أَطْــرَاسٌ – الأدب في الدرجة الثانية – جيرار جينيت

ترجمة وتقديم: المختار حسني

0

 

طرس؛ ويجمع على أطراسٌ وطُرُوس.. والطٍّرس: الصحيفة التي محُيت ثم كتب عليها. (المجلة)

 

  • 1 – تقديم المترجم: من التناص إلى الأطراس

أولى الغربيون، في العصر الحاضر، مسألة التناص أهمية بالغة؛ فكانت البذور الأولى منذ “دو سوسير DE SAUSSURE “كما تذكر” جوليا كريستيفا JULIA KRISTEVA“، ولكن الفكرة بقيت شبه ميتة بعد ذلك في الدراسات الشكلانية والبنيوية. ورغم أن بعض الشكلانيين (جاكوبسون JAKOBSON، إيخانبلوم EIKHENBAUM، شكلوفسكي CHKLOVSKI) أشاروا إلى ما يمكن أن يكون من تفاعل بين النصوص إلا أن ذلك لا يعدو أن يكون استدراكا لم يولوه الأهمية التي يستحقها في غمرة انشغالهم بتخليص النقد من الإيديولوجيا آنذاك، وتوجيههم الأنظار إلى الناحية الجمالية الشكلية في النص، واعتقادهم العام بتزامنيته وانغلاقه. وتشترك البنيوية مع الشكلانية في هذه النظرة المغلقة إلى النص باعتبار أن عناصر بنائه وما ينشأ بينها من علاقات؛ هو كل ما ينبغي أن يوليه الأديب من اهتمام.

هذا وإن كانت البنيوية التكوينية قد أضفت بريقا على النقد بخروجها من بوتقة النص المغلق، وباهتمامها بالرؤية للعالم في مضمون وشكل العمل الأدبي، وغير ذلك من الأسس التي تعتمدها، فإن منطلقاتها الإيديولوجية التي تربط -بشكل آلي- بين النص والطبقة الاجتماعية والحالة الاقتصادية، غير المعترفة بإمكانية وجود روابط أخرى، قد تكون روحية أو عقدية مثلا، أدى بها إلى التزمت.

إن هذه المعركة التي كانت حول علاقة النص بالمجتمع، بصفة عامة، انتقلت منذ “باختين BAKHTINE” لتكون معركة أخرى حول النص، ولكن هذه المرة في علاقته بالنصوص بالدرجة الأولى، فلكي يشق الخطاب طريقه إلى معناه وتعبيره، يقول باختين، فإنه يجتاز بيئة من التعبيرات، والنبرات الأجنبية، ويكون على وئام مع بعض عناصرها، وعلى خلاف مع أخرى.

لم يستعمل باختين مصطلح “التناص” ولكنه أسس له نظريا في كتاباته، وخاصة في كتابه: “شعرية دوستويفسكي DOSTOÏVSKOVO ProblemyPoetiki” وتكلم كثيرا عن مصطلح آخر هو “الحوارية”، وهو ما ستقوم “كريستيفا” بالتقاطه وتطويره وإعطائه اسما جديدا هو: “التناص l’Intértextualité” وكانت إلى حدود كتابها “ثورة اللغة الشعرية La Révolution du Langage poétique” دائمة الحديث على هذا المصطلح وأوجه استعمالاته منطلقة في ذلك من طروحات ماركسية كما يمثلها “ألتوسير ALTHUSSER”، ونفسية كما طورها “جاك لاكان JAQUES LACAN”، بالإضافة إلى التحويلية وغيرها. وهذا سيكون له تأثير كبير في علاقة النص السابق بالنص اللاحق، خاصة إذا رسمنا له “قوانين” واعتبرنا أن تعضيد الهامشي، والثورة ضد المقدس، وقتل الأب… هو المعيار الجيد في تعامل النص اللاحق مع النص السابق.

لقد تخلت كريستيفا KRISTEVA -في الأخير- عن التناص واتجهت وجهات أخرى. وتناول هذا الموضوع، بموازاة مع جهودها أو بعدها، كثير من النقاد السيميائيين؛ نذكر منهم أستاذ كريستيفا؛ رولان بارت ROLAND BARTHES في مقاله “موت المؤلف” وكتابه “S/Z” على الخصوص، “وميكائيل ريفارتير MICHAEL RIFFATERRE” الذي يستعرض “جيرار جنيت GERARD GENETTE” رأيه في هذا الفصل.

