منبرُنا

أليس في بلد العجائب

   استيقظت أليس من نومها الطويل لتجد نفسها وحيدة بدون اختها لميس، وجدت نفسها مستلقية في خيمة مهترئة على أرض غريبة بدون فراش، فركت عينيها ونهضت، أتراه يكون حلماً آخر من أحلامها العجيبة؟ 


خرجت من الخيمة تبحث عن الأرنب الأبيض والرمادي والفأر والملكة والملك والأميرة والأمير بأوراق اللعب (الكوتشينة) وبحيرة الدموع والقصر، شاهدت بشراً قلوبها بيضاء تصرخ من الجوع والقيد، على الطرف الآخر من أولئك شاهدت بشراً قلوبهم ملونة وبشَرَتهم رمادية، كانوا جائعين كما يبدو من أجسادهم و وجوههم النحيلة، كانوا أيضاً مقيدين من أرجلهم وطليقي الأيدي، يرون الدم والقيد والجوع والفحش والذل وكل شيء ولا يصرخون، شاهدت بحراً من الدموع وبحيرات دم وجثثاً تطفو وأخرى تحترق، شاهدت فئران كبيرة بحجم الحمير لها أشكال البشر،

تقرض قوت الناس وقواهم وتكنز أوراق النقد، شاهدت ملكاً هزيلاً يرتعد من الخوف ويلوذ بالملكة الشبيهة بالحرباء داخل القصر المحصن بالأسلحة والحرس، شاهدت أمراء وأميرات وأمبيرات في كل مكان، كل أمير أو أميرة أقتطع جزءاً من البلد العجيب ورفع عليه رايته، شاهدت أصحاب الأنفاق والنفاق وأصحاب الخنادق والأخدود ولاطمي الخدود، رأت الفيل يطير والحمار خبير والبراميل تقصف الكبير والصغير، رأت الطوابير والطائرات الحربية والبطاقات الذكية والغبية والسجون، رأت الخوف والظلم والظلام في عز الظهر، رأت أطفالاً بمثل عمرها بلا أهل ولا أمل ينبشون في القمامة ويفترشون الأرض، رأت العطش رغم كثرة الأنهار والينابيع، رأت الأشجار تزهر يباياً وموتاً وباروداً وبواريد… 

   تعبت أليس مما رأت، عادت إلى خيمتها وأستسلمت للنوم، رأت في منامها بلاداً يضحك فيها الناس، ملوكهم يعيشون في بيوت عادية لا قصور، يمشون في الشوارع ويركبون القطارات والباصات والدراجات بلا حرس ولا مواكب، شاهدت الشبع والكفاية والكرامة والحرية ترفرف في السماء، رأت الأطفال يذهبون إلى المدارس والحدائق وتزهر لهم الغصون، شاهدت الأمهات لا تذرف الدموع والآباء أحياء والسجون مغلقة، شاهدت البحر يلفظ الخيرات والدرر بدلاً من الجثث،

شاهدت الفيل في السيرك وحديقة الحيوانات ثابتاً على الأرض لا يطير ولا يؤذي أحد، شاهدت الأرنب البري والحمام والحصان والقرد والغزال والقط الأهلي والبري والنمر والملك الأسد والطيور وبحيرة البجع، شاهدت كل الحيوانات الأليفة والمفترسة ومليكها الأسد في زنازين حديدية قوية تسمح للزوار بالتفرج عليهم ورمي فتات الطعام إليهم، كان القرد أشطر الحيوانات في السطو على طعام المتفرجين،

حاولت أليس أن تمدّ يدها لتطعمه من الشطيرة مثل غيرها من زوار الحديقة، باغتها القرد بالهجوم عليها وعضّ يدها قبل أن تدخلها بين قضبان الزنزانة وانتشل الشطيرة من يدها بلمح البصر، حينها استيقظت أليس من نومها مذعورة، نظرت إلى يدها فوجدتها سليمة تمسك بعقد الياسمين، لما رأت حولها الخراب والدمار والحرائق والشحوب والأشباح، أدركت حينها أنها كانت في بلاد عامرة بالعجائب داخل الحلم. 


    جهاد الدين رمضان 

 في فيينا ٢٧ شباط/فبراير ٢٠٢٢ 

*قصة حقيقية تحدث في الواقع.

جهاد الدين رمضان

جهاد الدين رمضان، محامٍ وكاتب مستقل من سوريا. مُقيم في النمسا حالياً بصفة لاجئ. أكتب القصة القصيرة والمقال ومُجمل فنون أدب المدونات والمذكرات والموروث الشعبي. نشرتُ بعض أعمالي في عدد من المواقع ومنصات النشر الإلكتروني والصحف والمجلات الثقافية العربية. لاقت معظمُها استحسانَ القراء و لفتت انتباه بعض النقاد لما تتسم به من بساطة في السرد الشيق الظريف و أسلوب ساخر لطيف؛ مع وضوح الفكرة وتماسك اللغة وسلامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى