان هو أمر جدير بأن نبدئ النظر ونعيده في المسألة؛ إنه يقول:

“وذلك أن ناراً ظهرت في العرب، فافتتنوا بها، وكانت تنتقل، وكادت العرب تتمجّس وتغلب عليها المجوسيّة، فأخذ خالد بن سنان هراوة وشدّ عليها، وهو يقول: بدا بدا، كلُّ هدى، مؤدّ إلى الله الأعلى،

لأدخلنّها وهي تتلّظى، ولأخرجنّ منها وثيابي تتندّى. فأطفأها”(14).

إن هذا الخبر يحملنا على أن نبحث عن التقاطعات السياسيّة والميثولوجية والدينية في نار الحرّتين هذه، فالمعروف أن شبه جزيرة العرب كانت محطّ أطماع الامبراطوريّتين المجاورتين: فارس والروم؛ فالفرس نجحوا في استقطاب ملوك الحيرة، وهيمنوا من خلالهم على الأجزاء الشرقية والشمالية الشرقية من أرض العرب (العراق والسواحل الغربية للخليج)، وتدخلّوا في الصراع الدائر بين اليمن والحبشة بمساعدة سيف بن ذي يزن على طرد الأحباش، واستطاعوا بذلك فرض نفوذهم على اليمن وعمان.

وما كان الفرس ليكتفوا بذلك، وإنما كانوا يسعون سعياً حثيثاً إلى التغلغل في عمق أرض العرب، والهيمنة على طرق التجارة المارّة فيها -وتلك هي مشكلة الدول ولاسيما الامبراطورية منها- ولعلّ السلطة الفارسية كانت تسعى أيضاً إلى بسط نفوذها على السواحل الشرقية للبحر الأحمر، لتقطع الطريق على السياسات البيزنطية في المنطقة التي تدعى اليوم بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

وكانت الثقافة الفارسية، والدين أحد أهم مفاصلها، من جملة الوسائل التي تمّ توظيفها في هذا الصدد، فقد كان في المراكز الحضرية حضور للعديد من ممثّلي الثقافة الفارسية، ولاسيما مكّة العاصمة الثقافية والدينية والتجارية للعرب آنذاك، ومن هؤلاء النضر بن الحارث بن كَلَدة الذي كان يروي لقريش الأحاديث عن رستم وإسفنديار وغيرهم من أساطين الفارسية المجوسية، وفي الأخبار أن الزندقة كانت في قريش، أخذوها من الحيرة(15)، والمراد بالزندقة هنا الديانة المانوية، وماهي في حقيقة أمرها سوى تطوير للمجوسية.

أما الروم الذين كانوا يستولون على بلاد الشام فقد تمكّنوا من جهتهم استقطاب الغساسنة، وفرضوا نفوذهم عبر حلفائهم العرب هؤلاء على الأجزاء الشمالية من أرض العرب، وكانوا يحاولون التسلّل إلى شبه الجزيرة العربية من الجنوب، مستعينين بحلفائهم الأحباش الذين يتفّقون معهم في اعتناق النصرانية، وكانت واقعة الفيل وهجوم أبرهة الحبشي على مكة من أشهر تلك المحاولات، وكانوا حريصين على توجيه المبشّرين إلى أوساط القبائل العربية، وقد أفلحوا في استمالة بعض القبائل إلى النصرانية، مثل ربيعة وغسّان وبعض قُضاعة، ولذا كثيراً ما نرى في الشعر الجاهلي صورة الراهب، أو مايتعلّق به، يقول امرؤ القيس في وصف جمال صاحبته:

تُضيءُ الظلام بالعِشاء، كأنّها

مَنارةُ مُمسى راهبٍ متبتِّلِ(16).

بل لعلّ الاستكبار الهائل الذي كانت تمارسه قبيلة تغلب النصرانية كان على صلة بتحالفها الأيديولوجي مع الروم، حتى قيل: لولا الإسلام لأكلت تغلب الناس! هذا وقد أفلح الروم أيضاً في الوصول إلى المراكز الحضرية، ومن أهمها مكة ويثرب، ونجد العديد من رجالات هاتين المدينتين قد اعتنقوا النصرانية، ونذكر منهم ورقة بن نوفل في مكة، وأبا عامر الراهب في يثرب(17).

ونحسب أن نار الحرتين، أو نار خالد بن سنان، هي محصلة اندغام نارين اثنتين في الذاكرة العربية الجاهلية:

أولاهما نار بركانية حقيقية ثارت فبثّت الرعب في القلوب.

