دي سوسير – مؤسس البنيوية

0

 

 لا يخلو بحث أو مقال عن تطور الفكر اللغوي والنقدي من حديث عن دي سوسير(De Saussure)؛ ذلك أن إنجازات هذا العَلم؛ مثلت مرحلة فاصلة في مسيرة الفكر اللغوي والنقدي الحديث، وإذا كان الرجل قد عبَّر عن أفكاره في شكل محاضرات  ألقاها على طلابه، إذ لم ينشر كتابا يحملها، فإن تلاميذه كانوا أوفياء له ولفكره وللعلم؛ حين قاموا بجمع محاضراته ونشروها بعد وفاته عام 1916م، تحت عنوان (محاضرات في علم اللغة العام).

     وقد أجمع الباحثون على أن حفنة من المبادئ اللغوية الأولية كرَّس لها هذا العالم حياته القصيرة في مطلع القرن الماضي تمثل حجز الزاوية ونقطة الانطلاق في النظرية البنائية؛ لا في علم اللغة فحسب وإنما في جميع ميادين الدراسات الإنسانية، فقد استطاع هذا الرجل المتميز أن يؤسس لمدرسة لغوية حديثة أصبحت نموذجًا رائدًا للعلوم الإنسانية، مكَّنها من أن تصبح علومًا دقيقة تضارع العلوم الطبيعية والرياضية في خضوعها للمنهج العلمي المضبوط.

  • النشأة والمسيرة العلمية:

          ولد (فرديناند دي سوسير) في جنيف (سويسرا) يوم 26 نوفمبر 1857م، التحق بجامعة جنيف عام 1875م، حيث تخصص في دراسة الفيزياء، وإلى جانب ذلك كان يختلف بين الحين والآخر إلى حلقات البحث في النحو الإغريقي واللاتيني، وقد شجعته هذه البحوث على قطع دراسته ومغادرته إلى جامعة ليبرغ؛ ليتخصص في اللغات الهندو أوربية.  

نشر عام (1879م) رسالةً بعنوان (رسالات في التنظيم البدائي للصوائت في اللغات الهندوأوروبية)، حصل عام (1880م) على الدكتوراه بأطروحة تناول فيها اللغة السنسكريتية، عمل حتى عام (1891م) في معهد الدروس العليا في باريس، وقد أصبح عضوًا في الجمعية الألسنية الفرنسية، ثم عاد إلى جنيف في العام نفسه، وعمل في جامعتها أستاذًا للدراسات اللغوية المقارنة وظل فيها حتى وفاته في 22 فبراير عام (1913م) –

 قام (دي سوسير) بدراسة السنسكريتية والجرمانية واللتوانية وغيرها، ولم يهتم باللسانيات العامة إلا بعد عام (1894م)، ولم ينشر في حياته سوى عشرين مقالًا، تعلَّم على أيدي النحويين أو القواعديين الشباب (بروغمان، أستهوف، ليسكين)، وكان متحمساً لمدرسة كازان اللغوية بشكل خاص، والتي كان لها الفضل في نشأة النظريات (الثورية) عنده، وعند أتباع مدرسة براغ من بعده.

       شكلت محاضراته التي ألقاها بين عامي (1906م – 1911م) كتابه المسمى (محاضرات في علم اللغة العام) الذي أعد وضعه جزئيًا (ألبير ردلينغر)، وكتبه تلميذاه شارل بالي، وألبرت سيشيهاي.  وقد ترجم الكتاب إلى العربية.   

         تركت إنجازات دي سوسير العلمية بصماتها الواضحة في الفكر اللغوي الحديث إذ تُعتبر كافة النظريات اللغوية الحديثة مدينة لجهوده التي قام بها، وقد سيطرت أفكار الرجل ممثلة بالمدرسة البنيوية التي أنشأ صرحها على البحث اللغوي في الأربعينيات من هذا القرن سيطرة بالغة، حتى إنها جمعت حولها نفرًا غير قليل من الدارسين في جميع أنحاء العالم، وزحزحت المناهج اللغوية من مواقعها، وحاولت أن تحتل مكانها جميعًا، وانتقل تأثيرها من الدرس اللغوي الصرف إلى ميدان الأدب ونقده، لدرجة أنها صارت الشغل الشاغل للأدباء والنقاد حتى أوائل السبعينيات.

  • اللغة من منظور جديد

          حينَ بدأ (دي سوسير) بتعريف اللغة ميَّز بين ثلاث مستويات من النشاط اللغوي، هي (اللغة، واللسان، والكلام)، فأما عن اللغة عنده فهي نظام من الرموز المختلفة التي تُشير إلى أفكار مختلفة، وهي مجموعة المصطلحات التي تتخذها هيئة المجتمع بأكمله؛ لإتاحة الفرصة أمام الأفراد لممارسة ملكاتهم، وأما اللسان عنده فيعني نظام اللغة التي من خلاله تُنتج عملية المحادثة، وأما الكلام فيُعرف بأنه التحقق الفردي لهذا النسق في الحالات الفعلية من اللغة.

          إذنْ فاللغة هي العنصر الاجتماعي للكلام، والكلام هو المظهر الفردي للغة، واللغة رموز تعبر عن أفكار، ولا علاقة للغة بأخطاء الكلام فهي الهياكل التي تخضع لها عمليات التنفيذ الكلامية.
وهذا أول تعريف للغة يُعثر عليه في الدراسات اللسانية، ويمكن تبسيط هذا التعريف بالقول بأن اللغة عنده هي الحاضر الأوسع، فالظروف النفسية والجسدية ونظام النطق ونظام الإشارة وتاريخ اللغة هو ما يشكل عنده اللغة بذاتها.

       ومن الجدير بالذكر أن هذه الثنائية لم تنبت من فراغ، وإنما كانت بالتحليل التاريخي الدقيق محاولة جادة للتوفيق بين نزعتين حادتين في مدارس علم الاجتماع، ففكرة اللغة تطابق فكرة (دور كهايم) عن العقل الاجتماعي، حيث يشير كلاهما إلى وقائع نفسية اجتماعية، تحدث خارج الفرد وتمارس ضغطًا عليه، كما أن كليهما يوجد في الضمير الجماعي، وعلى العكس من ذلك فإن الامتيازات التي تعطى للعنصر الفردي في الكلام تعتبر في نظر الدارسين صدى لمبادئ (تارد) النفسية الفردية.

        وقد تعرض هذا المبدأ لكثير من التطبيقات المختلفة في جمع مجالات العلوم الإنسانية، ويعد مسؤولا إلى حد كبير عن تطور فكرة البنية ذاتها، لأن الفصل الحاسم بين التصورات الذهنية للغة والتطبيق العملي للكلام هو الذي ساعد على إضفاء صفة النظام التجريدي المترابط على المجموعة الأولى، ونماذجها التي تحتذى في العمليات الثانية.

  • ثنائية الزمنى والوصفي

         من المستويات التي عني بها (سوسير) هو اعتباره اللغة نظامًا وذلك النظام ينقسم إلى قسمين: نظامٍ زمني، ونظامٍ وصفي، أما من الناحية الزمنية فقد شبه اللغة بلعبة الشطرنج إذ إن انتقال هذه اللعبة من الهند إلى أوروبا أو غيرها لا علاقة له بنظام اللعبة، ووضع الأحجار في زمن معين بين اللاعبين تحدده اللعبة السابقة واللعبة اللاحقة، إذن فوضع الأحجار متغير غير ثابت، وكذلك وضع اللغة، فاللغة في كل فترة زمنية تختلف عنها في الفترة الزمنية السابقة؛ لأنها تأخذ وضعًا جديدًا.

          وقد اعتني سوسير بالجانب الوصفي في دراسته للغة، ومن ثم تطرق إلى العلاقة السياقية عند دراسة الكلمة، حيث يقول: إنني أدرس وظيفة الكلمة في حالها الذي تقدم فيه في اللحظة الراهنة، وليس في إطارها التاريخي، أي أنها تُدرس في علاقاتها المنطقية بينها وبين الكلمات الأخرى المستخدمة في سياق التعبير.

        والمجال الوصفي للغة هو الذي يُفيد في دراسة لغة الأدب؛ لأن النص الأدبي نظام من الكلمات العاملة مع بعضها البعض لإعطاء دلالة ما، ويمكن أن يكون هذا العمل من خلال التضاد أو الترادف أو الانسجام الصوتي، ويمكن أن تكون تلك الدراسة طريقًا لدراسة قيمة العمل الأدبي من خلال نفسه لا من خلال السياق التاريخي له، وربما كانت هذه الإضافة من سوسير هي التي مهدت لما سُمي فيما بعد بــــ (موت المؤلف). فعندما تدخل الكلمة في تركيب ما؛ فإنها تكتسب قيمتها من مقابلتها لما يسبقها أو يلحقها من كلمات.

             ومن ناحية أخرى فإن أي كلمة في سلسلة سياقية تثير كلمات أخرى ـــــ بالتداعي والإيحاء ـــــــ خارجة عن القول، ولكنها تشترك معها في علاقة ما بالذاكرة؛ ومن هنا تتكون مجموعة من الكلمات تقوم بينها علاقات متعددة، وهذه التوافقات تختلف تماما عن العلاقات التي تعتمد على الامتداد الخطي، ذلك أن مقرها هو الذهن، حيث تمثل جزءًا من الكنز الداخلي الذي تتكون منه لغة أي فرد، وهو ما أطلق عليه (سوسير) اسم (العلاقات الإيحائية)، والذي عُرف في الدراسات النصية فيما بعد باسم (العلاقات الاستبدالية).