وكل كانت له مفاهيمه الخاصة للموضوع وتطبيقاته المتميزة، غير أن آخر هذه الإنجازات إثارة، مشروع “جيرار جنيت GERARD GENETTE” في كتابه “أطراس” الذي منه ترجمة الفصل الآتي، إذ جعل التناص عنصرا واحدا فقط ضمن عناصر خمسة تشكل ما يطلق عليه “المتعاليات النصية” حيث يهرب النص من ذاته ويتعالى باحثا عن شيء آخر، قد يكون نصا أدبيا، ليحيا حياة أخرى بمحاورته أو الاستقرار في أعماقه، أو مسايرته، أو بممارسة سلطته عليه…

والنص المتفرع؛ موضوع الاهتمام، هو أيضا، لا يمكن أن يكتب إلا على آثار نصوص قديمة. وهذه العملية شبيهة بعملية من يكتب على طرس. يوضح “جيرار جينيت” المقصود بالطرس فيقول بأنه “رق (صحيفة من جلد) يمحى ويكتب عليه نص آخر جديد على آثار كتابة قديمة لا يستطيع النص الجديد إخفاءها بصفة كاملة، بل تظل قابلة لتبينها وقراءتها تحته. “إن هذا العنوان الاستعاري يقصد به الكاتب “النص المتفرع Hypértexte” أو كما ورد في العنوان الفرعي للكتاب توضيحا لذلك: “الأدب في الدرجة الثانية”. والكتاب وإن كان يتحدث في الفصل الأول عن خمسة أنواع من المتعاليات النصية فهو يُعنى أساسا بهذا المصطلح المستعار من حقل المعلوميات؛ فقد جاء في القاموس الموسوعي “HACHETTE Grand Dictionnaire Encyclopédique” عند مادة “hypertexte” ما يلي: (مجموع نصوص تظهر دفعة واحدة على الشاشة ولكنها صادرة عن فضاءات مختلفة للذاكرة).

  • 2 – نص الترجمة:

موضوع هذا العمل هو ما كنت أسميه(1)، لعد وجود ما هو أفضل آنذاك: “النصية الموازية Paratextualité”، ولكنني، منذئذ، وجدت الأفضل، (أو لربما الأسوأ، وسنحكم في الأمر بعد)، وهيأت “النصية الموازية” لتعني شيئا آخر مخالفا تماما. فمجمل هذا المشروع غير الحذر، يحتاج إذن إلى إعادة الصياغة:

إن موضوع الشعرية، كما قلت قبل فترة، ليس هو النص باعتبار تفرده وتميزه (فهذه بالأحرى مهمة النقد)، بل موضوعها هو “جامع النص l’Architexte” أو إذا شئنا القول: “النصية الجامعة للنص”، (وهو، تقريبا، بمعنى أدبية الأدب) أي: مجموع الأصناف العامة أو “المتعاليات Les Transcendantes” (أنواع الخطاب، طرق التعبير، أنواع أدبية… الخ) التي تجعل أي نص متميزا(2).

والأجدر أن أقول اليوم، وبسعة أكبر، بأن هذا الموضوع هو “الماوراء نصية La Transtextualité” أو “التعالي النصي للنص La Transcendance Textuelle du Texte” الذي أعرفه مسبقا، وبطريقة مجملة، بـ: “كل ما يجعله في علاقة ظاهرة أو ضمنية مع نصوص أخرى”؛ فهو يتجاوز، إذن، ويشمل “جامع النص” وبعض الأنواع الأخرى ذات العلاقة الخاصة بالنصية المتعالية التي سنعنى هنا بواحدة منها، ولكن بالقدر الذي يلزم لحصر وإضاءة مجال الموضوع ووضع لائحة جديدة توشك هي بدورها، بأن لا تكون لا كاملة ولا نهائية؛ فمن سيئات البحث أنه من الإمعان في التنقيب، يحدث مرارا، أن نجد ما لم نكن بصدد البحث عنه.

ويبدو لي اليوم (13 أكتوبر 1981) أنني تعرفت خمسة أنواع من العلاقات الخاصة بالمتعاليات النصية، سأرتبها وفق نظام تصاعدي يتبع التجريد abstraction، والتضمين implication، والإجمال globalité:

ـ النوع الأول وضعته، منذ بضع سنوات، جوليا كريستيفا JULIA KRISTEVA(3) تحت اسم “التناص Intertextualité”، وهذه التسمية، طبعا، تعزز نموذجنا الاصطلاحي. أما أنا فأعرفه، بطريقة لا شك مكثفة، بعلاقة حضور متزامن بين نصين أو عدة نصوص. بمعنى، عن طريق الاستحضار Eidétiquement، وفي غالب الأحيان بالحضور الفعلي لنص داخل آخر؛ بشكلها الأكثر جلاء وحرفية، وهي الطريقة المتبعة قديما في الاستشهاد Citation(4) (بين مزدوجتين، بالتوثيق، أو دون توثيق معين).