والثانية هي نار دينية الجذر، اتّخذت رمزاً إلى محاولة بعض أنصار الثقافة الفارسية -وهم بالضرورة من أنصار السياسة الفارسية أيضاً- لنشر المجوسية في الوسط العربي الجاهلي، ولعلّ هؤلاء اتّخذوا من ظاهرة ثوران البركان مدخلاً إلى الدعوة لعقيدتهم، وحاولوا استثمار تلك الظاهرة الطبيعية المثيرة مدخلاً إلى كسب أنصار عرب لعقيدتهم المجوسية، وإيجاد موطئ قدم لسياسة الامبراطورية الفارسية في المجتمع العربي.

وقد تصدّى لهم خالد بن سنان، باعتباره من الحنفاء، فأفلح في صدّ ذاك الهجوم العقدي المجوسي، لكن على عادة العقلية البدائية التي لاترتاح للأحداث الهامة إلاّ بعد إخراجها إخراجاً أسطورياً، شاءت الذاكرة العربية الجاهلية أن تجعل من خالد بن سنان رجلاً خارق القدرات، إلى درجة أنه يطفئ بركاناً ثائراً بضربات من عصاه!.

  • نيران السعالي والجنّ:

للجن، في خريطة الميثولوجيا العالمية، أثر بالغ، ففي تاريخ معظم الشعوب أحداث تنسب إلى العفاريت والمردة، وماكانت الميثولوجيا الجاهلية لتشذ عن هذه القاعدة، إذ يروى أن من العرب شراذم قليلة من أهل البوادي تعبد الجنّ(18).

أما علاقة الجنّ بكلّ ماهو خارق وغير مألوف فهذا كان عرفاً شائعاً في الوسط الجاهلي، وأشهر دليل في هذا الصدد ماعرف في الموروث الثقافي الجاهلي بشياطين الشعراء، ولاريب أن هذا الاعتقاد كان قد ترسخ في النفوس، وظل قائماً في الإسلام أيضاً، حتى إن شاعراً عاش في القرن الثاني الهجري هو أبو النجم العجلي يتباهى بالقدرات المتميزة لشيطانه الشعري، فيقول مفاخراً به:

إنّي، وكلُّ شاعرٍ من البشرْ

شيطانُه أنثى، وشيطاني ذَكَرْ

ونحسب أن عبدة الجنّ كانوا أكثر من أن يكونوا مجرّد شراذم، والأرجح أنّهم كانوا يشكلون ظاهرة عقدية ذات فعالية على الصعيد الأيديولوجي، وهذا مانخرج به من ذكر القرآن لهذا التيار الميثولوجي صراحة في قول الله تعالى: (وجَعلوا للهِ شركاءَ الجنَّ) (سورة الأنعام/100). وفي قوله تعالى: (بل كانوا يعبدونَ الجنَّ أكثرُهم بهم مؤمنونَ) (سورة سبأ/41). وفي قوله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجِنّة نَسَباً) (سورة الصافات/ 158).

وخلاصة ما يتعلّق بنار الجنّ والسعالي أنّ العرب آنذاك كانوا يشعلون النار في البراري درءاً لما قد يلحق بهم من أذى الجنّ والسعالي، ويذكر الجاحظ قولاً في هذا الشأن لرجل يدعى سَهم بن الحارث يقول فيه:

ونارٍ قد حضَأْتُ بُعَيدَ هَدْءٍ

بدارٍ لا أريدُ بها مُقاما

سوى تحليلِ راحلةٍ وعَينٍ

أُكالئها مخافةَ أن تناما

أتَوا ناري، فقلتُ: مَنونَ أنتم؟

فقالوا: الجنُّ! قلت: عِموا ظلاما!

فقلتُ: إلى الطعام! فقال منهم

زعيمٌ: نحسُدُ الإنسَ الطعاما(19)

نار الاحتيال

وهي من النيران ذات الدلالات الميثولوجية أيضاً، وكان يستعين بها السدنة لزرع الرهبة في قلوب أتباعهم من الوثنيين، وهذا ما كان يلجأ إليه سادن (العُزّى)، وقد عمد إلى وسيلته المخيفة هذه لإرهاب خالد بن الوليد، حين وجّهه النبيّ محمد -صلّى الله عليه وسلّم- إلى (بطن نخلة) لهدم ذاك الصنم، إذ رمى السادن خالداً بالشرر، ليوهمه أن ذلك من الصنم عقوبة لكلّ من يتعرّض له. بيد أن خالداً لم ينخدع بتلك المكيدة، ولم يتردّد في تدمير العُزّى، وقتل سادنها، وإبطال كل ماكان حولها من ترّهات(20).

  • 3ً- النار في الدائرة السياسية:

كانت النار لدى عرب الجاهلية، عنصراً هاماً في المضمار السياسي أيضاً، وكانوا يتّخذونها شاهداً على مايعتقدونه بينهم من تحالفات سياسية، ويذكر الجاحظ تلك النار كانت: “توقد عند التحالف، فلا يعقدون حلفهم إلاّ عندها، فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون إلى الله عزّ وجلّ بالحرمان والمنع من منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، ويخيس بالعهد، ويقولون في الخلف: الدّمُ الدّمُ! الهدم الهدم! لايزيده طلوع الشمس إلاّ شدّاً وطول الليالي إلاّ مدّاً، مابلّ بحرٌ صوفة، وما أقام رضوى في مكانه (إن كان جبلهم رضوى). وكلّ قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم، وربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم”(21).

ويضيف الجاحظ قائلاً:

“ولقد تحالفت قبائل من قبائل مُرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، وعشوا بها، حتى محشتهم، فسموا المحاش. وكان سيدهم والمطاع فيهم أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. ولذلك يقول النابغة:

جمّعْ مِحاشكَ، يا يزيدُ، فإنني

جمّعتُ يَربوعاً لكمْ وتميما(22)

والملاحظ في هذا الخبر أن ماهو ميثولوجي في دلالات النار قد تجذّر في ماهو سياسيّ، فالقوم لايكتفون باتّخاذها شاهداً على مثل هذه الأحداث الجليلة، وإنما يتوجّهون عندها بالدعاء إلى الله أن يكون جزاء من ينقض التحالف الحرمان من منافعها ، بل لعلهم كانوا في عهود أقدم يتوجّهون بالدعاء إليها هي، باعتبارها إلاهه من آلهتهم.

  • نار الحرب:

كان العرب، إذا أرادوا حرباً، وتوقّعوا جيشاً عظيماً، وأرادوا الاجتماع، أوقدوا ليلاً على جبلهم ناراً، ليبلغ الخبر أصحابهم، وقد قال عمرو بن كلثوم:

ونحن غداةَ أُوقِد في خَزازِ

رَفَدْنا فوقَ الرافِدينا(23)

وكان الجاهليون إذا جَدّوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين، وقد جاء ذلك في قول الفرزدق، وهو يشيد بمواقف قبيلة تغلب في الجاهلية، متعاطفاً بطبيعة الحال مع الأخطل التغلبي ضدّ خصمهما المشترك جرير:

لولا فوارسُ تَغلبَ ابنةِ وائلٍ

سدَّ العدوُّ عليكَ كلَّ مكانِ

ضَربوا الصنائعَ والملوكَ وأَوقدوا

نارينِ أشرفتا على النيرانِ(24)

وقد توثّقت العلاقة في الذاكرة الجاهلية بين الحرب والنار، وباتت النار تظهر في معظم اللوحات التي تصوّر مشاهد الصراع الحربي. فهذا سعدُ بن مالك، جدّ طرفةَ بن العبد وأحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية، يسمع أن الحارث بن عُباد، وهو من بني بكر أيضاً، قد اعتزل حرب البسوس التي هاجت بين بكر وتغلب، فيقول مستنكراً:

يابؤسَ للحربِ التي

وَضعتْ أَراهطَ فاستراحوا

والحربُ لايَبقى لجا

حِمِها التخيُّلُ والمِراحُ

إلاّ الفتى الصَّبّارُ في النَّجّـ

ـداتِ والفَرسُ الوَقاحُ

مَن صدَّ عن نيرانها

فأنا ابن قيسٍ، لابَراحُ(25)

وفي هذا المعنى يقول الرقّاد بن المنذر بن ضرار الضبي، من شعراء الجاهلية:

إذا المُهَرة الشقراءُ أدركَ ظهرُها

فشبَّ الإلهُ الحربَ بينَ القبائلِ

وأوقدَ ناراً بينهم بَضِرامها

لها وَهَجٌ للمُصطَلي غيرُ طائلِ

إذاً حملتني والسلاحَ مُشِيحَةٌ

إلى الروعِ أُصْبِحْ على سِلْمِ وائلِ(26)

  • نار الفداء:

يقول النويري في نار الفداء هذه:

“وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا قبيلة، وخرجت إليهم السادات في الفداء وفي الاستيهاب، كرهوا أن يعرضوا النساء نهاراً فيفتضحن. وأما في الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون من الصفّي لأنفسهم، وقدر مايجودون به، وما يأخذون عليه الفداء. فيوقدون لذلك النار. قال الشاعر:

نساءُ بني شيَبان يومَ أُوارةٍ

على النار إذ تُجْلى لها فتياتُها”(27)

3ً-النار في الدائرة الاجتماعية:

وهنا نجد للنار ظهوراً في ميادين كثيرة؛ فهناك نار السلامة، ونار الطرد، ونار السليم، ونار الوسم، ونار الغدر، ونار القرى.

  • نار السلامة:

وهي نار توقد للقادم من سفره إذا قدم بالسلامة والغنيمة. قال الشاعر:

يا سُلَيمى، أَوقِدي النارا

إنّ مَن تَهوَين قد زارا(28)

ولا يخفى أن الغرض من هذه النار نفسي واجتماعي معاً، ويتمثل في التعبير عن الفرح والسرور، وإعلام الآخرين بعودة هذا المسافر الحبيب، ولما في إشعال النار من معاني البهجة والنور والحبور.

  • نار الطرد:

وهذه على النقيض من النار السابقة؛ وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبّوا رجوع شخص أوقدوا خلفه ناراً ودعوا عليه. ويقولون في الدعاء: أبعده الله وأسحقه! وأوقدوا ناراً إثره. قال الشاعر يمدح أحدهم بالجود والمروءة:

وجَمّةَ قومٍ قد حملتَ، ولم تكنْ

لِتُوقدَ ناراً إثرهم للتندُّمِ(29)

  • نار السليم:

وكانت هذه النار توقد للملدوغ والمجروح، ومن عضّه الكلب الكِلَب، حتى لايناموا فيشتدّ بهم الألم. قال النابغة الذبياني:

يُسَهِّدُ من ليلِ التّمامِ سليمُها

لحِلْيِ النساء في يديه قعاقعُ

وذلك لأنهم كانوا يعلّقون عليه حلي النساء، ويتركونه سبعة أيام(30).

ولانستبعد أن تكون نار السليم هذه ترتدّ في الأصل إلى أنها كانت طقساً ميثولوجياً يلجأ إليه في حالات المرض.

  • نار الوسم:

وهي نار ذات طابع اجتماعي اقتصادي معاً، إذ كانوا يقولون للرجل: مانارك؟ أي ما سمتك؟ مستخبرين عن إبله: فيقول: علاط، أو خياط، أو حَلْقه، أو كذا وكذا. ويُروى أن بعض اللصوص ساق إبلاً، كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتّى، إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التجّار: مانارك؟ وإنما سأله عن ذلك لأنهم كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمهم، فقال:

تسألني الباعةُ: مانِجارُها؟

إذ زعزعوها، فسَمَتْ أبصارُها

وكلُّ دارٍ لأناسٍ دارُها

وكلُّ نارِ العالمينَ نارُها(31)

  • نار الغدر:

وهنا تكون النار قد باتت رمزاً إلى سلب قيمة من أهم القيم الإنسانية، ألا وهي الوفاء، ومن يلق نظرة فاحصة على سلّم القيم الاجتماعية في العصر الجاهلي يدرك أهمية الوفاء، ويدرك أيضاً مدى الاحتقار الذي كان يجرّه المرء على نفسه إذا غدر، ولاسيما إذا كان المغدور به مستجيراً. لذا كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له ناراً بمنى أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطلّ على منى)، ثم صاحوا: هذه غدرةُ فلان! وقد قالت امرأة من بني هاشم:

فإن نُهلِكْ فلم نَعرفْ عقوقاً

ولم تُوقَدْ لنا بالغَدْرِ نارُ(32)

ولا نستبعد أيضاً أن يكون لهذه النار بعدٌ ميثولوجي عميق الجذور، وأن يكون إيقادها شكلاً من أشكال إنزال اللعنة الإلهية بالغادر. ومهما يكن فإن هذه النار كانت من الضوابط التي تمنع العربي الجاهلي من إدارة ظهره لقيمة الوفاء، إحدى أنبل القيم الإنسانية، هذا في وقت كانت فيها الضوابط والتشريعات التي تسنّها الدول والمجتمعات المتحضّرة اليوم قليلة، ويصعب إلزام الناس بها إذا وجدت.

