ذكرى رحيل جبرا إبراهيم جبرا .. صرخة جمال بصحراء العرب

0

 

ربع قرن من غياب جبرا إبراهيم جبرا زمن طويل لم ينل من بريقه ومن قوة حضوره، في حياتنا الثقافية عموماً، والأدبية على وجه الخصوص، هو الذي ملأ دنيا الإبداع، وشغل ناسها بحضوره المتوهج في آداب وفنون عديدة من الرواية والقصة القصيرة إلى الشعر والترجمة والنقد الأدبي والتشكيلي، دون أن ننسى موهبته كفنان تشكيلي.

في تعرُّفي الأول على أدب جبرا، كنت أعتقده ينتمي لأسرة فلسطينية موسرة، خصوصاً وقد قرأت يومها أنه درس في جامعة كمبردج. عاش هذا الوهم طويلاً معي، إلى أن قرأت كتاب سيرته الآسر “البئر الأولى”، فاكتشفت خيبتي، وأعترف أنني شعرت بكثير من الارتياح، لأنني أحسسته واحداً منا، وعاش معاناتنا، وواجه قسوة العيش.

يوم استقبلني في بيته في حي “المنصور” في بغداد، قلت له هذا، فضحك كثيراً، وأفهمني أنه كان من أوائل دفعته في الثانوية العامة، فاستحق منحة للدراسة في بريطانيا قلبت حياته وفتحت له أبواب العالم.

جبرا هو “أستاذنا” جميعاً، وحين أقول جميعاً أعني الشعراء والروائيين وكتاب القصة القصيرة، هو الذي أبدع فيها كلها، وأضاف إلى كتاباته عيشاً لصيقاً ببعض ألمع أسماء الأدب في العراق، خصوصاً جواد سليم، وبدر شاكر السياب، وعبدالرحمن منيف (الذي سيتشارك معه بعد ذلك في كتابة روايتهما المعروفة “عالم بلا خرائط”، وليكون علماً من أعلام العراق الحديث، وواحداً من أبرز تنشيطيي الثقافة هناك).

رغم تعدد نتاجه الثقافي، أظل أراه أسطع حضوراً في الرواية، هو الذي أبدع روايته الأولى “صراخ في ليل طويل” في فلسطين قبل النكبة، وظل عمره كله يكتب الرواية بتأن جعل رواياته اللاحقة تعيش في وجدان القراء، خصوصاً “السفينة”، و”البحث عن وليد مسعود”، فيما يحتل كتاب سيرته “البئر الأولى” مكانة خاصة ومميزة، كواحد من أجمل كتب السيرة التي عرفها الأدب العربي.

دخلت روايات جبرا حياتنا، كوجه آخر، نادر ومتفرد، إذ هي نتاج مبدع مثقف. وحملت رواياته رؤى الحدقة المثقفة. رأينا كثيراً من هذا في “السفينة” أولاً، ثم في روايته الفاتنة “البحث عن وليد مسعود”. وسيظل وليد مسعود في وجداني ذلك الفلسطيني الذي أضاعه قومه، فانطلق
“أضاف جبرا إلى كتاباته عيشاً لصيقاً ببعض ألمع أسماء الأدب في العراق، خصوصاً جواد سليم، وبدر شاكر

السياب، وعبدالرحمن منيف”يبحث عنهم، ولم ينس لحظة أن يبحث في الوقت ذاته عن نفسه أيضاً.
هل راود حلم العالمية مبدعنا جبرا حين كتب بعض رواياته بالإنكليزية، أم كان يرغب في إيصال قضية وطنه فلسطين إلى قرَاء تلك اللغة التي يعرف ونعرف أنها اللغة العالمية الأولى؟

في الحالتين، أعتقد أنه أبدع، وأجاد، وامتلك طلاقة التعبير بتلك اللغة، تماماً مثلما امتلكها بلغة الأم. سنرى ذلك أيضاَ في ترجمته لحوار فيلم “الرسالة”، كما في ترجماته لبعض أعمال وليم شكسبير، وهي التي دفعت كثراً في الساحتين الأدبية والفنية أن يتمنوا لو أن العمر امتد به ليكمل ترجمة أعمال شكسبير المسرحية كلها.

هل كان “وليد مسعود” هو جبرا ابراهيم جبرا بمعنى ما؟

لا أميل إلى التعرف على ملامح جبرا الشخصية من خلال تأمُل شخصية وليد مسعود الروائية، لكنني مع ذلك أرى عمق نظرة المثقف القلق واضحة في حضور واختفاء بطل روايته التي أراها الأهم هي و”السفينة”، فجبرا الكاتب والفنان هو ابن شرعي لحالة بحث الفلسطينيين عن أنفسهم، وحالة بحثهم الدائمة عن محيطهم العربي، وهو الذي حقق ضربته الفنية الأعظم حين ترك بطله يتوارى عن الأنظار، وترك لنا بصيص نور يدفعنا إلى التوغل في هذا النفق العربي، أو ذاك، للبحث عنه وملاقاته.