أو بشكل أقل وضوحا وأقل شرعية Moins Canonique (في حال السرقة الأدبية “Plagiat” كما عند لوتريامون Lautréament مثلا)؛ وهو اقتراض غير مصرح به، ولكنه أيضا حرفي. أو بشكل أقل وضوحا، بعد، وأقل حرفية في حال “التلميح L’Allusion”؛ أي في ملفوظ لا يستطيع إلا الخيال الحاد تقدير العلاقة بينه وبين ملفوظ آخر، لما يلاحظه فيه من نزوع نحوه بشكل ما من الأشكال. وإلا فإنه يكون غير ملحوظ مثل: “مدام دي لوج Mme des loges” التي، وهي تلعب مع “فواتير Voiture” تقول له: (هذا لا يساوي شيئا، اُثقُب آخر وناولنا منه). فالفعل (ثقب)، وللتوضيح، غير مبرر وغير مفهوم إلا إذا علمنا أن “فواتير” كان ابنا لبائع خمر. وفي سجل قديم كتب “بوالو Boileau” إلى “لويس الرابع عشر Louis XIV”:

(للحكاية التي من أجلك أنا مستعد للبدء فيها

إخالني أرى الصخور تهرع لتسمعني)(5)

فهذه الصخور rochers المتحركة، المتيقظة، ستبدو، بدون شك، ضربا من العبث للذي يجهل أساطير “أورفي Orphée وأمفيان Amphion”.

هذا الوضع الضمني أو المضمر (وفي بعض الأحيان مجرد افتراضي) للمتناص l’Intértexte، هو منذ بضع سنوات مجال دراسة ذو امتياز خاص لدى “ميكائيل ريفاتير Michael Riffaterre” الذي يعرف التناص، نظريا، بطريقة فضفاضة، بخلاف ما قمت به هنا، تتسع، في الظاهر، لكل ما أسميه النصية المتعالية؛ كتب قائلا: “التناص هو ملاحظة القارئ لعلاقات ما بين عمل أدبي وأعمال أخرى سابقة أو لاحقة” ذاهبا إلى حد المطابقة بين التناص -كما فعلت أنا بالنصية المتعالية- وبين الأدبية ذاتها “التناص، كما يقول، هو الآلية الخالصة للقراءة الأدبية التي، وحدها في الواقع، تنتج الدلالة، أما القراءة السطرية المشتركة بين النصوص الأدبية وغير الأدبية، فإنها لا تنتج غير المعنى(6).

ولكن سعة هذه النظرية لدى ريفاتير، مصحوبة بالتقييد والجزئية في التطبيق، لأن العلاقات المدروسة من قبله، هي دائما منتمية لنظام البنيات الدقيقة (المجهرية)، والدلالية الأسلوبية micro-structures et sémantico-stylistiques، في سلم الجملة؛ لمقطع أو نص قصير شعري في الغالب. الأثر التناصي la trace intertextuelle، حسب ريفاتير، إذن، مثل التلميح، ينتمي لنظام الصورة الدقيقة المجزأة أكثر مما ينتمي للعمل الأدبي بالنظر إلى بنيته الإجمالية كحقل لتناسب العلاقات مما يدخل في مجال بحثي الآن. وتحمل أبحاث “بلوم H.Bloom” في “آليات التأثير”(7)، وإن كان من ذهنية أخرى مخالفة، على النوع نفسه من التناص؛ فهو تناص أكثر مما هو تفرع نصي.

