كلِمَتان في الاقتصاد وكلمة في البحث العلمي

 

الشرح والتحليل والتفصيل في الحالة العربية لإبراز مواطن ضعفها وخطأ سياساتِها التعليمية والاقتصادية والتنموية؛ وفسادِ غالبية منظوماتِها ومؤسساتِها الإدارية والرقابية، وارتجالية قراراتِها وقوانينِها. بات أمراً معروفا وواضحا؛ بل وفاضحاً أيضا، لدرجةِ الصد والنفور.

لكننا في مقالِنا هذا لن نتطرق للحالة العربية في عمومِيَّتِها، وإنما لنقِـيضِها تماما؛ من خلال ثلاث كلمات، اثنان منها في الاقتصاد؛ والثالثة في البحث العلمي. وللقارئ بعدَها أن يستنتج ما شاء  من الدروس، ويستخلص ما بدى له مِن عِـبـر.

 

  • الكلمة الأولـى:

شاع أن ألمانيا مُعجزةٌ اقتصادية، لكنَّ الحقيقةَ غيرُ ذلك؛ إذ إن ألمانيا قوة اقتصادية جبَّارة، لكنها ليست معجزةً اقتصادية كما يُقال.

المعجزة الاقتصادية الحقيقية هي اليابان.

اليابان؛ أرخبيل من الجزر البركانية؛ على بؤرٍ زلزالية نشطة، بلا تربة، بلا نفط، بلا معادن، وبلا ثروات طبيعية. وبكثافة سكانية تصل إلى 126 مليون نسمة[1] وِفق إحصائيات 2018. مع مُعامل شيخوخة هو الأعلى بين دول العالم. إلا أنها ثاني قوة اقتصادية في العالم بِلُغة الأرقام، والأولى فِعليا بلغة المنطق.

تصنعُ اليابان كل شيء، بدءاً بالصناعات التعدينية الثقيلة، إلى الصناعات عالية التقنية، فالصناعة النووية، والصناعات التكنولوجية والرقمية،  صناعة الفضاء، الصناعات العسكرية، صناعة الروبوتات، الصناعات الطبية، الصناعات الغذائية، صناعة النسيج، الصناعات التكريرية والطاقية والكيميائية، الصناعات الإلكترونية الدقيقة، إضافة إلى الصناعة المالية والمصرفية والاستثمارية.

تَـفعل اليابان كل هذا؛ في دُولٍ أخرى قريبة أو بعيدة عن نطاقِها الجغرافي؛ بِثروات وعمالَة تلك الدول، وتُصدِّرُ مصنوعاتِها بمواصلات؛ وعبر موانئ ومطاراتِ ومحطاتِ تلك الدول. وتسيطر على معظم الأسواق العالمية، وتخلق مجتمعاتٍ استهلاكية ضخمة  تُدمن المصنوعات اليابانية وتُـداوم عليها.

تحصل اليابان عِوضا عن كل ذلك، على أجود المزروعات، وأجود اللحوم، وأجود الأسماك، وأجود المنسوجات، وأجود الخامات، إضافة إلى مئات الأطنان من الذهب، ومئات التريليونات من أقوى العُملات العالمية.

إضافة إلى كلِّ هذه المكاسب، تُضيف اليابان مكسبَ السُّمعة والرِّيادة العالمية، وحياة الرفاه لشعبِها ومتوسطَ عُمرٍ هو الأطول بين سكان الأرض.

على غرار باقي الدول الاقتصادية النَّهِمة والمتعطِّشة للموارِد الطبيعية؛ تُخلف اليابان وراءَها أراضيَ فلاحيةٍ  مُنهكة، وبحاراً مستنزفة، وأجواءً ملوَّثة، وموانئَ ومطاراتٍ صاخبة، ومَكبات عملاقة من الخردة والنفايات الكيماوية والصناعية السامة، وألاف الأمتار تحت الأرض من المناجم المستنزفة، وتبعية اقتصادية ومالية لها؛ ولِعشرات السنين.

