اقتباساتشعر

تحليل قصيدة “زيادة المرء في دنياه نقصان”

تُعَدُّ قصيدة “زيادة المرء في دنياه نقصان” لأبي الفتح البُسْتي واحدةً من روائع الحكمة في الشعر العربي، إذ تتناول فلسفة الحياة، وقيم العدل والإحسان، والعلاقة بين الإنسان والزهد في الدنيا.

تنتمي القصيدة إلى الشعر الحكمي الذي يهدف إلى تقديم الموعظة بأسلوب بلاغي رفيع، وهي مشبعة بالنصائح الأخلاقية التي تعكس تجربة الشاعر وفهمه العميق لطبيعة الحياة.

  • تحليل الأبيات
  • فلسفة الحياة والزهد

يبدأ الشاعر بإقرار حقيقة مؤلمة:

زيادةُ المَرءِ في دُنياهِ نُقصانُ
ورِبْحُهُ غيرَ مَحضِ الخَيرِ خُسرانُ

يرى أن الإنسان مهما زاد ماله أو سلطانه في الدنيا، فإن ذلك لا يعني سوى نقصانٍ في عمره أو سعادته الحقيقية، مؤكدًا أن كل مكاسب الدنيا زائلة.

ويواصل نصيحته:

وكُلُّ وَجْدانِ حَظٍّ لا ثَباتَ لَهُ
فَإِنَّ مَعْناهُ فِي التَّحقيقِ فُقْدانُ

يشير الشاعر إلى أن السعادة المبنية على الحظ والظروف المؤقتة ليست ثابتة، بل زائفة، فسرعان ما تزول.

  • التحذير من الجشع والحرص على الدنيا

ويا حَريصاً على الأموالِ تَجْمَعُها
أُنْسِيتَ أنَّ سُرورَ المالِ أَحْزانُ

يخاطب الشاعر الإنسان الطامع في جمع المال، مذكرًا إياه بأن المال قد يجلب الحزن بدلاً من الفرح، فالطمع لا يؤدي إلا إلى القلق والخوف من الفقدان.

ثم يؤكد أهمية الزهد:

زَعِ الفُؤادَ عَنِ الدُّنْيا وَزينَتِها
فَصَفْوُها كَدَرٌ وَالوَصْلُ هِجْرانُ

يطلب من الإنسان أن يترك التعلق بالدنيا، لأنها لا تدوم، فحتى الفرح فيها لا يخلو من الحزن.

  • قيمة الإحسان والكرم

أَحْسِنْ إِلَى النّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ
فَطالَمَا استَعْبَدَ الإِنْسانَ إِحْسانُ

هنا، يدعو الشاعر إلى الإحسان للناس، حيث يجعل الإحسان الإنسان محبوبًا وذا شأن بينهم.

  • الصبر والتسامح

وَإِنْ أَساءَ مُسِيءٌ فَلْيَكُنْ لَكَ في
عُرُوضِ زَلَّتِهِ صَفْحٌ وَغُفْرانُ

يحثُّ الشاعر على العفو عند الإساءة، مشددًا على فضيلة التسامح بدلاً من الانتقام.

  • الإيمان بالله والتوكل عليه

وَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ اللَّهِ مُعْتَصِماً
فَإِنَّهُ الرُّكْنُ إِنْ خانَتْكَ أَرْكانُ

يدعو إلى الاعتصام بالله، فهو الملجأ الوحيد عندما تخذل الإنسان الدنيا.

  • أهمية القناعة

كفى مِنَ العَيْشِ ما قَدْ سَدَّ مِنْ عَوَزٍ
فَإِنَّ فِيْهِ لِلْحُرِّ إِنْ حَقَّقْتَ غُنْيَانُ

يختم الشاعر بالتأكيد على أن القناعة كنز لا يفنى، وأن السعادة لا تأتي من كثرة المال، بل من الرضا بما هو متاح.

تجمع هذه القصيدة بين الحكمة والموعظة، وهي تذكير للإنسان بأن الحياة الدنيا فانية، وأن المال والجاه لا يجلبان السعادة الحقيقية، بل إن مكارم الأخلاق والتقوى هما الطريق إلى راحة البال والرضا.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى