قراءة في ديوان: “تحت سماء فارغة” للشاعر العربي الحميدي 

0

 

  • العيش بروح الشعر

ليس الشعر إلا صياغة ساحرة وعذبة لما يختمر في داخلنا، ويعبر عن تجربة إنسانية ذاتية وشاملة. هو رؤية عميقة أداتها اللغة، وحصانها الخيال، تسافر وتجنح بدلالة اللغة الحقيقية إلى دلالات مبتكرة غير التي وضعت لها بالأصل، وتكون مليئة بالمعاني الجديدة والإشارات والإيحاءات المدهشة.

والشاعر لا يقدر على فهم تجربة الحياة دون الغوص في المشاكل الإنسانية الكبرى. يتأمل ويتنقل في عالم الإنسان والكون الذي يعيش فيه.


تؤرق الكتابة الشاعر العربي الحميدي، والشعر بالنسبة له فعل حياة، وإبداعه الشعري يلتقط نبض الحياة، ويحاول الإمساك بلحظات فرح غير آبه بالوجع، وبجرأة مندفعة تغوص في الحياة الصاخبة التي لا تهدأ لإعادة اكتشافها من جديد.

إن الآلام التي يعبر عنها الشاعر نابعة من قلبه، وقلبه هو منبع وجعه، وكما يقول الشابي: “إن قلبي…هو مصدر آلام هاته النفس التائهة المعذبة، وهذا الجسد المُعنّى المنهوك. وما دمت أحمل بين أجنحتي مثل هذا القلب الكبير، وما دامت هاته الحياة تهد منه ولا ترحم فإنني أشقى أبنائها”

فالشاعر يسعى للعيش بروح الشعر جامحة وحرة، تريد أن تكون حيّة ولها انعتاقها الذاتي الذي يشق لها الطريق لتصنع عظمة الحياة. حياة بحرية بلا سقوف، ولا ترضى لنفسها الذوبان بالآخرين، سواء كإنسان أو كشاعر يرسم لنفسه سبيلا يختلف عن الآخرين. لذا أراد لشعره أن يكون قنديلا لا ينطفىء، ينير قلب الحياة، حياته وحياة بقية الناس، لتزهر الحرية وتتوقد الأشواق لتهزم ليل الأيام الطاغي.


وعند قراءة الديوان الشعري نلاحظ ملامح  رومانسية على القصائد، فالخيال الشعري جامح ومجنح، وإن كانت الطبيعة مستترة فقد أغنى عنها الحب والألم والأمل الذي كلما قطع، لا ينفك ينبت من جديد، أما أسلوب الشاعر فيتصف ببعض القصائد باستخدام الرمز وتوظيف التراث العربي.

في شعره المتدفق يصل الشاعر بين الشعر والحياة، وتنبسط كلماته لتشمل الطبيعة، وكيف يتفاعل الإنسان في الطبيعة ومعها.

يسمو الشعر بالحياة، فلم يعد مجرد محاكاة، بل سبيل إلى جوهر الوجدان، وإطلاق عواطفه. وهو الذي يهب الإنسان الاخضرار في وجه عبوس ويبس الحياة.


ولا يكاد تجد في الديوان قصيدة واحدة، لم يظهر بها الشاعر مغتربا عن زمانه ومكانه، ووجدت ظاهرة الاغتراب مع وجود الإنسان على الأرض، فصراعه مع الظواهر الطبيعية أشعره بعدم الفهم، والخوف ومحاولة الانتصار على أفكاره المشوشة، ومع نشوء المجتمعات ظهرت الأزمات والمشاكل التي سببت الاغتراب للإنسان، وقف الإنسان بكل قوته وطاقته العقلية والروحية في مواجهتها، كان ينجح حينا بالثورة، وأحيانا أخرى يفشل ويستسلم، وينعزل ويتكور على ذاته.

