مصطلح الصمت داخل النحو العربي

0

 

  • تمهيد:

   حظي النحو العربي باهتمام اللغويين القدماء؛ ذلك أنهم حاولوا تتبع واستقصاء القواعد النحوية وتضمينها داخل كتبهم. وقد تبعهم في ذلك المحدثون، فحاولوا كذلك تبسيط ما جاء عندهم ليناسب العصر ومتطلباته، وحتى يسهل الاشتغال عليها. لكن تبقى القريحة العلمية واسعة ومفتوحة لكل متعطش للعلم مهما كان الكتاب يحتاج إلى وقت. فالتراث  اللغوي النحوي القديم، يحوي من العلم ما لا يمكن حصره، بفضل علمائه الجهابذة كسيبويه، وابن جني، وابن عصفور وغيرهم.

   وفي السياق نفسه، لا بد من الإشارة إلى تعريف للنحو مرده إلى الآتي: « هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم وإن شد بعضهم عنها رد به إليها»[1].

   ومن هذا المنطلق، فالنحو، يلامس مختلف الظواهر اللغوية ليتسنى للقارئ استثمارها في كلامه، لكي يكون كلاما سليما منضبطا لتلك القواعد.  وعليه، يهدف هذا المبحث إلى إبراز إوالية اشتغال مصطلح الصمت – قيد التحليل-، داخل النحو العربي.

   بعد التتبع والدراسة، ارتأينا التركيز على ثلاثة عناصر أساس تبرز مصطلح الصمت داخل زخم كبير من المفاهيم. وهذه الثلاثة هي كالآتي: الحذف، والإضمار، والاستتار.

   ومن هذا المنطلق، يمكن إثارة التساؤلات الآتية: ماذا نقصد بكل من الحذف والإضمار والاستتار؟، أين تكمن مزيتها وما المشيرات الدالة عليها؟.

  • الحذف: حده، ومزيته، وأدلته، والمشيرات الدالة عليه
  •  حد الحذف:

   الحذف النحوي هو « إسقاط كلمة أو أكثر شرط ألا يتأثر المعنى أو الصياغة»[2]، ويتأثر معنى الكلم بالتباس الفهم على المتلقي « فإذا أدى إلى ذلك وجب الإظهار»[3]. « وحتى لا يلتبس المعنى لا بد من وجود دليل على العنصر المحذوف، لأن العرب لا تحذف الشيء حتى يكون معها ما يدل عليه»[4].

   فالحذف النحوي يعتري التراكيب الإسنادية،« بإسقاط جزء الكلام أو كله لدليل»[5].

المطلب الثاني: مزيته، وأدلته، والمشيرات الدالة عليه

   تحدث سيبويه عن الحذف ولم يورد تعريفا صريحا له، غير أنه يقول في ” باب ما يكون في اللفظ من الأعراض” ما يلي: « اعلم أنهم مما يحذفون الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطا. (…) فمما حذف وأصله في الكلام غير ذلك. لم يك ولا أدر، وأشباه ذلك»[6].

  ومعنى القول: أن الأصل في الكلام الذكر، ولكن قد يتعرض الكلام للحذف لغاية ما، وقد أورد أمثلة عن الحذف في الكلام نحو لم يك والتي الأصل فيها لم يكن.

   وإذا عرجنا إلى ابن جني، نجده يعتبر الحذف من « شجاعة العربية»[7]، وإن لم يحده لنا، إلا أنه اشترط وجود دليل على المحذوف، وفي ذلك يقول: « قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة، وليس شيء من ذلك إلّا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته»[8].

   وسيرا على خطى الحديث، يمكن القول إن الدلالة على المحذوف( أو القرينة) إما أن تكون مقالية أو حالية، وفي ما يلي توضيح لهما:

  • المقالية: « أي أن يكون القول المذكور دليلا على المحذوف فمرجعها إلى

 القول والكلام، وقد تحصل هذه الدلالة من إعراب اللفظ، إذ المحذوف يظهر عند الإعراب، فاللفظ إذا كان مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا أو مجزوما فلا بد له من عامل أحدث ذلك الأثر، فإن لم يكن مذكورا وجب تقديره، وهذا المقدر يجب أن يكون مناسبا غير مخل بالمعنى، فعبارة” أهلا وسهلا” مركبة من ثلاثة مفاعيل( اثنان منها معطوفان)، وكل منها يحتاج إلى عامل مناسب. وتقدير ذلك مع الفاعل: ” وجدت أهلا وسلكت سهلا، وصادفت رحبا”، ونحو: ” زيدا” في جواب من سأل: ” من أكرمت”؟ ف ” زيدا” مفعول به لفعل محذوف تقديره مع فاعله: ” أكرمت” فالفعل المحذوف في الجواب دل عليه سياق جملة الاستفهام: (من أكرمت؟)»[9].

  • الحالية: « الدليل الحالي دليل غير لساني، لأنه غير ملفوظ به في الكلام

ولكنه دال على عنصر محذوف له حكم الملفوظ به»[10]. والمحذوف في حكم الملفوظ به، وإن لم يوجد في اللفظ، غير أن دلالة الحال عليه نابت مناب اللفظ

به»[11].

   وقد تنبه سيبويه إلى ذلك فقال: « وذلك قولك: زيدا، وعمرا، ورأسه. وذلك أنك رأيت رجلا يضرب أو يشتم أو يقتل، فاكتفيت بما هو فيه من عمله أن تلفظ له بعمله فقلت: زيدا، أي: أوقع عملك بزيد. أو رأيت رجلا يقول: أضرب شر الناس، فقلت: زيدا(…) استغنيت عن الفعل بعلمه أنه مستخبر»[12].

« فنصب” زيدا” رغم غياب العامل( الفعل)؛ لأن الحال المشاهدة من الشخص( التأهب للضرب أو الشتم…). أثناء النطق بهذه الكلمة المعمولة( زيدا) صارت في حكم العامل المنطوق به، فنابت عنه في التأثير»[13].

   ومن أمثلة الحذف النحوي ما يلي:

  • « حذف الفتحة من آخر الفعل الماضي تخفيفاً، نحو قول وضاح

اليماني:

عجب الناس وقالوا … شعر وضاح اليماني

إنما شعري – قَند … قد خُلطْ (بالجلجلان)»[14].

  • « حذف الفتحة من عين (فعل)، مبالغة في التخفيف، نحو

قول الراجز، أنشده الأصمعي:

على محالاتٍ … عُكسنَ عَكسا إذا تسداها … طلابا غَلْسا

يريد: غلَسا»[15].

  • « حذف المضاف, نحو قول الله سبحانه: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾[16]،

أي: بر من اتقى، وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا البر من اتقى. والأول أجود؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أولى

منه بالصدور»[17].

  • « حذف النعت، كقوله تعالى: ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، أي: كل

سفينة صالحة»[18].

  • « حذف الْمَعْطُوف عَلَيْه: ومنه قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ

 الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾؛ أَي: فَضرب فانفجرت»[19].

  • « نقص الجملة، كقول ابن هرمة:

وعليك عهد الله أن ببابه … أهْلَ السيالة إنْ فَعلتَ وإن لم

يريد: وإن لم تفعل، فحذف جملة الفعل والفاعل، واكتفى منها بالجازم وهو (لم)»[20].

  • « حذف جملَة الشَّرْط، هُوَ مطرد بعد الطّلب نَحْو فَاتبعُوني

 يحببكم الله}؛ أَي فَإِن تتبعوني يحببكم الله»[21].

  • حذف الكلام بجملته، يقع ذَلِك باطراد فِي مَوَاضِع:
  • أحدها بعد حرف الجواب، يقال أقام زيد فَتَقول نعم.
  • الثاني بعد نعم وبئس إذا حذف المخصوص وقيل إن الكلام

جملتان نحو ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾.

  • الثالث بعد حروف النداء في مثل ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ إذا

قيل إنه على حذف المنادى؛ أي يا هؤلاء.

  • الرابع بعد إن الشرطية كقوله:

قالت بنات العم يا سلمى وإن … كان فقيرا معدما قالت وإن

أي، وإن كان كذلك رضيته.

  • الخامس في قولهم افعل هذا إما لا أي إن كنت لا تفعل غيره فافعله[22].

  • الإضمار: حده، والمشيرات الدالة عليه

حد الإضمار

   يحد جمال الدين الفاكهي المضمر فيقول: « ما ليس له صورة في اللفظ، بل ينوى»[23].

   « فالمضمر غائب في السلسلة السطحية للكلام، ولكنه موجود في نفس المتكلم، والتي يعبر عنها سيبويه بمصطلح( النية)»[24]. قال سيبويه: « وذلك قولك: إيّاك أنتَ نفسُك أَنْ تَفْعَلَ، وإيّاك نفسَك أَنْ تفعلَ. فإِن عنيت الفاعِلَ المضمَرَ في النيّة قلت: إِيّاك أنت نفسُك، كأَنّك قلت: إيّاك نَحَّ أنت نفسُك، وحملتَه على الاسم المضمَرِ في نَحَّ»[25].

  • مزيته، والمشيرات الدالة عليه

   مما لا شك أن المضمر ركن أساس في الجملة، لا يتم معناها إلا به. ولذل قيل: « إن الفاعل يضمر ولا يحذف، لأنه عمدة في الكلام»[26].

وفي باب الفاعل، يقول ابن جني: « واعلم أن الفعل لا بد له من الفاعل(…) فإن لم يكن مظهرا بعده فهو مضمر فيه لا محالة: تقول زيد قام فـ زيد مرفوع بالابتداء وفي قام ضمير زيد وهو مرفوع بفعله»[27].

   وبالعودة إلى كتاب سيبويه، يستشف أنه يحوي علامات للإضمار مردها إلى الآتي:

  • الإضمار عند سيبويه هو نظير الإظهار، وفي ذلك يقول: « وإنَّما أضمرُوا ما كان

يقَع مُظهَرا»[28].

   ينسب سيبويه الإضمار إلى عناصر الكلم الثلاثة ( الفعل، الاسم، الحرف)، يقول عن إضمار الفعل: « فاعرف فيما ذكرت لك أن الفعل يجري في الأسماء على ثلاثة مجار:

فعل مظهر لا يحسن إضماره، وفعل مضمر مستعمل إظهاره، وفعل مضمر متروك إظهاره»[29].

ويضمر الاسم في نحو: لا عليك، فالمضمر هو اسم لا النافية للجنس، وفي ذلك يقول: « وإنما أضمروا ما كان يقع مظهرا استخفافا، ولأن المخاطب يعلم ما يعني، فجرى بمنزلة المثل، كما تقول: لا عليك، وقد عرف المخاطب ما تعني، أنه لا بأس عليك»[30].

   كما أضمر الحرف في قول الشاعر: “وبلدة ليس بها أنيس”

فوجه الكلام: ورب بلدة ليس بها أنيس، فرب حرف جر مضمر يقول سيبويه: « ولا يجوز أن يضمر الجار»[31]، وقد علل الإضمار الوارد في البيت بقوله: « ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل»[32].

  • يستعمل سيبويه في حديثه عن الإضمار مصطلح تفسير المضمر، يقول في نحو

قول العرب: «” اللهم ضبعا وذئبا ” إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل. وإذا سألتهم ما يعنون قالوا: اللهم اجمع أو اجعل فيها ضبعا وذئبا. وكلهم يفسر ما ينوى. وإنما سهل تفسيره عندهم لأن المضمر قد استعمل فى هذا الموضع عندهم بإظهار»[33].