ـ النوع الثاني مكون من العلاقة الأقل وضوحا، بصفة عامة، والأكثر بعدا عن المجموع الذي يشكله العمل الأدبي؛ ويرتبط النص بهذا المعنى بما أسميه نصه الموازي(8) Paratexte ويثمله (العنوان، العنوان الفرعي، العنوان الداخلي، الديباجات، التذييلات، التنبيهات، التصدير، الحواشي الجانبية، الحواشي السفلية، الهوامش المذيلة للعمل، العبارة التوجيهية، الزخرفة، الأشرطة (تزيين يتخذ شكل حزام) الرسوم، نوع الغلاف، وأنواع أخرى من إشارات الملاحق، والمخطوطات الذاتية والغيرية، التي تزود النص بحواش مختلفة، وأحيانا بشرح رسمي وغير رسمي؛ بحيث إن القارئ الحصيف والأقل اضطرارا للتنقيب خارج النص، لا يستطيع دائما التصرف بالسهولة التي يتوخاها. لا أريد أن ألمح هنا بأنني رائد دراسة حقل العلاقات الذي كان لنا معه أكثر من لقاء، والذي يعتبر بدون شك أحد المواضع الممتازة للبعد التداولي للعمل الأدبي، بمعنى: مفعوله وتأثيره في القارئ محل ما نسميه (وبصفة خاصة، وبكل طواعية، منذ اشتغال “فيليب لوجون Philippe Lejeune” على السيرة الذاتية): “الميثاق المشترك Contrat (ou pacte) générique”(9)، وإنما أريد فقط أن أستدعي، على سبيل المثال، (واستباقا لفصل سيأتي) نموذج “أوليس Ulysse لجويس Joyce”، فنحن نعلم أنها، قبل إعدادها في كتاب، كانت هذه الرواية مزودة بعناوين وفصول تستحضر العلاقة الموجودة بين كل فصل من فصول الرواية وبين حلقة من حلقات الأوديسا l’Odyssée جنية البحر Sirène، نوزيكا Nausicaa، بينيلوب Pénélope…الخ)، ولما ظهرت في كتاب، أسقط منها “جويس” هذه العناوين الداخلية، ولكن غير المنسية من قبل النقد؛ أيمكن اعتبارها جزءا من نص “أوليس” أو لا؟ هذا السؤال المحير الذي أوجهه لأنصار النص المغلق، هو من نظام النص الموازي بطريقة نموذجية. وبهذا التقدير، فإن “ما قبل النص l’Avant texte” من مسودات، وتصاميم، ومشاريع مختلفة، بإمكانها هي أيضا، أن تشتغل باعتبارها نصا موازيا: فالعثور النهائي على “لوسيان Lucien والسيدة دو كاستيلير Mme De Casteller”، بهذا التحديد، لا توجد في النص الروائي (لوسيان لووان Lucien Leuwen)، إذ لم يبق سوى مشروع حل تركه “ستاندال Stendhal” ضمن ما ترك. فهل نعطي لهذا المتروك وزنا في تقديرنا للتاريخ ومزاج الأشخاص؟ وبعبارة أدق؛ أينبغي أن نقرأ نصا مات عنه صاحبه قبل أن يكتمل، والحال أنه لا شيء يجعلنا نعرف: كيف وهل كان صاحبه سينشره لو استمر في الحياة؟…

ويحدث، أيضا، أن يشكل عمل ما نصا موازيا لآخر؛ لنأخذ مثلا قارئ (سعادة مجنونة Bonheur fou 1957) وهويرى في آخر صفحة أن عودة “أنجيلو Angelo” لـ”بولين Pauline” أصبحت تحوم حولها الشكوك بقوة؛ أيجب عليه، أم لا، أن يتذكر موت إحدى الشخصيات سنة 1949 في الموضع الذي يلتقي فيه الناس بأبنائهم وأحفادهم، مما يلغي مسبقا هذه الريبة المعقدة؟ إن التوازي النصي هكذا، هو دائما منجم لأسئلة دون جواب.

ـ النوع الثالث من التعالي النصي Transcendance Textuelle(10) الذي أسميه “النصية الواصفة Métatextualité” هو بكل بساطة علاقة التفسير والتعليق التي تربط نصا بآخر يتحدث عنه، دون الاستشهاد به أو استدعائه، بل يمكن أن يصل الأمر إلى حد عدم ذكره؛ هكذا استدعى “هيجل Hegel” في كتابه “ظاهراتية الفكر Phénoménologie de l’esprit” بطريقة تلميحية وصامتة ابن أخ (أو ابن أخت) رامو “Le neveu de Rameau”، وهي علاقة نقد متقنة. لقد أنجزت، بالطبع، دراسات كثيرة حول النص الواصف النقدي وحول تاريخ النقد كنوع أدبي، ولكن لست متأكدا من أنه قد روعي فيه أثناء هذه الدراسات، ومع كل الاهتمام الذي يستحقه، نفس الفعالية ونفس الضوابط التي تحكم العلاقة النصية الواصفة، غير أن هذا ممكن الوقوع(11).

ـ النوع الخامس الأكثر غموضا وخفاء هو “النصية الجامعة l’Architextualité” المحددة أعلاه؛ ويتعلق الأمر هنا بعلاقة بكماء تماما بحيث لا تتقاطع -على الأكثر- إلا مع إشارة واحدة من إشارات النص الموازي التي لها طابع صنافي خالص مثل: العنوان البارز كما في “أشعار”، “دراسة”، “رواية الوردة”… أو، في أغلب الأحيان، مع عنوان صغير كالإشارة إلى أن الكتاب رواية أو قصة أو قصائد… والتي تصاحب العنوان في أسفل الغلاف. وكون هذه العلاقة بكماء، راجع ربما، إلى رفضها إظهار أي وضوح، أو على العكس، لأنها تتجنب وتدفع كل انتماء. وفي كل الحالات فإن النص في حد ذاته، ليس من المفروض فيه أن يعرف، ومن ثم، أن يعلن عن نوعه الخاص؛ فالرواية لا تحدد ذاتها بوضوح على أنها رواية ولا القصيدة على أنها قصيدة، بل، ولربما، وبطريقة أكثر حصرا (لأن النوع ليس سوى مظهر لجامع النص) فإن البيت الشعري ذاته لا يعين نفسه على أنه بيت شعري، ولا النثر على أنه نثر ولا الحكي على أنه حكي… في النهاية؛ فإن تحديد قانون أو معيار النوعية لنص ما ليس من شأن النص وإنما من شأن القارئ، من شأن النقد والجمهور؛ فهذه العناصر وحدها هي من يستطيع، وبجدارة، الطعن في القانون المزعوم للتوازي النصي؛ فنقول ببساطة (كقراء) بأن المأساة الفلانية لـ”كورني Corneille” ليست مأساة، أو أن “رواية الوردة” ليست رواية. ولكن كون هذه العلاقة خفية وعرضة للمناقشة (مثلا: لأي نوع تنتمي الكوميديا الإلهية؟) أو عرضة للتقلبات التاريخية (فالشعر القصصي الطويل مثل الملحمة لا ينظر إليه اليوم البتة على أنه متفرع عن الشعر؛ إذ ضاق مفهوم الشعر شيئا فشيئا إلى أن انحصر معناه في الشعر الغنائي)، وكونه كذلك، لا يقلل في شيء من أهميته؛ فتمييز النوع الأدبي على أنه شعر أو قصة أو روايةيتحكم، كما نعرف، في توجيه أفق انتظار القارئ ومن ثم في استقباله للعمل الأدبي.

ـ النوع الرابع: أرجأت عمدا الإشارة إلى النوع الرابع من النصية المتعالية لأنه هو وحده، ووحد فحسب، الذي سيشغلنا هنا مباشرة، وهو الذي سأنعته من الآن فصاعدا بـ”النصية المتفرعة Hupertextualité” وأقصد بهذا كل علاقة تجمع نصا (ب) -الذي سأسميه نصا متفرعا-، بنص سابق(أ) سأسميه “نصا أصلا Hypotexte”(12)؛ يلقح منه بطريقة مغايرة لتلك التي نجدها في التفسير، يلقح منه كما في الاستعارة. وفي التحديد السالب فإن هذا التعريف جد مؤقت.

ومن أجل النظر إليه من زاوية أخرى، فلنضع مفهوما عاما لـ(النص في الدرجة الثانية Texte au Second Degré” (أتخلى هنا عن البحث، من أجل استعمال عابر، عن أداة أولية تجمع، في وقت واحد، بين “التفرع Hyper والوصف Méta”)، أو [لنضع هذا المفهوم ] لنص مشتق من آخر سابق في الوجود. هذا المشتق من الممكن أن يكون منتميا للمنظومة الوصفية والثقافية حيث يوجد نص واصف: (نقول مثلا إن الصفحة الفلانية من كتاب “أرسطو” تتحدث عن نص “أوديب ملكا”).

ويمكن أن يكون من نظام آخر؛ مثل: (ب) لا تتحدث قط عن (أ) ولكنها لا يمكن، في نفس الوقت أن توجد كما هي عليه بدون (أ)؛ يؤدي هذا إلى مصطلح مرتبط بعملية سأنعتها به مؤقتا، هي أيضا، وهذا المصطلح هو “التحويل Transformation” إذ تستحضر “ب) العنصر “أ” بظهور أقل أو أكثر دون الاستشهاد به أو التحدث عنه بالضرورة.