وفي عصرنا الحالي يعاني الإنسان العربي من الاغتراب المتعدد، وكون الشاعر يملك مشاعر فياضة، وإحساسا عميقا في الحياة، كان تأثير الاغتراب عليه كبيرا، ولاغتراب الشاعر أسبابه التي لا تخفى على أحد، شعوره بانعدام حريته، وأن القيود تكبله وتجعله غير قادر على ممارسة إبداعه، وحياته كما يشتهي ويريد. والاغتراب يقود الإنسان إلى الشعور بالوحدة والانعزال، والانسحاب من الحياة، وقد قاد الاغتراب الشعراء العرب إلى أجواء الرومانسية، فهاجموا المدينة، وأحبوا الأرياف وتغنوا بها، وصادقوا الليل، ورافقوا الحزن، وكثر في شعرهم التغني بالألم، ومقدرته على إنتاج الإبداع.

وفي عالم الشاعر الذي انهزمت فيه القيم الروحية، وطغت المادية، وجد أنه يعيش في عالم يفتقر إلى الحب والإنسانية، فحاول في شعره أن يبنى عالمه الخاص والأثير. ومن خلال قراءة الديوان الشعري، وجد أن الشاعر يعاني من اغتراب اجتماعي وعاطفي وفكري.


يلجأ الشاعر في قصيدة النثر غالباً إلى الصورة الشعرية، إلى المجاز المتحرر من سلطة النظم الايقاعية بإحالة المعنى لتكون بديلاً عن الإيقاع الخارجي الذي يميز القصائد القديمة ذات الوزن والقافية، هناك من الشعراء من لامس الصور الشعرية من بعيد، وهناك من أبدع في صوره الشعرية الغربية والمبتكرة لدرجة أصبحت هي وجه القصيدة الباسم. والصور في قصائد ديوان “تحت سماء فارغة” ليست صور بسيطة بل هي صور مركبة ومعقدة وتحتاج إلى الصبر والأناة لفهمها مع ثقافة للدخول إلى عالم العربي الحميدي الشعري، والمعنى في شعره مفتوح على المدى ويحتمل العديد من القراءات.

لقد استطاع الشاعر التعبير عمّا يختلج بداخله بواسطة الصور البليغة المتنوعة التي يمتلئ فيها الديوان، بلاغة مكنت الشاعر من الإمساك بالحالة النفسية، وتجسيدها، فيصبح ما في داخل الإنسان مرئياً، واستطاع الشاعر اصطياد الحالة النفسية، ورسمها بأجمل الصور.

لقد عانى الشعر المعاصر من الكثير من العقبات التي وقفت في وجهه، إلا أنه استطاع أن يفرض حضوره الطاغي على المشهد الشعري العربي، ولقد عبر الناقد والشاعر محمد بنيس عن ذلك بقوله: ” “يدافع الشِّعر عن طفولته اللّانهاية فيما هو يستقصي حداثة أخرى بالشكوك العنيدة. وحداثة الشعِّر العربي معزولة حتماَ، بأفعال استبداد المغلق في مجتمع جريح، حيث الدم وحده يكاد ينفرد بالزّمن وأهله. فهل يمكن للشِّعر، بعد هذا، أن يدافع، مجدّداَ، عن طفولته؟ وكيف له أن يستقصي حداثة أخرى؟ وبأيّ عناد تبدأ الشُّكوك؟”


تشعل الأسئلة قصائد الشعر الحديث، وتصارع النقيض، وتوحي بمغامرة الشاعر الذي لا يكف عن استنهاض الأمل، يده المرتعشة تكتب وهي تنز ألمًا.

فالشعر المعاصر ليس إلا تعبيرا عن العاطفة المتأججة بما تحمله من حزن أو فرح والتي تخرج عبر الموسيقى والخيال. فالشعر يحملنا على بساط الريح من الظلام الحالك إلى النور. إنه لغة صور، يصور ما لا نستطيع وصفه.

هذا البحث عن الذات والعالم شعرياً يهب القصيدة استقلاليتها، فالشعر ما هو إلا فضاء لا محدود للحرية والقلق والسؤال. 

