عودة غول الجبّ

0

أذكر وجود جبّ في آخر دهليز بيت عمتي الحاجة “زمزم” ، بيتها القديم الدار العربية المؤلفة من غرفتين و حمام و مطبخ و مرحاض و فسحة واسعة في المنتصف، دارها تلك كانت تقع أمام مدرسة “اليرموك” في حي “الكلاسة” الشعبي جنوبي حلب ، ففي ذاك الزمان – أواخر ستينات القرن العشرين – كان وجود الجبّ أو الصهريج كما يطلق عليه أهل حلب ضرورياً في كل دار عربية، و رغم عهدي به أول طفولتي مخزناً لحفظ الماء، إلا أنني لا أتذكره إلا كمقلب فضلات الطعام، كانت فوهة الجب مرتفعة بسور ظاهر عن مستوى أرض الدار نحو المتر، فلا يستطيع الأطفال الصغار مثلي وصولها و رؤية ما بداخل الجبّ، فقد غطّت عمتي الفوهة بقطعة خشب دائرية تحيط بها، و وضعت فوق الخشبة قطعة حجر كبيرة و ثقيلة، سألتها مرة :

• عمتي، لماذا تضعين الحجر فوق الخشبة، ألا تكفي الخشبة لمنع كشف الفوهة و خروج الروائح الكريهة من قلب الجبّ؟
ضحكت عمتي (و في المجاز ضحكت علي) و قالت لي بجدّ :

• الحجر ضروري لمنع “الغول” من الخروج برّات الجب!

• ليش الغول موجود في دارك يا عمتي؟

• نعم الغول موجود، لكن جدك “حج أحمد” (و هو زوج عمتي الذي ندعوه بالجد) حبسه داخل الجبّ، و كلما زاد شيء من طعامنا رميناه له كيلا يجوع و يخرج ليأكلنا.

• و كيف حبسه جدي في الجب؟

• جدك كما تعرف قوي الجسم شديد البطش، تظاهر بالنوم و انتظر قدوم الغول في ظلام الليل، و الغول و زوجته “الغويلة” عيونهما حمر، لا يبصران جيداً في الظلام، فلما اقترب الغول من فراش جدك، هجم عليه حج أحمد و أمسكه من رقبته و كاد يخنقه، توسل له الغول باسم النبي بأن لا يقتله و يتركه في حال سبيله، قال له جدك إذا تركتك حراً ستأكل غيري من الناس، لذلك سأحبسك في الجب، و أطعمك فضلات طعامنا، و أسقيك الماء القذر عقاباً لك.. و من يومها صار الغول رهن الحبس في الجب.

تناولت عمتي بقايا قشور البطيخ و بعض فضلات طعام الأمس، و قالت لي تعال معي شوف كيف سأرمي له الطعام في الجبّ، كنت أراها سابقاً ترمي فضلات الطعام فيه دون أن اهتمّ، لكن بعد سماعي لهذه القصة ثار فضولي، و جعلتني شديد الاهتمام بأمر غول الجبّ، قلت يا ولد اذهب مع عمتك فربما يُخرج الغول رأسه عندما ترفع الحجر و الخشبة عن فوهة الجبّ، و تكون فرصتك في رؤية الغول عن حق و حقيق لا مجرد تخيّل فحسب.

رافقت عمتي رغم خوفي الخفي و حذري الواضح، وقفت على بعد قرابة المتر من سور الجب، و أصغيت السمع و أمعنت النظر عندما رفعت عمتي غطاء الجب، و رمت فيه الفضلات مع قولها بصوت مرتفع :
(خذ كُلْ سمّ الهاري ان شاء الله).

حين سمعتها تقول تلك العبارة، تهيّأ لي أني رأيت وجه الغول المخيف ذي العيون الحمر!. و من حينها أصابني الرعب من غول الجبّ، و صرت أتحاشىٰ المرور بقربه.

كبرتُ على رواية عمتي الحاجة زمزم عن غول الجبّ ، و كبرت على حكايات أمي عن “الغويلة” ذات العيون الحمر، يا ما حكت لي و لإخوتي عن عجز الناس و خوفهم من أن يقولوا لها :

( يا غويلة عيونك حمر) *

عرفت و أدركت عدم صحة حكاية عمتي عن الغول المحبوس في الجب، و علمت بأنها اخترعت تلك الحكاية لتخويفنا من الاقتراب من الجبّ، و علمت أنها جعلتْ الجبّ بعد نضوب الماء منه، مقلباً لفضلات الطعام تجنباً لرميها في القمامة – فذلك حرام في عقيدتها – لا لإطعام الغول كما زعمتْ من قبل .

علمت أيضاً أن العيون الحمر صفة في الإنسان الغاضب ، و الغويلة مجرد كائن وهمي يشبه الإنسان المتوحش، و قد يكون الإنسان بعينه الحمراء هو الغول، و ما حكاية الغول و العنقاء و الخل الوفي إلا ضرباً من المستحيلات الثلاثة.

.. لكن يا رب من أين عاد الغول 👹؟.. بعلمي أنه محبوس في الجب، حبسه جدي و أطعمته عمتي، أما شبع من الولوغ في الدم السوري؟.. بعلمي أن الغيلان تظهر على شكل إنسان متوحش بعيون حمراء كلون الدم، و لا أحد يجرؤ أن يقول لها : يا غويلة عيناكِ حُمر!.

فمتى ينهض منّا ذاك الشجاع؟ و يصرخ في وجه ذاك الغول البشري ، و يقول :
يا غول عيناكَ حُمر!.


جهاد الدين رمضان
فيينا في ٤ أيلول / سبتمبر ٢٠١٩
*الغول و الغولة (أو الغويلة في لهجة دارة عزة ضيعتي) مخلوق خرافي يشبه الإنسان المتوحش لا وجود له إلا في حكايات الشعوب، و يقال فلان عيونه حمراء كناية عن غضبه من أمر ما، و مقولة أمي (ما حدا يغضر يقول يا غويلة عيونك حمر) كناية عن خوف الناس من قول الحق.
النص من مذكراتي و وحي أحداث اليوم، و الصورة ترمز للغول الجاثم على صدور السوريين.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.