الإنياذة L’Eneide وأوليس Ulysse هما، بدون شك، بدرجات متفاوتة، وهما كما نرى بعنوانين مختلفين، عملان (ضمن الأعمال الأخرى) متفرعان لنص واحد أصل هو الأوديسا l’Odyssée طبعا. وكما نلاحظ من هذه الأمثلة فإن النص المتفرع أيسر أمرا من النص الواصف الذي يعد بمثابة عمل أدبي خالص. لهذا السبب البسيط، من بين الأسباب الأخرى، فإن العمل الذي يشتق من عمل خيالي (سردي تمثيلي) يظل عملا خياليا؛ وبهذا النعت، يسقط، بطريقة آلية، في أعين الجمهور وهم يرونه في حقل الأدب. ولكن هذا التعريف ليس أمرا جوهريا، وسنجد له، دون شك، بعض الاستثناءات. اخترت هذين المثالين لسبب آخر أكثر أهمية؛ فإذا كانت الإنياذة وأوليس يشتركان في كونهما لم يشتقا من الأوديسا على طريقة (صفحة ما من “فن الشعر” تشتق من “أوديب ملكا”)، أي بتفسير الأوديسا، وإنما اشتقا منه بعملية تحويلية؛ فإن العملين (الإنيادة وأوليس) متمايزان، لأن الأمر في الحالين لا يتعلق بنفس النوع من التحويل: فالتحويل الذي يقود من الأوديسا إلى أوليس يمكن وصفه إجمالا بأنه تحويل بسيط أو مباشر؛ يحصر همه في نقل الحادثة أو الفعل من الأوديسا إلى “دبلن Dublin” القرن العشرين. والتحويل الذي يقود من نفس الأوديسا إلى الإنياذة أكثر تعقيدا وأكثر التواء رغم المظهر والقرب التاريخي: لأن “فيرجيل Virgil” لا ينقل، من “أوجيجي Ogygie” إلى “قرطاج Carthage” ومن “إيتاك Ithaque” إلى “لاتيوم Latium”، فعل أو حادثة الأوديسا، وإنما يحكي قصة أخرى مغايرة تماما؛ (مغامرات إيني Enée لا أوليس Ulysse) ولكن عبر استلهام الأوديسا، ليجعل الإنياذة من نفس الطراز (نوعا أدبيا من حيث الشكل والموضوع) الذي صاغ به “هوميروس Homère”(13) الأوديسا (والإلياذة طبعا)، أو كما كان يقال منذ زمن بعيد، فقد قام بمحاكاة هوميروس. والمحاكاة، هي أيضا، وبدون شك، تحويل، ولكن بطريقة أكثر تعقيدا، لأنها، وبإيجاز، تتطلب إنجازا سابقا وتأسيسا لنموذج تتمثل فيه الكفاية النوعية (ولنقل إنه ملحمي مستخلص من هذا الإنجاز الفريد الذي هو الأوديسا (وربما من أعمال أخرى أيضا)، قادر على إحداث عدد لا نهائي من الأداءات المحاكتية. هذا النموذج يشكل، إذن، بين النص المحاكى Imitié والنص المحاكي Imitatif محطة وواسطة ضرورية مما لا نجده في حال التحويل البسيط أو المباشر؛ فلتحويل نص، من الممكن الاكتفاء بحركة آلية بسيطة تكمن مثلا في حدود سلبه، وبكل بساطة، بعض صفحاته، وهذا تحويل تقليص. أما لمحاكاة نص؛ فينبغي بالضرورة تملك سلطة ولو جزئية عليه، أعني القدرة على اختيار الخصائص التي ستتم محاكاتها؛ لقد جرى مثلا أن فيرجيل أقصى من محاكاته لهومير كل ما يتغذر فصله عن اللغة اليونانية. يمكن، حقا، أن يعترض علي بما فيه الكفاية، في أن المثال الثاني ليس أكثر تعقيدا من الأول، وأن جويس وفيرجيل، ببساطة، لا يأخذان من الأوديسا ليعطيا لعمليهما الخاصين نفس الملامح: ينتزع جويس سلسلة من الأحداث والعلاقة بين الشخصيات ويعالجها باسلوب مغاير تماما، أما فيرجيل فينتزع منها طريقة ما ويطبقها على أفعال مغايرة، أو بتعبير أكثر تحديدا: جويس يحكي قصة أوليس بطريقة مغايرة لهومير، وفرجيل يحكي قصة إيني بطريقة مشابهة لطريقة هوميروس؛ فهي تحويلات تماثل وقلب. هذا التعارض المبسط (قول نفس الشيء بطريقة مغايرة/قول شيء مغاير بطريقة مشابهة) غير خاطئ بالنظر (أيضا إلى كونه يبالغ في إهمال التشابه الجزئي بين أحداث أوليس وإيني) وسوف نجد في التشابه الفعالية والمردودية في فرص أخرى أفضل، غير أنه ليس تشابها عاما، وسنرى ذلك أيضا، خاصة وأنه يخفي تباين درجات التعقيد التي تفرق بين هذين النوعين من العملية. ومن أجل توضيح أفضل لهذا الاختلاف، يحسن أن ألجأ، بطريقة مخالفة، إلى أمثلة أولية: لنفرض أن نصا أدبيا، أو شبه أدبي، صغيرا كان أو قصيرا مثل هذا المثل: “الوقت معلم كبير le temps est un grand maître” فمن أجل تحويله يكفي أن أجري تغييرا بأية طريقة كانت لواحد من مكوناته، وليكن حذف حرف واحد؛ فأكتب مثلا: “le temps est un grand maître”. إن النص الصحيح قد تحول بطريقة شكلية خالصة إلى نص خاطئ (اي فيه خطأ إملائي). أو أغير مثلا حرفا واحدا فأكتب كما فعل “بالزاك BALZAC” على لسان “ميستيكري Mistigris”(14): le temps est un grand maigre = الوقت نحيف كبير”. هذا التغيير لحرف واحد أحدث تغييرا في الكلمة وأنتج معنى جديدا، وهكذا. أما محاكاته فعمل آخر، لأن هذه المحاكاة تفترض أن أرصد في هذا الملفوظ طريقة ما مميزة (طريقة المثل السابق مثلا). والمثل طريقته مميزة، بإيجازه وبتأكيده الحاسم للمعنى وباستعاريته. كما تفترض المحاكاة أن أعبر بهذه الطريقة أو في هذا الأسلوب عن فكرة أخرى شائعة أو غير شائعة؛ مثلا عن فكرة: “كل شيء يحتاج إلى وقت” ينبثق المثل المعروف(15): “باريس لم تبن في يوم واحد Paris n’a pas été bâti en un jour”.

يلاحظ هنا بطريقة أفضل، أتمنى ذلك، أين تكون العملية الثانية أشد تعقيدا من الأولى، وأبعد ما تكون من المباشرة. أتمنى ذلك لأنني لا أريد أن أزيد من السماح لنفسي في الوقت الحالي لتذهب بعيدا في تحليل هذه العمليات التي سيكون لنا معها موعد في الوقت والمكان المناسبين(16)n


الدكتــور : المختار حسني


  • الهوامش:

 

أ – الترجمة التالية للفصل الأول (وهو مدخل نظري) من كتاب جيرار جنيت:

Gérard Genette, Palimpsestes/la littérature au second degré/ 1ère publication. Ed. Du Seuil 1982.

أطراس: الأدب في الدرجة الثانية

ب – جيرار جنيت من مواليد باريس سنة 1930. مدير الدراسات في المعهد العالي للعلوم الاجتماعية، وبها ينظم حلقة دراسية حول الجمال والشعرية كما يدير مجلة (شعرية Poétique) المشهورة، من منشورات “سوي Seuil”.

(من صفحة الغلاف الأخير لأطراس)

ج – من مؤلفاته:

Figures (في ثلاثة أجزاء) 1966-1969-1972.

Mimologiques, 1976.

Introduction à l’Architexte, 1979 (وقد ترجمه عبد الرحمن أيوب وصدر عن دار توبقال للنشر بالمغرب).

Nouveau Discours du Récit, 1983.

Seuls, ed. Seuil, 1987.

Fiction et Diction, 1991.

1 – Introduction à l’Architexte, Seuil, 1979, p.8.

2 – مصطلح “جامع النص”، أنبه، وإن متأخرا، إلى أنه من اقتراح “لويس ماران”:

Louis Marin, Pour une Théorie du Texte Parabolique, in.le Récit évangélique, Bibliothèque des sciences religieuses, 197.

ليعين به “النص/الأصل لكل خطاب ممكن، أصله ووسطه الذي أنشئ فيه”، قريبا مما سأسميه هنا (Hypotexte النص الأصل) لقد حان الوقت لوجود مفوض commissaire لجمهورية الآداب حتى يفرض علينا مصطلحات متماسكة.

3 – Séméôtikè, Seuil, 1969.

4 – لمعرفة تاريخ هذه الطريقة، تراجع الدراسة الرائدة: A.Compagnion, la seconde Main, Seuil, 1979.