الفعل الشامل والفاعل للشاعر في بحثه الذي لا يفتر عن القصيدة والذات والعالم، يجعله يعثر على ما سعى إليه في وضعية القيم ذاتها، وفي صدارتها قيمتا الحرية والافتتان. فهل وجد الشاعر العربي الحميدي حريته وافتتانه؟ 


  • فلسفة الشك واليقين

لا شيء يبقى على حاله، حتى الواقع الجامد الصخري يمكن له أن يلين، فالواقع “واحد في ذاته، متعدد في صوره وأشكاله، وما “الانتاج” الإنساني بمجمله إلا مجموعة مرايا،…تتمثل ذلك الواقع أنواعاً وألواناً وصوراً مختلفة”.

فإذا كان الشعر ملتصق بالواقع إلا أنه ينجح دوماً في تجاوزه إلى أكوان شتى.

إن الشعر الذي بين أيدينا يمكن أن نطلق عليه أدباً ذا بعد فلسفي، شعر متفرد لأنه يحمل سؤال الفلسفة القلق (لماذا).

إن المواضيع التي تناولها الشاعر، والطريق التي صاغ بها أفكاره المربكة أنتجت شعراً فلسفياً، إذ ينتمي الشاعر إلى قضايا الإنسان العميقة، التي تحضر بقوة في ثنايا قصائده شكلاً ومضموناً، كالقهر والحرية، الحب والموت… فالفن “دونما حرية لائحة وصايا، والفن دونما التزام كتابة على الماء”.  

ولا ريب إن ما يميز الشعر هو شكله الجمالي، الذي يعتبر ميزة استثائية. فهو يمثل الحياة بواقعها المأزوم وهمومها وصعوباتها وجنونها.

يملك الشاعر موهبة تأكل من طاقته، وما كان لهذه الموهبة أن تظهر، وتثبت وجودها لولا زمننا الذي يمتلأ اضطراباً وحروباً وفساداً مقيتاً، زمن انهيار القيم، وتشرذم البشر، وإعدام الحرية، وخنق الحب.

البحث عن اليقين والحقيقة همّه اليومي، شغله الشاغل، مسألة جوهرية ومحورية في حياته، والشك سبيله نحو الحقيقة المتوارية، والفعل هو المعيار الأوحد.


ولن يسكته حتى الموت عن التساؤل عن جدوى حياتنا، وتبدأ إشكالية الحياة منذ اللحظة الأولى من خلال العنوان “تحت سماء فارغة”، والتي يحاول أن يملأها بالمحبة والرضا، ولكنه يجد الأمر أكثر صعوبة مما يعتقد، ويصدر ديوانه بقصيدة قصيرة للشاعر الفلسطيني محمد الريشة، يقول فيها: 

“لِمَاذَا  –

أَنْتِ وَ أَنَا

عَاجِزَانِ عَنِ الْمَوْتِ فِي الْحَيَاةِ،

وَتَنْتَظِرِينَ الْحَيَاةَ فِي الْمَوْتِ

مَعًا  –

أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ/

قَصِيدَتِي؟!”.

فالأسئلة حول الحياة الغريبة التي تنتهي بالموت، تثيره، ويبحث عن معنى خفي وراءها، ومنذ السطر الأول من ديوانه، يخبرنا الشاعر أنه لا يعرف اليقين، وأن الشك يطارده: “أَنَا لَمْ أُخْلَقْ مِنَ طِين الْيَقِينْ”، وأنه ينتمي إلى ثلة الخطأين، لأنه يبذل مجهوده للفهم، وطريقه إلى المعرفة محفوفة بالألم الذي لا يتركه.

“أنا من مشى حافي القدمين

على جمر

الزمن اللعين”.

يمضي الزمن، والتقصي عن جدوى الحياة يستمر بطيئا، والشاعر يمشي ولا رفيق له سوى العتمة الكالحة، والزمن لا يرحم، يهرول صوب النهاية، وهو يحاول أن يمسك الخيط الذي يؤدي إلى باب اليقين:

“وحيد السير

 في ظلمة الليل البهيم

ركبه هودج الشيب اللعين”

وتبوء محاولاته بالفشل، وينظر إلى الحياة وكأنها ممتلئة بالفراغ، ويبدو: 

“كمن يحمل نعشه تائها

لا ينتظر من خوى الحياة شيئا”.