نار القرى:

والحق أن هذه أكثر نيران العرب شهرة، وهي النار الماثلة في اللوحات الاجتماعية الطابع، يقول الجاحظ:

“وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر العرب، وهي النار التي ترفع للسفر، ولمن يلتمس القرى، فكلما كان موضعها أرفع كان أفخر”(33).

وقد كانت البيئة الصحراوية بما فيها من ندرة للأقوات -ولاسيما أيام الشتاء- تتطلّب أن يكون ثمّة أناس ذوو مروءة، يهبّون إلى إيواء المقرور وإطعام الجائع، فكانوا يحملون كلابهم على النباح ليهتدي المسافرون عبر الصحراء بصوته.

ولكن قد لايمضي صوت الكلب بعيداً، فلابدّ من وسيلة أخرى أكثر جدوى، وهكذا كانت النار التي توقد في مكان مرتفع، فيرى المسافرون ضوءها من بعيد، فيتوجّهون إليها، ليستقبلهم هناك امرؤ جواد، يحيطهم بالرعاية، ويوفّر لهم المأوى والمطعم والأمن. وكثيراً ماافتخر بعض الجاهليين بهذا المسلك الحميد، وكثيراً مامدحوا به أيضاً.

يقول عوف الأحوص:

ومُستَنبحٍ يَخشى القَواءَ ودونَه

من الليلِ بابا ظُلمةٍ وسُتورُها

رفعتُ له ناري، فلما اهتدى بها

زجرتُ كلابي أن يُهِرَّ عَقُورُها(34)

وقال آخر:

ومستنبِجٍ بعدَ الهُدُوءِ دعوتُه

بشقراءَ مثلَ الفجرِ ذاكٍ وُقودُها

فقلتُ له: أهلاً وسهلاً ومرحباً

بمُوقِد نارٍ مُحْمِدٍ مَن يَرودُها

نَصَبْنا له جوفاءَ ذاتَ ضَبابةٍ

من الدُهْمِ مِبْطاناً طويلاً رُكودُها

فإن شئت أثويناكَ في الحيّ مُكرَماً

وإن شئت بلّغناكَ أرضاً تُريدُها(35)

ويقول السموءل مفتخراً:

وما أُخمِدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ

ولا ذَمّنا في النازلينَ نَزِيلُ(36)

أما قصيدة الأعشى في المحلّق فما كانت لتأخذ بألباب العرب إذ ذاك، لولا بيته الشهير في وصف نار القرى:

لعَمري، لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ

إلى ضوء نارِ في يَفاعٍ تَحرَّقُ

تشَبُّ لمقروريْن يصطليانها

وباتَ على النار النَّدى والمحلَّقُ(37)

ولما للجود من قيمة إنسانية في المجتمع العربي نجد أن نار القرى تظهر في لوحات كثيرة من الشعر الإسلامي أيضاً، فالإسلام إنما جاء ليتمّ مكارم الأخلاق. ونسوق على سبيل المثال قول المرار الفقعسي:

آليتُ لا أُخفي إذا الليلُ جَنّني

سنا النارِ عن سارِ ولا متنوِّرِ

فيا مُوقِدَيْ ناري ارفعاها لعلّها

تَضيء لسارٍ آخر الليل مُقترِ

وماذا علينا أن يُواجِه نارَنا

كريمُ المحيّا، شاحبُ المتحسَّرِ؟‍‍!(38)

بل ما أروع هذه المشاهد التي رسمها لنا النمري، ولعله منصور بن الزبرقان النمري، أحد بني النمر بن قاسط، وهو من شعراء الدولة العباسية، إنه ينشد قائلاً:

وداعٍ دعا بعد الهدوء كأنّما

يُقاتِلُ أهوالَ السُرى، وتقاتِلُهْ

دعا بائساً شِبْهَ الجنونِ، ومابه

جنونٌ، ولكن كيدُ أمرٍ يُحاولُهْ

فلما سمعت الصوتَ ناديتُ نحوه

بصوتٍ كريم الجَدِّ حُلوٍ شمائِلُهْ

فأبرزتُ ناري، ثم أثقبتُ ضوءَها

وأخرجتُ كلبي، وهو في البيتِ داخِلُهْ

فلما رآني كبّرَ اللهَ وحدَه

وبَشّرَ قلباً، كان جَمّاً بلابلهْ

فقلتُ لهُ: أهلاً وسهلاً، ومَرحبْاً

رَشِدْتُ، ولم أقْعُدْ إليه أسائِلُهْ

وقمتُ إلى بَرْكٍ هِجانٍ أعِدُّه

لِوَجْبةِ حقٍّ نازلٍ، أنا فاعِلُهْ

بذلك أوصاني أبي، وبمثله

كذلك أوصاه قديماً أوائلُهْ(39)

وظلّت نار القرى تفعل فعلها في المجتمع العربي، وتجد من ثم مكاناً لها في اللوحات الشعرية، حتى العصر العباسي، فها هوذا أبو زياد الأعرابي -وهو شاعر عباسي- يمدح أحد الأجواد قائلاً:

له نار تُشَبُّ على يَفاعٍ

إذا النيران أُلبِستِ القِناعا

ولم يكُ أكثرَ الفتيان مالاً

ولكن كان أرحبَهم ذراعا(40)

وعبر جميع هذه المراحل كانت جمالية النار مؤسّسة على واحدة من أنبل القيم الإنسانية في المجتمع العربي، ألا وهي الجود. فالجواد -وبخاصّة في تلك الظروف البيئية والاقتصادية الصعبة- إنما كان صنو الشهيد، والجامع بينهما هو العطاء، العطاء من غير انتظار الجزاء، العطاء الذي غايته التطابق والجذر الإنساني الضارب في وجدان أولئك الأجواد، ولأنه كان عطاء جميلاً وجليلاً كانت مشاهد نار القرى جميلة وجليلة في الذاكرة العربية، وفي جغرافية القيم العربية، وكذلك في الإنجاز الشعري العربي.

  • 4ً- النار في الدائرة الفنية:

لم يقتصر ظهور النار في اللوحات الشعرية الجاهلية على كونها ناراً حقيقية فقط، وإنما كانت في أحيان كثيرة معادلاً شعورياً غنياً بالدلالات، ورمزاً فنيّاً خصباً بالإيحاءات.

إن النار تظهر أحياناً على أنها رمز إلى الحضور البشري، وغيابها يعني غيابه واضمحلاله. يقول بشر بن أبي خازم:

وأصعَدَتِ الرِّبابُ، فليس منها

بِصاراتٍ، ولا بالحُبْس، نارُ(41)

وقد اختصر الشاعر هنا بغياب النار دلالات كثيرة؛ منها غياب المجتمع البشري المتمثّل في صيغته المحدودة (القبيلة)، ونضوب الأنس والحيوية، وهيمنة الوحشة والخواء.

وترد النار في شعر المهلهل بن ربيعة وهي تحمل دلالات استفحال النفوذ، وسموّ المكانة، وعظم الهيبة، فها هوذا أخوه كليب قد قتل، وكان قد منع أن تشعل نار مع ناره، لكن بعد مقتله وغياب ناره، انتهز الآخرون الطامعون في سيادة القبيلة الفرصة، فراحوا يشعلون نيرانهم، ويزيدونها ضراماً:

نُبِّئتُ أنّ النارَ بعدكَ أُوقِدتْ

واستبَّ بعدَك، ياكليبُ، المجلسُ (42)

وبحث بعض الشعراء عن معادل فني لجمال المرأة فوجدوا النار تفي بالغرض. إن أمرأ القيس شديد الإعجاب برونق وجمال حليّ صاحبته (بَسبْاسة)، فيقول:

كأنّ على لَبّاتها جَمْرُ مصطَلٍ

أصابَ غضىً جَزلاً، وكُفّ بأَجذالِ (43)

ويقول النابغة الذبياني في المعنى نفسه:

ترائبُ تَستضيءُ الحَلْيُ فيها

كجَمْرِ النارِ بُذِّرَ في الظلامِ (44)

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. وإنما تبدو المرأة لامرئ القيس باهرة الجمال، إذا برزت في الظلام أضاء وجهها، وكأنه نور ينبعث ليلاً من سراج في صومعة أحد الرهبان:

تُضيءُ الظلامَ بالعِشاءِ، كأنّها

مَنارةُ مُمْسى راهبٍ مُتبتّلِ (45)

ويستعين الشعراء الفرسان بالنار تارة لوصف أفراسهم. يقول طُفيل بن عوف الغنوي في فرسه، وهو أنعت الشعراء للخيل، ولذلك سمي طفيل الخيل:

كأن على أعرافِه ولجامِه

سَنا ضَرَمٍ من عَرْفَجٍ متلهّبٍ(46)

فالشاعر يصوّر مشهد فرسه وهو يعدو عدواً شديداً، فيظهر لمعان على عنقه وعنانه، شبيهاً بلمعان نار قد اشتعلت في شجر العرفج الشديد الاشتعال.