وعلى نحو مختلف، نرى بطل روايته “السفينة” يجوب البحار والموانئ، ويزور المدن، لكن حدقتي عينيه تظلان شاخصتين في اتجاه القدس، التي شهدت استشهاد صديق طفولته وصباه الأول. هو كاتب حالم، ولكن ليس بالمعنى الرومانسي المألوف، بل بالمعنى الذي يشير إلى احتفاظه بحلم فلسطين في كل تصرفاته ورحلاته، ومغامرته العاطفية والإنسانية التي جعلته حالة أدبية مختلفة عن زميليه في ثلاثة كبار الرواية الفلسطينية، وأعني الشهيد غسان كنفاني، والمبدع الراحل إميل حبيبي، إذ هو أستاذ المغامرة الفنية ومعلمها، حيث تنمو الأفكار والأحلام في تربة المخيلة المترامية والخصبة، وحيث يأخذ الانتماء معنى أعمق من الشكليات والمصطلحات التقليدية شبه المستهلكة، فجبرا إبراهيم جبرا الذي عاش حياة عريضة بكل المقاييس والأشكال، ترك إرثاً إبداعياً يظل في صورة مستمرة في حاجة لأن نحدق فيه، ولأن

“نرى بطل روايته “السفينة” يجوب البحار والموانئ، ويزور المدن، لكن حدقتي عينيه تظلان شاخصتين في اتجاه القدس”

نعيد اكتشاف بواطنه، وما فيها من قراءات مفعمة بالحب، وبالتفاؤل المستتر، يتوارى خلف كل مشهد من مشاهده الروائية المفتوحة، التي حرص أن تظلَ مفتوحة تماماً مثل حرصه على إثارة السؤال تلو السؤال.
في رحلتي الدائمة مع أدب جبرا السردي، أتوقف طويلاً عند مجموعته القصية الهامة “عرق”، وتدهشني تلك الجمالية العالية لقصصه، التي كتبت في مرحلة مبكرة من حياته، وتدهشني كذلك موضوعاته بالغة الجاذبية، وما فيها من أحداث قصصية “غريبة” إلى حد بعيد، رغم أنه رحل بعدها عن فن القصة القصيرة منحازاَ إلى الرواية، التي يبدو أنه كان يحتاجها وتحتاجه أكثر.

وحين أتحدث عنه، أجدني منساقاً إلى “البئر الأولى”، كتابه الذي يتحدث فيه عن طفولته وصباه الأول، وعن رحلات أبيه اليومية بحثاً عن عمل لإعالة أسرته، وهو كتاب يختزن على نحو غير مسبوق كنزاً من الحنين الذي عصف بروحه طيلة الوقت، ولا أنسى إلى اليوم أن أول لقاء لي معه في بغداد عام 1989 بادرني، ومنذ اللحظة الأولى، بالحديث عن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، وكم كان جذلاً وهو يشير إلى نهوض فلسطين، كما لم يحدث منذ عام النكبة.

حياة جبرا في العراق هي أيضاً سيرة طافحة بالحضور البهي، الفاعل، والأصيل، فهو في بغداد ليس ضيفاَ يعيش على هامش الحياة الثقافية، بل مواطن عراقي أيضاً، وهو هنا مواطن يعيش هموم العراق، ويساهم في خلق ثقافته وإبداعه، وقد كان صديقاَ قريباَ لأغلب المبدعين العراقيين، بمختلف أجيالهم، وتنوع إبداعهم، وهو عاش أيضاً مجد بيروت الثقافي سنوات الستينيات من القرن الماضي، شارك وواكب تجارب الحداثة فيها، وساهم برؤى فكرية وإبداعية مرموقة.

جبرا إبراهيم جبرا كاتب من لحم ودم
هكذا أجابني حين سألته مرة: هل نساء رواياتك من خيالك؟
كان يضحك، ويؤكد لي في الوقت نفسه جدية إجابته، هو الذي قدم في رواياته شخصيات

“هل نساء رواياتك من خيالك؟ كان يضحك، ويؤكد لي في الوقت نفسه جدية إجابته، هو الذي قدم في رواياته شخصيات نسائية لا تنسى”

نسائية لا تنسى، وترك لنا تأمُل قصص الحب من منظور إنساني بلا ضفاف، منظور يجعل الرواية لا تقف عند ما فيها من “حكاية” إلى رؤيتها كوجود اجتماعي يحمل فلسفته وبعده. ولعل براعة جبرا الروائي تمثلت أكثر في رسم تلك الشخصيات، وفي بنائها على نحو عميق.

ربع قرن من غياب جبرا هو أيضاً ربع قرن من العواصف والكوارث والتغيرات الكبرى في دنيا العرب، شهدت الكثير من الدم والانحدارات والحروب الخارجية والداخلية، لكنها ظلت تحمل وهجه الخاص، وشخصيته الأدبية والفنية المميزة، في زمن انتعشت فيه الرواية العربية عموماً، والرواية الفلسطينية خصوصاً، وصار لدينا جيل، بل أجيال من الروائيين المبدعين الذين عشقوا أدبه، وواصلوا من بعده حمل مشعل الابداع، فكتبوا روايات هامة ولا يزالون.

جبرا إبراهيم جبرا كان وسيظل صرخة الجمال في صحراء العرب.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.