لا تٌبالي اليابان كثيراً بالإنفاق العسكري، وتعتبرُه مسألةً مُتجاوزة، لذلك قررت اليابان تقليص إنفاقِها العسكري إلى 1%[2]، في المقابل؛ رفعت اليابان مُخصصاتِها للبحث العلمي في العقود الأخيرة، مما بوَّأها المرتبة الثالثة عالميا من حيث نسبة الإنفاق على البحث العلمي. والذي تعتبرُه اليابان رأس الحربة في الهيمنة الحقيقية على العالم. فحروب الألفية الجديدة ميدانُها الأسواق العالمية والاستثمارات الضخمة والهيمنة الاقتصادية والمالية والمصرفية. وليس الهيمنة العسكرية.

تعوِّل اليابان كثيراً على الصناعات التكنولوجية والعالية التكنولوجية، والصناعات الرقمية الدقيقة والفائقة الدقة، خصوصا صناعة الإنسان الآلي. وتعتبرُه مفتاحَها نحو الهيمنة الحقيقية على العالَم والكائنات الحية بما فيها الإنسان نفسِه، بعد تراجع قوة الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الاستنزاف المستمر الذي تتعرض له جرَّاء الحروب التقليدية المتوالية التي تشنُّها على الدول المستضعفة لإخضاعِها ونهب موارِدِها، وما يستدعيه ذلك من إنفاق عسكري ضخم ومفرِط وخسائر في العتاد والأرواح.

لقد نقلت اليابان صراعَها الصامت مع الولايات المتحدة إلى غزو الفضاء، وقد شرعت اليابان فعليا في إنشاء قاعدةٍ لها على القمر، ويمتد هذا المشروع إلى متمِّ سنة 2030[3].

  • خلاصة 

الإنسان الياباني، إنسان عاديٌّ كغيرِه من بني البشر، الفرق الوحيد بين الأمة اليابانية والأمم المتخلفة؛ هو أن الياباني يقدس العقل، ويُقدِّمُه على العاطفة. ففي أمور الاقتصاد والتنمية والتطوير يُفكر اليابانيُّ كما تُفكر الآلة الذكية التي يصنعُها، فهو لا يعتمد كثيراً على الحظ والصدفة والاندفاع والارتجال والاتكالية، وإنما يعتمد على العِلم، فهو يحسب كلَّ شيء؛ ويَحسِبُ لِكل شيء حسابَه، ولا يخطو حتى يؤسس لخطوتِه؛ فإن خطى مضى بعيدا، أبعدَ مما نتوقَّع.

  • الكلمة الثانية

من منظورٍ عربي؛ قد تبدو اليابان نموذجاً مثاليا لا يُقلَّـدُ ولا يُضاهى. لكن هناك أمثلة ونماذج كثيرة لدولٍ متواضعة؛ عجزت الدول العربية مجتمعةً عن مُمثالتِها؛ فضلا عن مُضاهاتِها.

فدولة المكسيك مثلا، على عِلاتِها ومشاكِلها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، من فقر وبطالة؛ وجريمة منظمة؛ وتفاوتات طبقية صارخة؛ وأمية؛ وسوء توزيع الثروة، واهتراء البنية التحتية للبلاد، وأزمة المياه الصالحة للشرب، ونسبة التلوث التي تعتبر من النسب الأعلى في العالم، و..، إلا أن المكسيك (ورغم كل ذلك) تنتمي لمجموعة دول الـ20، (G20)، بسبب قوة اقتصادِها الذي يتموقع في المركز الـ15 على مستوى العالم،  حيث بلغ نتاجُها المحلي الإجمالي (GDP) لسنة 2018. 1.22 تريليون دولار[4]، أي ما يُعادل ما تنتجه الدول العربية مجتمعة، بلغة الأرقام فقط، أما بلغة الاقتصاد؛ فالدول العربية لا تكاد تُنتج شيئا، إذ إن معظم صادراتِها من المواد المعدنية والطاقية الطبيعية (النفط الغاز الفوسفاط …)، أما دولة المكسيك؛ فإلى جانب كونها أكبر منتج للفضة في العالم، فهي أيضا سادس مُصنع للإلكترونيات في العالم، إذ تشكل صادراتُها من الصناعة الإلكترونية 30%، إضافة إلى صناعة السيارات التي تعتبر عصب الاقتصاد في دولة المكسيك بمعامل استثمارات يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، إذ تستقطب المكسيك كبريات الشركات لصناعة السيارات؛ مستفيدةً من اليد العاملة الرخيصة وقربها من السوق الأمريكية والكندية والبرازيلية.