وتارة أخرى تكون النار معادلاً جمالياً للرماح. يقول ربيعة بن مقروم الضبيّ يصف رمحه الذي استعان به في ردّ إحدى الغارات:

وأسمرَ خَطّيٍّ، كأنّ سِنانَه

شِهابُ غضّى شيّعتَه فتلهبَا (47)

ويصف مجمَّع بن هلال سلاحه، وهو يقاتل به، فيشبهه بقبسٍ بلمع؛ إنه يقول في تصديه لأحد الفرسان قائلاً:

عَبَأْتُ له رمحاً طويلاً وأَلّةً

كأنْ قَبَسٌ يُعلى بها حين تُشْرَعُ(48)

وعدا هذا فقد كانت النار معادلاً جمالياً دقيقاً للانفعالات والمشاعر أيضاً؛ فها هوذا ربيعة بن مقروم الضبيّ يصف أحد الحانقين عليه، فيقول:

إن أهلِكْ فذي حَنَقٍ لظاهُ

عليّ تكادُ تلتهبُ التهابا

مَخضْتُ بدلوْه حتى تحسّى

ذَنوبَ الشرِّ مَلأى أو قُرابا(49)

بل إن إحدى النساء (وهي أمّ ثواب) ترغب في تصوير شدة كره وحقد كنّتها عليها، فلا تجد أفضل من النار مشهداً لتصوير كل ذلك، فتقول وهي تصف عقوق ولدها، وتشفّي الكنّة منها:

أنشا يمزّقُ أثوابي، يؤدّبني

أبعدَ شيبيَ عندي يبتغي الأدبا؟!

قالت له عِرٍسُه يوماً لتُسمِعني:

مهلاً! فإن لنا في أمّنا أرَبا

ولو رأتَني في نارٍ مُسَعَّرةٍ

ثم استطاعت لزَادتْ فوقها حطبا(50)

وللمرء أن يخلص ممّا سبق إلى أن جمالية النار، في دائرة الشعر العربي القديم، لم تقتصر على البعد الواقعي (الفيزيائي)، وإنما اغتنت بالدلالات الميثولوجية والاجتماعية والفنية أيضاً، وانتقلت أحياناً من كونها مظهراً حسياً (مادياً) لتصبح رمزاً إلى القيم النبيلة (الكرم) تارة، وإلى القيم السلبية (الغدر) تارة أخرى.


الهوامش:

1-محمود شكري الآلوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، شرحه وصححه وضبطه محمد بهجة الأثري، دار الكتاب العربي بمصر، الطبعة الثالثة، 2/233.

2-السابق، 1/244.

3-شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري: نهاية الأدب في فنون الأدب، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر، 1/105.

4-أندريه إيمار، وجانين أوبوايه: تاريخ العالم العام. بإشراف موريس كروزيه، ترجمة ريد داغر، وفؤاد أبو ريحان، منشورات عويدات، بيروت، 1964، 1/296. وانظر ول ديورانت: قصّة الحضارة، ترجمة محمد بدران، القاهرة، 1959، المجلد الثاني، 1/332.

5-الآلوسي: بلوغ الأرب، 2/237.

6-أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كتاب الأصنام، تحقيق الأستاذ أحمد زكي- الدار القومية للطباعة والنشر- القاهرة، 1924، ص110.

7-النويري: نهاية الأرب، 1/109.

8-أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 4/466.

9-الآلوسي: بلوغ الأرب، 2/301.

10-أمية بن أبي الصلت: ديوان أمية بن أبي الصلت، تحقيق الدكتور عبد الحفيظ السطلي، الطبعة الثالثة، مكتبة أطلس، دمشق، ص396-398. والفطير: ماعجل خبزه ولم يختمر. والباقر: البقر. والشكر: جمع شكير، وهو الشعر القصير بين الشعر الطويل. وراجع ديوان أمية.

11-السابق، 4/468.

12-الجاحظ: الحيوان، 4/477.

13-النويري: نهاية الأرب، 1/113. وانظر الجاحظ: الحيوان، 4/476-477.

14-أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد. محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، 1983، 1/67-68.

15-الآلوسي: بلوغ الأرب، 1/345.

16-السابق: 1/344. وانظر التبريزي: شرح القصائد العشر، ص62.

17-المسعودي: مروج الذهب، 1/74.

18- الآلوسي: بلوغ الأرب، 2/232.

19-الجاحظ: الحيوان: 4/481-482. وحضاً: أشعل. وسوى تحليل راحلة: أراد سوى راحلة أقام بها فيها بقدر تحلّة اليمين. ومنون: أي من أنتم.

20-الكلبي: كتاب الأصنام، ص25-26. والجاحظ: الحيوان، 4/483-484.

21-الجاحظ: الحيوان، 4/470-471. والهدم: القبر، أي قبرنا قبركم، أي لانزال معكم حتى الموت.

22-السابق، 4/471.

23-الجاحظ: الحيوان، 4/474-475. وانظر: الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، دار الآفاق، بيروت، 1980، ص352. وخزاز: جبل. ورفدنا: أعطينا.

24-الجاحظ: الحيوان، 4/475. والصنائع: إحدى الكتائب الخمس التي كانت للنعمان الأكبر ملك الحيرة.

25-أبو تمام: ديوان الحماسة، شرح التبريزي، دار القلم -بيروت، 1/192-193. والجاحم: الموقد. والتخيّل: الخيلاء. والنجدات: الشدائد. والوقاح: الشديد الحافر. ولابراح: لازوال.

26-السابق، 1/219. وأدرك ظهرها: أمكن الانتفاع بها. والمشيحة: الفرس القوية. والروع: الحرب.

27-النويري: نهاية الأرب، 1/112.

28-السابق، 1/111.

29-الجاحظ: الحيوان، 4/474. والنويري: نهاية الأرب، 1/110. والجمة: الجماعة يمشون في الصلح.

30-النويري: نهاية الأرب، 1/112.

31-الجاحظ: الحيوان، 4/491. والنويري: نهاية الأرب، 1/112.

32-النويري: نهاية الأرب، 1/111.

33-الجاحظ: الحيوان، 5/134.

34-الأخفش الأصغر: كتاب الاختيارين، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، دمشق، 1974، ص543. المستنبح: من يقلد الكلاب في النباح ليهيجها. والقواء الخالي من الأرض.

35-أبو تمّام: ديوان الحماسة، 2/295-296. وذاك: مشتعل. ويريد الشاعر بموقد. النار نفسه. ويرودها: يطلبها. والجوفاء: القدر الواسعة الجوف. والضبابة: ما. يعلو القدر من البخار. والدهم: جمع دهماء، وهي القدر السوداء لطول مكثها على النار. والمبطان: الواسعة البطن. وأثوى بالمكان: أقاربه.

36-السابق، 1/30.

37-الأعشى ميمون بن قيس: ديوان الأعشى، دار صادر، بيروت.

38-أبو تمام: ديوان الحماسة، 2/337. المقتر: البائس الفقير.

39-السابق، 2/325-326. والسرى: السير ليلاً. والبرك اسم جمع لما يبرك من الإبل، والهجان: الكريم من الإبل.

40-أبو تمام: ديوان الحماسة، 2/269. واليفاع: المكان المرتفع. وألبست القناع: كناية عن إخماد النار.

41-الأخفش الأصغر: كتاب الاختيارين، ص601 وأصعدت: تركت. والرباب: قبيلة. وصارات والحبس: موضعان- راجع ديوان بشر.

42-أبو تمام: ديوان الحماسة، 1/385. واستبتّ المجلس: ظهرت فيه الخصومات والشتائم.

43-امرؤ القيس: ديوان امرؤ القيس. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، ص29. واللبات: جمع لبّة وهي موضع القلادة من العنق. والمصطلي: المستدفئ، والغضى: نوع من الشجر. وكفّ: مُدّ: والأجذل: جمع جِذْل، وهو أصل الشجرة.

44-ابن السكّيت: ديوان النابغة الذبياني، تحقيق الدكتور شكري فيصل، دار الفكر، ص159. والترائب: جمع تريبة، وهي موضع القلادة.

45-الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، ص62.

46-الأخفش الأصغر: كتاب الاختيارين، ص25. والسنا: الضوء. والعرفج: شجر شديد الاشتعال.

47-السابق، ص583. والخطي: نسبة إلى الخط، وهي قرية كانت بالبحرين اشتهرت بجودة الرماح. وشيّعته: أعنته بحطب.

48-أبو تمام: ديوان الحماسة، 1/298. والألّة: السلاح.

49-السابق، 1/210-221. ومخض بالدلو: حركها لتمتلئ، كناية عن شره. والتحسي: شرب الماء قليلاً قليلاً. والذنوب: الدلو التي كانت لها ذنب. وقراب: مقارب الامتلاء.

50-السابق، 1/316-317

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.