   وفي علاقة عدد المضمرات بقوة الكلام: يقول سيبويه:« فكلما كثر الإضمار كان أضعف»[34]. فزيادة عدد المضمرات يضعف الكلام؛ لأن المعنى يلتبس على المتلقي، ولأن الحذف خلاف الأصل، فالأصل هو ذكر عناصر الكلم. ولكن« إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى»[35].

   إضافة إلى ذلك، تحدث ابن عصفور عن الإضمار في نقص الكلمة، وأفرد له أمثلة من ذلك ما يلي:

  • إضمار حرف الخفض وإبقاء عمله من غير أن يعوض منه شيء، نحو قول ذي

الرمة:

أَصْهَبَ يَمْشِي … مِشْيَةَ الأمير

لاَ أوْطَفَ الرَّأس … ولاَ مقرورِ

يريد: رب أصهب[36].

  • « إضمار الجازم وإبقاء عمله، وهو أقبح من إضمار الخافض وإبقاء

عمله، لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء. فمما جاء في ذلك قوله:

محمد تَفْدِ نفسَك كلّ نفس … إذا ما خفت من شيءٍ تَبَالا

يريد: لتفد نفسك»[37].

  • « إضمار (أن) الناصبة وإبقاء عملها من غير أن يعوض منها شيء،

تشبيهاً لها بإضمارها بعد (الحروف) التي جعلت عوضاً منها، أي الحروف التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن).  فمما جاء من ذلك قوله:

فلم أر مثلها خباسة واحدٍ *** ونهنهت نفسي بعد ما كدت أْفَعَله

يريد: أن أفعله»[38].

  • « إضمار (لا) النافية غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب

القسم، نحو قول النمر:

وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم … تلاقونه حتى يؤوب المُنَخّلُ

يريد: لا تلاقونه»[39].


 

  •  الاستتار: حده، ومزيته، والمشيرات الدالة عليه
  •   حد الاستتار

« إن الاستتار يعد من الحذف، إذ هو اختفاء عنصر من الجملة لا يتحقق معناها إلا بتقديره. وهذا العنصر هو ما يسميه النحاة بالضمير المستتر»[40]. هذا الأخير أي ” الضمير المستتر”،  هو« ما يكون خفيًّا غير ظاهر في النطق والكتابة؛ مثل: ساعد غيرك يساعدْك؛ فالفاعل لكل من الفعلين ضمير مستتر تقديره فى الأول: “أنت” وفي الثاني: “هو”»[41].

  • مزيته، والمشيرات الدالة عليه

   لا جرم أن الضمير المستتر « لا يحل محله اسم ظاهر يرتفع بعامله الذي في الجملة نفسها قبل أن يحل هذا الاسم الظاهر محل الضمير»[42]. « فإذا قال زيد. ” أضرب زيد عمرا”، فإن كلامه يكون غير صحيح؛ لأن كلمة” زيد” ليست معمولة( أي فاعلا) ل ” أضرب” الذي يعمل الرفع في الفاعل، ففاعله هو الضمير المستتر فيه، وإذا قال: ” أضرب أنا عمرا” تكون كلمة” أنا” توكيدا لفظيا للضمير المستتر.

   فالضمير المستتر ركن أساس في الجملة، ولا يتم معناها، إلا به، وهو في حكم الحاضر الملفوظ به مع أنه غير مذكور في اللفظ، ولا يسمى محذوفا»[43].

   علاوة على ذلك،  فالمستتر« لا وجود له في اللفظ، لا بالفعل، ولا بالقوة فأمره عقلي، إذ لا يمكن النطق به أصلًا، وإنما يستعيرون له المنفصل في مثل: قاتل في سبيل الله، فيقولون، إن الفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وذلك للتقريب. وبهذا يحصل الفرق بين المستتر والمحذوف. هذا إلى أن المستتر أحسن حالًا من المحذوف؛ لأنه يدل عليه اللفظ والعقل بغير قرينة فهو كالموجود، ولذلك كان خاصًّا بالعمد. أما المحذوف فلا بد له من القرينة»[44] .

   وتماشيا مع ما سلف، فقد« خص ضمير الرفع بالاستتار؛ لأنه عمدة يجب ذكره.(…) بخلاف ضميري النصب والجر فإنهما فضلة ولا داعي إلى تقدير وجودهما إذا عدما من اللفظ»[45].

   وينقسم المستتر إلى قسمين أساسين:

« أولهما: المستتر وجوبًا، وهو الذى لا يمكن أن يحل محله اسم ظاهر، ولا ضمير منفصل؛ مثل: إني أفرح حين نشترك في عمل نافع. فالفعل المضارع: “أفرح”، فاعله ضمير مستتر وجوبًا، تقديره: أنا. ولا يمكن أن يخلفه اسم ظاهر ولا ضمير منفصل، إذ لا نقول: أفرح محمد -مثلا- ولا أفرح أنا، على اعتبار “أنا” فاعلًا، بل يجب اعتبارها توكيدًا للفاعل المستتر الذى يشابهها في اللفظ والمعنى. كذلك الفعل المضارع: “نشترك” فاعله مستتر وجوبًا تقديره: “نحن” ولا يمكن أن يحل مكانه اسم ظاهر ولا ضمير منفصل؛ إذ لا نقول: “نشترك محمد” ولا نقول: “نشترك نحن” على اعتبار كلمة: “نحن” فاعلًا؛ لأنها لو كانت فاعلًا لوجب استتارها حتمًا. ولكنها تعرب توكيدًا لضمير مستتر يشابهها في اللفظ والمعنى.

وثانيهما: المستتر جوازًا، وهو الذى يمكن أن يحل محله الاسم الظاهر أوالضمير البارز؛ مثل: الطائر تَحَرّكَ. النهر يتدفق. فالفاعل فيهما ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو، إذ من الممكن أن نقول: الطائر تحرك جناحه، والنهر يتدفق ماؤه: بإعراب كلمتي “جناح” و”ماء” فاعلًا للعامل الموجود وهو: “تحرك” و”يتدفق”»[46].

    ومن أشهر مواضع الضمير المرفوع المستتر وجوبًا، ما يلي:

1- « أن يكون فاعلًا لفعل الأمر المخاطب به الواحد المذكر، مثل: أسرعْ لإنقاذ الصارخ، وبادرْ إليه. بخلاف الأمر المخاطب به الواحدة، نحو: قومي، أو للمثنى؛ نحو: قومًا، أو الجمع، نحو: قوموا، وقمن. فإن هذه الضمائر تعرب فاعلًا أيضًا، ولكنها ضمائر بارزة.

2- أن يكون فاعلًا للفعل المضارع المبدوء بتاء الخطاب للواحد؛ مثل: يا بُنَيَّ، أتعرف متى تتكلم ومتى تسكت؟ بخلاف المبدوء بتاء الخطاب للواحدة؛ مثل: تتعلمين يا زميلة، أو للمثنى بنوعيه، مثل: أنتما تتعلمان، أو للجمع بنوعيه مثل: أنتم تتعلمون وأنتن تتعلمن؛ فإن هذه ضمائر رفع بارزة، وبخلاف المبدوء بتاء الغائبة، فإنه مستتر جوازًا؛ مثل: الأخت تقرأ.

3- أن يكون فاعلًا للفعل المضارع المبدوء بهمزة المتكلم؛ مثل: أحُسنُ اختيار الوقت الذى أعملُ فيه.

4- أن يكون فاعلا للفعل المضارع المبدوء بالنون؛ مثل نحب الخير، ونكره الأذى، فنفوز برضا الله والناس.

5- أن يكون فاعلًا للأفعال الماضية التي تفيد الاستثناء؛ مثل: خلا، عدا، حاشا. تقول: حضر السياح خلا واحدًا – أو: عدا واحدًا – أو: حاشا واحدًا. ففاعل خلا وعدا وحاشا ضمير مستتر وجوبًا تقديره: هو.