تُنوِّع المكسيك مصادر دخلِها بتحديث بنياتِها الصناعية والمالية والسياحية والفلاحية، ولم تعد صادرات النفط تشكل سوى 10% فقط من مجموع صادراتِها. ويُتوقع أن تحتل المكسيك في السنوات القليلة القادمة مراكز متقدمة جداً بين الدول الصناعية الكبرى في العالم.

 

  • البحث العلمي

تسبح الدول العربية من المحيط إلى الخليج؛ على ثلث الخامات والمعادن والثروات الطبيعية الفوقية والباطنية على هذا الكوكب، أبرزها الماء والنفط والغاز والفوسفاط والمعادن والسهول الزراعية و….، كما تتوفر الدول العربية على مضايق بحرية حيوية؛ ومواقع جيواستراتيجية تتوسط العالم. وكل هذه الإمكانيات الهائلة والمميزات الضخمة لا تعكس الواقع السلبي الذي تعيشُه غالبية الشعوب العربية. لسبب واحد؛ هو غلبة ثقافة الاستهلاك لدى المسؤولين وأصحاب القرار من السياسيين؛ على ثقافة البحث والإبداع والتطوير والإنتاج.

فالعالم العربي ينظرُ إلى البحث العلمي على أنه من الكماليات وليس من أوجبِ الواجبات. لذلك تغض الأنظمة عنهُ الطرفَ لصالح اقتصاد العُملة؛ القائم على الاستيراد من أجل الاستهــلاك.

دعم البحث العلمي يُسرِّع من وثيرة النمو الاقتصادي، ويعجِّل في تحقيق الاكتفاء الذاتــي، لكن القائمين على السياسات الاقتصادية في الوطن العربي يُفضِّلون اقتصاد العملة لوجود احتياطيات كبيرة منها، وفَّـرَتها احتياطاتٌ ضخمة من الثروات الطبيعية وعلى رأسِها النفط.

سياسات تحجيم البحث العلمي، ومنع إرساء نواة حقيقية لاقتصاد المعرفة العربي، حرمت الوطن العربي الكبير من منافع جمة، أبرزُها تطوير المجتمع، ضمان مصادر دخل مختلفة، تحقيق الاكتفاء الذاتي، غزو الأسواق الخارجية، التحرُّر من التبعية، التحرر من قيود صناديق النقد العالمية. تحقيق أمن قومي عربي حقيقة لا شعاراً.

 

ختاما نخلص إلى أن الفقر والتخلف مسألة وعي وسلوك وحكامة، إذ لا توجد دولة فقيرة بالمفهوم الحرفي للكلمة، ولكن هناك دول تختار أن تكون فقيرة عوض أن تكون دولا متطورة ومتقدمة، أو على الأقل دولا على طريق التقدم.


[1] https://countrymeters.info/fr/Japan

[2]  https://www.nippon.com/ar/features/h00196/

[3] https://www.liberation.fr/futurs/2019/07/26/colonisation-de-la-lune-la-conquete-speciale_1742281

[4] https://ar.tradingeconomics.com/mexico/gdp

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!