          ولا يفهم من ذلك أن سوسير كان منكرًا لقيمة الدراسة التاريخية، ولكنه رأى أن الدراسة التاريخية للظواهر اللغوية يجب أن تأتي تابعة لدراسة اللغة كنظام مستقل بفترة زمنية معينة وجماعة بشرية معينة، فمعرفة النظام يجب منطقيًا أن تسبقَ معرفة التغيرات التي تطرأ عليه.

  • ثنائية الدال والمدلول:

       يؤكد (سوسير) أن الكلمات هي مجرد علامات أو إشارات للأشياء، ويعني بهذه العلامات الكل المزدوج الذي يفيد الدال والمدلول معا. فكل نظام لغوي يعتمد على مبدأ لا معقول من اعتباطية الرمز وتعسفه، إذا كانت لغة ما تطلق على هذا الشيء اسما معينا فإن اللغات الأخرى تطلق عليه نفسه تسميات مختلفة، لكن هذا التعسف ليس مطلقًا، لأن روح الإنسان تتمكن من إدخال مبدأ النظام والتعقيد على بعض أجزاء عملية الرمز، وهنا يبرز دور السببية النسبي، فلا توجد لغة تخلو من العناصر المسببة، وتحتوي مختلف اللغات على كلا النوعين من التعسف المبدئي والسببية، ولكن بمقادير ونسب متنوعة.

          إن الدال هو الترجمة الصوتية لتصور ما، والمدلول هو المستثار الذهني لهذا الدال، من هنا تتضح وحدتهما البنائية العميقة في الرمز اللغوي، ويمكن مقارنة اللغة بالورقة، فإحدى صفحاتها هي الفكر والصفحة الأخرى هي الصوت، وكما أننا لا نستطيع أن نعزل وجهي الورقة فإننا لا نستطيع أن نعزل في اللغة بين الصوت والفكر، وإنما نجري نوعًا من التجريد البحت للعنصرين النفسي والصوتي.

  • علم اللغة الداخلي وعلم اللغة الخارجي

           ميَّز (سوسير) بين علمي اللغة الداخلي والخارجي وخصائص كل منهما، فعلم اللغة الخارجي يقوم على تجميع المواد والتفاصيل دون الحاجة إلى صبها في قالب معين، فمثلا يستطيع الدارس أن يدرس الوقائع المتصلة بانتشار لغة ما خارج حدودها الأصلية، ويستطيع كذلك أنْ يبحث العوامل التي أدت إلى تكوين لغة أدبية مقابل لهجات شعبية، ويستخدم أسلوب السرد والتنظيم الذي لا يستهدف سوى الوضوح والجلاء.

          أما بالنسبة لعلم اللغة الخارجي فإن الأمر يختلف عن ذلك جد الاختلاف، إذ إن اللغة بهذا الاعتبار تصبح نظامًا لا يعرف إلا نسقه الخاص ويخضع لقواعد تتحكم في هيكله وعلاقاته، وهذه هي بذور بنائية اللغة التي زرعها (سوسير) ولم تلبث أن آتت أكلها بعد حين.

     تلك إضاءة عن بعض المبادئ التي خلفها (دي سوسير) في تحليل اللغات، والتي قام اللغويون اللاحقون بتطويرها ونقدها، ومهما يكن من أمر فقد كانت هذه المبادئ علامة بارزة في تاريخ الفكر اللغوي الحديث، وعدت بحق ثورة في الدراسات اللغوية.

 ————

  • مراجع المقال:

1ـ – ثامر إبراهيم محمد المصاروة: المنهج البنيوي دراسة نظرية. (د. ت).

2 – سعادة لعلي: سوسير سيرة ومسيرة، في: ندوة المخبر، اللسانيات : مائة عام من الممارسة، جامعة بسكرة، الجزائر.

3 – د.صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، ط1(2002).

4 –  :  النظرية البنائية، دار الشروق، القاهرة، ط1 (1419 ـــــ 1998)

5 – د. كمال بشر: التفكير اللغوي بين القديم والجديد، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الهاني للطباعة والنشر، 1989م.

6 -لويك دوبيكير: فهم فرديناند دو سوسور وفقًا لمخطوطاته ـــــ مفاهيم فكرية في تطور اللسانيات، ترجمة ريما بركة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1( 2015).

7 – ليونارد جاكسون: بؤس البنيوية، ترجمة: ثائر ديب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1(2014).

8 -محمد بن عبد الله بن صالح بلعفير: البنيوية ـــ النشأة والمفهوم، مجلة الأندلس للعوم الإنسانية   والاجتماعية، العدد 15، المجلد 16، يوليو – سبتمبر 2017(

9 – د. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1 (2004).

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.