6- أن يكون اسمًا مرفوعًا لأدوات الاستثناء الناسخة؛ “وهى: ليس، ولا يكون” تقول: انقضى الأسبوع ليس يومًا. انقضى العام لا يكون شهرًا. فكلمة “يومًا” و”شهرًا” خبر للناسخ، وهى المستثنى أيضًا. أما اسم الناسخ فضمير مستتر وجوبا تقديره: هو.

7- أن يكون فاعلا لفعل التعجب الماضي؛ وهو: “أفعَلَ”؛ مثل: ما أحسنَ الشجاعةَ. “فأحسن” فعل ماض للتعجب، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره؛ هو. “يعود على: ما”.

8- أن يكون فاعلا لاسم فعل مضارع، أواسم فعل أمر، مثل: أفّ من الكذب، “بمعنى: أتضجر جدا”. وآمينَ. “بمعنى: استجب.”

9- أو فاعلا للمصدر النائب عن فعله الأمر؛ مثل؛ قيامًا للزائر. فقيامًا: مصدر، وفاعله مستتر وجوبًا، تقديره: “أنت”؛ لأنه بمعنى: قُمْ»[47].

   مما سبق ذكره يمكن القول، إن الاستتار يكون إما واجبا وإما جائزا. فواجب الاستتار هو ما لا يحل محله الظاهر ولا يرتفع بعامله، ويكون في مواضع أشير إليها سلفا. في حين أن جائز الاستتار هو ما يحل محله الظاهر.

   كما يفرق بين المستتر والمحذوف بكون الأول لا يمكن النطق به أصلا، ذلك أنه لا وجود له في اللفظ، أما الثاني يمكن النطق به. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمستتر يختص بالعمدة، والحذف كثيرا ما يكون في الفضلات.

   يمكن، إذا، بعد تتبع هذه المفاهيم داخل مبحث علم النحو الخروج بما يلي:

   إن مصطلح الصمت داخل علم النحو، تم التركيز فيه على ثلاث مفاهيم أساس: الحذف، والإضمار، والاستتار.

   ولا بد من الإشارة إلى أن الحذف هو المفهوم الأعم بين هذه المفاهيم، غير أن بينها فروقا في الاستعمال.

   كما أن مصطلح التقدير يبقى مقابلا لكل منها؛ أي للحذف والاضمار والاستتار؛ ذلك أن في كل حذف أو إضمار أو استتار تقدير يبين الحكم الإعرابي، أو يوضح المعنى المرغوب، يتوخى رفع ما يوهم ضده.

   علاوة على ذلك، فالحذف مرتبط بإسقاط ما كان موجودا من الحركات أو الحروف أو الكلمات أو أكثر منها. شرط وجود دليل إما لفظي مقالي أو دليل حالي، لكي لا يلتبس المعنى.

   أما الإضمار، فهو ما ليس له صورة في اللفظ، أي أنه ينوى. في حين أن الاستتار، يعد من الحذف، غير أنه غير ظاهر مخفى، لكن الكلمة المذكورة تحوي معناه.

   ويمكن الإشارة إلى أنه يختص بالعمد، أي الضمائر، عكس الحذف الذي يكون في الفضلات.

   إلى جانب هذا، يمكن رصد بعض الاختلافات بين كل من الحذف النحوي والإضمار، فنقول:

   إن الحذف يكون فيه إشعار بالطرح والإسقاط. أما الإضمار ففيه إخفاء لا طرح. ومن ثم، فالمضمر غائب في السلسلة السطحية للكلام، ولكنه موجود في البنية العميقة له. أما المحذوف فغائب في البنيتين معا. هذا من جهة ما هو ظاهر.

ومن جهة أخرى، أي من جهة ضرورة الوجود في الكلام وعدمه، فالمضمر لابد منه، فشرطه بقاء أثر المقدر في اللفظ؛ أي أن المضمر يجب تفسيره. غير أن الحذف هو ما قد يستغنى عنه.


  • الهوامش:

[1] –  ابن جني: الخصائص، ج1/35.

[2]  – جورج متري عبد المسيح وهاني جورج تابري: الخليل معجم مصطلحات النحو العربي، نقلا عن عائشة جمعي: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 27.

[3] –  مخلوف بن لعلام: ظاهرة التقدير في كتاب سيبويه، نقلا عن عائشة جمعي: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 27.

[4]  – ابن أبي  الربيع: البسيط في شرح جمل الزجاجي، نقلا عن عائشة جمعي: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 27.

[5] – الزركشي أبو عبد الله بن بهادر: البرهان في علوم القرآن، ج3/102.

[6] –  سيبويه: الكتاب، ج1/24-25.

[7]  – ابن جني: الخصائص، ج2/362.

[8] –  ابن جني: الخصائص،ج2/ 362.

[9] –   الشكريوي عبد السلام : ظاهرة الحذف في اللغة العربية، ص: 174.

[10]  – جمعي عائشة: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 31.

[11]  – ابن جني: الخصائص، ج1/285-286، بتصرف.

[12] –  سيبويه: الكتاب، ج1/253.

[13]  -العلوي  شفيقة : نظرية تشومسكي في العامل والأثر، محاولة سبرها منهجا وتطبيقا، نقلا عن عائشة جمعي: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 32.

[14]  – ابن عصور الإشبيلي : ضرائر الشعر، ص: 87.

[15] –  نفسه: ص: 84.

[16] –  البقرة: 189.

[17] –  ابن جني: الخصائص، ج2/364.

[18]  – ابن هشام عبد الله: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج3/289.

[19] –  ابن هشام عبد الله : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ص: 820.

[20] –  ابن عصور الإشبيلي : ضرائر الشعر، ص: 183.

[21] –  ابن هشام الأنصاري: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ص: 847.

[22]  – نفسه: ص: 851-852، بتصرف.

[23]  – الفاكهي  جمال الدين: شرح الحدود النحوية، تقلا عن: عائشة جمعي: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 38.

[24] –  جمعي عائشة: الحذف النحوي عند سيبويه في ضوء النظرية الخليلية الحديثة، ص: 38.

[25] –  سيبويه: الكتاب، ج1/277.

[26]  -الزركشي  أبو عبد الله بن بهادر: البرهان في علوم القرآن، ج3/103، بتصرف.

[27] –  ابن جني أبو الفتح عثمان: اللمع في العربية، ص: 31.

[28] –  سيبويه: الكتاب، ج1/224.

[29] –  سيبويه: الكتاب، ج1/296.

[30] – نفسه: ج1/224.

[31] –  نفسه: ج1/263.

[32] –  نفسه: الكتاب، ج1/263.

[33]  – نفسه: ج1/255.

[34]  – نفسه: ج1/259.

[35] –  الزركشي: البرهان في علوم القرآن، ج3/104.

[36]  – ابن عصفور الإشبيلي : ضرائر الشعر، ص: 144-145، بتصرف.

[37] –  نفسه: ص: 149-150.

[38] –  نفسه: ص: 151.

[39] –  نفسه: ص: 155.

[40]  – الشكريوي عبد السلام: ظاهرة الحذف في اللغة العربية، ص: 210.

[41]  – حسن عباس: النحو الوافي، ج1/220.

[42]  – نفسه: ج1/228، الهامش.

[43] –  الشكريوي عبد السلام: ظاهرة الحذف في اللغة العربية، ص: 210.

[44] –  حسن عباس: النحو الوافي، ج1/220، الهامش.

[45] – الصبان أبو العرفان محمد بن علي: حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، ج1/169.

[46] –  حسن عباس: النحو الوافي، ج1/228.

[47]  – حسن عباس: النحو الوافي، ج1/229-230.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.