يسير الشاعر في حياته، يحوم الشك حوله، ويسكن القلق فكره، ففي ظل مجتمع قاس من المنطقي أن يؤثر ذلك على واقعه، والحب هو الذي يجعل حياتنا ممكنة الاحتمال، هو الذي يشعل ظلام الطريق الحالك، يعيد الروح إلى الدرب الصحيح، بالحب وحده يستطيع الفرار من موته اليومي، من ضجره المستمر، ومتسلحا بالحب والأمل يكتب أحلى القصائد محاربا دون هوادة أمراض الحياة وما تحتويه من قهر وفقر وجهل والتي تسلب الحرية والروح والإرادة.

“يا جمرتي 

لقد شب اللهب

نار تجري داخلي

لا يطفئها نخب

تفاحتا الأرداف

أنت صعقة السماء

رشيقة مثل خيط الضياء

عشق لا يقاوم

من يرشف من؟

النهر أم الشلال”

وفي ظل الأوجاع التي تزداد شراسة، يفر إلى الشعر، ويجد فيه اليقين الذي يفتش عنه:

“القصيدة سكني سِجْني شَجَني  

موتي والميلاد”.

وبالإضافة للحب والشعر، يكون الحلم ثالثهما، مما يجعل حياته أمرا ممكنا:

“أيها الحلم

أصدف رياحك في معاقل الكلمات

لا تطلقها تفتق لباس العبرات.

يا

أنيسي في الليالي الموات”

إن السمات التي يشترك فيها الشاعر مع الفيلسوف “سمة القلق التي تعتري كلا منهما كلما فكرا في الحياة تساءلا عن الوجود. وسمة التأمل التي تدفع بكل من الشاعر والفيلسوف إلى النظر البعيد العميق وراء الأشياء يتساءلان عن أسرارها”. إن الفلسفة ترحل أحيانا نحو الشعرية بارتكازها على الصور والأساطير، وكذلك الشعر يغوص في الفكر، ويجلي الحقائق، ولكنه لا يمكن أن يكون جامدا ومتحجرا.


للشاعر الحرية في التوغل في النفس البشرية، وتناول أسرار الحياة وفلسفتها، ولكن عليه “أن يلتزم رسالة فنية، فلا تأتي حقائقه عارية من الجمال، ولا تصاغ أفكاره مجردة من اللحن، أو خالية من الصورة، بل يجب أن يجمع بين روعة الحقيقة ودقة الإفصاح وجمال النغم، وعذوبة الوقع، ونحن لا يهمنا من الشاعر أن يصل إلى حل في هذه المعميات التي تحير عقول الفلاسفة والمتأملين، وإنما الذي يهمنا أن يعبر عن تجاربه تجاه ىهذه الأسرار تعبيراً شعرياً خالصاً، يعطينا مفهومه عنها في صورة تكشف عن أصالته وشخصيته الفنية”. وبما أن الفلسفة تبحث عن الحقيقة المتوارية خلف خيوط الظلام، فإن الشاعر ينجح في الوصول إلى نبعها، ويجد لذته في المنح:

“كن فيض ماء

بين الصخر في الطريق

واروي كل عابر 

يحمل في جبته

عطش البحر”.

يملك الشاعر تجربة قيمة تستحق أن تدرس، ففي مقطوعاته نزعة جمالية، وهو متسلح جيد بأدوات التعبير والصياغة، شعر متدفق من شلال وجداني، لا يمكن أن يكون الشاعر مبدعاً ومؤثراً دونه.

إن الشعر الحقيقي هو الذي يأخذك عنوة باتجاه الشمس، حاملا سيفه في وجه الطغيان والمجهول، هو الذي تعوم معه وسط البحر في جو ربيعي رغم تساقط الأوراق.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.