جريمة في المنام

0

 

حدث ذات يوم – يوم عطلتي – أنني استيقظت في الصباح الباكر على أصوات ضجيج زوجتي، كانت تجهز نفسها للذهاب إلى دورة “كورس” اختبار مؤهلات اللاجئين ، و أنا ذهبت إلى الحمام، و قمت بالواجب اليومي “المعتاد” ثم جهزت قهوتي.

و قهوتي “الاسبريسو” أجهزها على المكنة المنزلية الصغيرة بنفسي ، دون أن تلمسها يد زوجتي – التي اشترتها لي – سوى للتنظيف ، رغم أني في السابق – في تركيا – رخصت لها و لأبني “شهد” صنع القهوة على مكنتي القديمة – التي أهداني إياها أخي “ضياء” – بعد كورس تدريبي سريع و قصير.

بعد شربي القهوة و سيجارة الصباح، جالست زوجتي و تجاذبت معها طريف الحديث حتى خروجها من المنزل، و في فسحة غيابها جلست اتصفح الأخبار عبر الموبايل، لم أجد خبراً يبلُّ الخاطر و يسرُّ الوجدان، حتى منشورات “الفيس بوك” صارت أوراق ” نعوة ” على صفحات الأصدقاء ، رأيت الموت يطل برأسه من كل مكان، في مواقع الأخبار و شاشات ال TV 📺 و بيت الجيران ، طويت “الهاتف الذكي” الحديث، وأخرجت هاتفي القديم ذلك “الغبي” لإجراء بعض الاتصالات المهمة في سبيل تأمين عمل، ثم راسلت بعض الشركات عبر البريد الإلكتروني الفوري، و من فوري شعرت بالنعاس و ناداني السرير – بعد تعب زوجتي في ترتيبه – قائلاً : هيا الى النوم تعال.
قلت له : ابعد عني يا شيطان، بعد يقظتي أنا سهران..

قاومت سلطان النوم و تمسكت بأريكتي، و أمسكت كتاب ( يوميات نائب في الأرياف) لزميلي توفيق الحكيم ( زميلي في علم القانون، و استاذي في الأدب ) و تابعت مذكراته، و في ظني أني غلبت “السلطان” سلطان النوم طبعاً ، و ما بين الكلمات و الحروف بين دفتي الكتاب في “صعيد مصر” ، و بين الحقيقة و الخيال في ليالي “فيينا” المؤنسة ، آنست الدخول في عوالم بعيدة عن عيني في بلدي سوريا الحزينة، رأيت نفسي في ضيعتي “دارة عزة ” برفقة زوجتي ونحن في عز الشباب،

كنت أطوف بها في السوق الكبير “البازار” و استعرض معها البضائع في المحلات و البسطات و على العربات، بعدها صرت وحيداً في “أرض الصفّ” ساحة السوق الصغير في حارتي الشرقية، أتجول في الساحة الصغيرة أمام الدكاكين..

فجأة لفت انتباهي رتلاً منفرداً من عدد من الرجال بحدود الخمسين، بعضهم يرتدي الجلابيب، و آخرون بدلات “مموهة” و في أيديهم عصي طويلة و سكاكين، يقودهم رجل وسيم في طقم رسمي أخضر قاتم ، يلتفت إلى رجاله بعد كل خطوة باتجاه السوق محذراً إياهم من صوت الجلبة و شرّ التشرذم، ثم طلب منهم إخفاء الأسلحة ضمن الثياب، و اكتفى بطلب ثلاثين رجلاً منهم ليتبعوه ، لكن شيخ العشرين رجل الباقين، رفض طلبه و تابع مع رجاله المسير إلى أرض الصفّ .

في أرض المعركة – ساحة أرض الصف – رأيت الرجال القادمين من أرضٍ بعيدة خلف جبل “الشيخ بركات”* ينهالون ضرباً على الناس بعصي غليظة طويلة مثل عصي “الكريك” (أو المعول) ، و خَلَتْ الساحة من الباعة والمشترين في غمضة عين ( في الواقع كنت في سابع نومة مغمض العينين)، إلا رجلاً واحداً لم يهرب، بل تصدى لهم بشجاعة معوِّلاً على عصا كبيرة مثل عصا “المعول”، دافع عن ماله و أهله حتى آخر نَفَس، و للأسف الشجاعة وحدها في هذا المشهد الظالم لا يعوّل عليها حتى بعصا المعول أو بالسيف ، و لا ينفع فيها إلا الهرب فقط مثلما قالت العرب : انجُ سعد فقد هَلَكَ سعيد.

مات الشهيد البطل الذي تخلىّ عنه اخوته و قرابته و الجيران ، لكنهم في المساء نصبوا له خيمة عزاء كبيرة، وثوه بخطابات نارية و قصائد عصماء، مع تلاوة بعض آيات من الذكر الحكيم، فمن الحكمة تخليد ذكرى البطل بصوت “الميكرفونات” الهادر بمناقبه مع رفاق الطريق ، لكن في الحقيقة خلوّه وحيداً في منتصف الطريق ، وفي ساحة القتال هرب الرجال و لم يبقَ ما يقال. لم أكن أعلم من هو الشهيد الذي رأيته من بعيد، و حين أخبرني أحدهم في عزّ المنام باسمه و من يكون؟ استيقظتُ على صوت بكائي المسموع ، و لسعة دموعي الباردة تسري على الخدود ، فالمقتول كان صديقي سيء الحظ المدعو “سعيد.”

هذا يا سادتي ما تذكرته من منامي، و عرفت فيه وجه القاتل و من يكون، قبل أن يحلّ زميلي وكيل النيابة (الاستاذ توفيق الحكيم ) لغز جريمته الغامضة في آخر يومياته ، و أرجو أن يكون صديقي “سعيد” بخير وسلامة، و حقاً سعيدَ الحظ مثل إسمه ، و ثقتي بالله و رجائي – غير المحدود – أن يكون منامي أضغاث أحلام و تخاريف “عواجيز”، و أرجو من الله أن تسلمُ ضيعتي – و ضيعة الجيران خلف الجبل – و كل ضيعة و بيت من فكّ القتل و خنجر الغدر و براميل الحقد .


جهاد الدين رمضان
في فيينا ٢٩ أيار ٢٠١٩


*جبل الشيخ بركات : أعلى قمة في سلسلة “جبل سمعان”، و جبل سمعان مركز منطقة من أعمال محافظة حلب تقع في الشمال الغربي من مدينة حلب ، و دارة عزة مركز ناحية فيها تقع تحت سفح الجبل من جهة الشرق .

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.