5 – اقترضت المثال الأول من موضوع بعنوان: “التلميح” في بحث “استعارات Tropes” لـ(دومارسي Dumarsais) والثاني من “صور الخطاب: Figures du Discours” لـ(فونتانيي Fontanier).

6 – La Trace de l’Interetexte, la pensée, Octobre 1980.

La Syllepse intertextuelle, Poétique 40, novembre, 1979.

C.F. La Production du Texte, Seuil 1979, et: Sémiotique de la poésie, Seuil 1982.

7 – The Anxiety of influence, Oxford, U.P. 1973, Et la suite.

8 – ينبغي فهمه في معناه الملتبس ambigu، انظر: hypocrite (مخادع) التي تشتغل في صفات مثل parafiscal (ضرائب تجبى للإدارات المستقلة)، أو paramilitaire (شبه عسكري) [parafiscal هي ضرائب تجبيها الدولة لصالح إدارات مستقلة بموازاة ضرائبها هي. فـ(مخادع hypocrite)، حسب جيرار جينيت، ينبغي دمج معناها في معنى (الموازي) = التص الموازي شبيه بالنص مواز له، ولكن إذا بحثنا عن عناصره الملموسة، كنص له كيانه الواضح، لم نجد. ولذلك فهو أيضا مخادع = هو شبيه وغير شبيه بالنص ] – المترجم.

9 – المصطلح، طبعا، شديد التفاؤل بالنسبة لدور القارئ الذي لم يوقع شيئا في هذا الميثاق، والذي له أن يأخذ أو يدع [ما يعرض عليه من نصوص ]. ولكن يبقى أن العلامات المشتركة أو غيرها من العوامل التي توجه المؤلف وتستخدمه لصالحها، فهو، وخوفا من عقوبة سوء الاستقبال لعمله، يخضع بدوره للشروط في الغالب وبشكل غير متوقع: سنصادف شواهد كثيرة على ذلك.

10 – ربما كان علي أن أحدد أن النصية الموازية ما هي إلا متعالية واحدة من بين متعاليات أخرى، على الأقل تتميز عن هذه المتعالية التي تربط النص بالحقيقة الخارج نصية التي لا تهمني الآن، ولكني أعرف أنها موجودة: (يحدث أن أخرج من مكتبتي/ليس لي مكتبة). أما فيما يخص المتعالية transcendance التي كانت د اختلطت لدي بالاهتداء أو السمو الصوفي، فهي هنا تقنية خالصة، هي ضد (l’immanence التي كانت قد اختلطت لدي بالاهتداء أو السمو الصوفي، فهي هنا تقنية خالصة، هي ضد (l’immence: المثولية والحضور في الشيء) على ما أعتقد.

11 – وجدت لذلك الخطوط الأولية في: M.Charles, la lecture critique, poétique 34, avril 1978.

12 – استعمل هذا المصطلح من قبل “مييك بال” Mieck Bal, Notes ou narrative embedding, poetics today, hiver 1981. في معنى آخر طبعا، يشبه تقريبا ذلك الذي أطلقته ديما على (القص ما بعد الحكائي récit métadiégétique). حتما، لا شيء ينتظم أمره إزاء المسطلح، ولن نسمع من أحد يقول “ما عليكم إلا أن تتحدثوا مثل سائر الناس”. وفي أمر كهذا فإن النصيحة ستكون أسوأ، لأن الاستعمال مرصوص بألفاظ جد مألوفة وشفافة بشكل جد كاذب، إذ نستعملها عادة للتنظير على امتداد مجلدات أو ندوات دون أن يخطر ببالنا لحظة تساؤل: عن أي شيء نتحدث ونحن نستعملها؟ سنصادف قريبا مثالا نموذجيا لهذا الترديد الآلي (الببغائي) في مفهوم المحاكاة الساخرة Parodie. هذا بخلاف لغة أهل الحرف التي لها على الأقل هذا الامتياز، إذ، على العموم، يعرف كل واحد من مستعمليها ويعين المعنى الذي يقصده من كل مصطلح من مصطلحاته.

13 – لا جرم فإن “أوليس” و”الإنياذة” لا تختزل قطعا (ولي فرصة أخرى للعودة إلى الموضوع) في مجرد تحويل مباشر أو غير مباشر لـ”الأوديسا”. ولكن هذه الخاصية، هي وحدها، التي لنا أن نحتفظ بها هاهنا.

14 – Un Début dans la vie, Pleiade, I, p.771.

15 – ليس لي فضل في اختراعه، فقد اقترضته من نص “بالزاك” هذا.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.