منبرُنا

مجنون كلثوم

قيل: (ومن الحب ما قتل)، فإن لم يقتُل، فإنه يصيب المحب بالجنون، وغالباً ما ينسب المجنون باسم محبوبته، فيقال مجنون ليلى، ومجنون عَزّة، ومجنون كلثوم، الذي جُنَّ بالحب، ومات بالحب، فإليكم حكايته:
كل أهالي “دارة عزة” يعرفون “مجنون كلثوم” الملقب بـ “كانون”،

كذلك يعرفه معظمُ الدراعزة المقيمون في حلب، أمّا أنا فعرفته منذ كنت طفلاً يانعاً ألعب مع صبيان وبنات الحارة في “حي السكري” بحلب، إذ كان يزور أهلي وبعض الجيران الدراعزة باستمرار، لحظَ ميلي إلى اللعب مع إحدى بنات الجيران، فلقبني “عشيق فلانة الكذا” جزاءَ مضايقتي له.

لم أكن أعرف ما هو الحب والعشق والهيام آنذاك، ولم أكن أعرف أنه يودي بصاحبه إلى التهلكة، حتى اكتشفتُ ذلك بنفسي في شبابي.

أما سبب جنون كانون، فقد أخبرني شريك مغامراتي “خالد” عنه، قال لي أنه (كانون) كان يحب قريبته “كلثوم” حباً جماً، وكانت هي تصده وتزجره ولا تصله، مع ذلك عشقها وهام بها من شعر رأسه إلى مجامع شعوره، وللأسف انتهى صدّ كلثوم له، بزواجها من أحد أقربائها الأقوياء، الذي منعه من الاقتراب منها، وحرمه من مشاهدة وجهها الصبوح، فذهب عقله مع ذهابها إلى حلب للاقتران بزوجها القوي.

قلتُ لخالد بعد الاصغاء إليه:
لكن في نظري لا يبدو عليه الجنون كما تقول يا خالد، فثيابه الدرعوزية التقليدية التي يرتديها، ولهجته الدرعوزية التي يتكلمها، لا تعني أنه مجنون، فكثير من الرجال يرتدون الشروال والصدرية والجاكيت، ويضعون الحطاطة (الشاشية) على الرأس مثله، ويتحدثون بلهجتنا الدرعوزية في قلب مدينة حلب!

ابتسم خالد ابتسامة استهزاء وخبث، بحلق في عيناي وقال:
لا، ليست ثيابه ولهجته ما تجعل منه مجنوناً في عيون الناس، إذا كنتَ شجاعاً جرب أن تقول له: (كلثوم لا تحبك).

أخذني الحمق فقبلتُ تحدي خالد، قلت له بثقة فائضة:
سأجرب، وماذا فيها؟.. أنا لا أخاف منه.
ابتسم خالد مرة ثانية بخبثٍ خالصٍ، صمتَ برهة ثم قال:
قلها له يا بطل.. لكن، لكن اهرب من وجهه فوراً.
أردفت على الفور:

لماذا أهربُ كالجبان؟ سأقولها في وجهه دون خوف.
أدرك خالد أنني جادٌ في تنفيذ ما قلتُ، وأدرك مقدار الخطر الذي سيحيق بي، فنصحني لوجه الله قائلاً بجدٍ واضح من صوته:

أنا علي أنصحك، إذا لم تهرب منه، ابتعد عنه قدر الإمكان.. حالما يسمعك كانون سيجن جنونه ويبطش بك، ابن عمتي “محمد” أكل منه كفّ (صفعة)، ما زالت آثاره باقية على وجنته، وطعمه باقٍ تحت لسانه!
لم يكذِب خالد علي، ولم يخدعني، فعملتُ بنصيحته لما زارنا كانون بعد يومين، وقفتُ بعيداً عن متناول يديه، وقلت له بصوت مرتفع: (كلثوم ما بتحبك يا كانون، كلثوم ما بتحبك).

يا الله كيف تحوّل هذا الرجل البسيط الضعيف المسالم الهزيل، إلى ماردٍ فاتكٍ عنيد حالما نطقتُ بأول جملة، نهض من مكانه كالقرد المسعور وهجم علي، كاد يمسكني لولا أني اتخذتُ الاحتياطات اللازمة، وحافظت على مسافة الأمان، إذ تركت باب الدار خلفي مفتوحاً على مصراعيه، وتركتُ أمامي باب الاحتمالات مفتوحاً كذلك،

أطلقتُ ساقيَ إلى الريح حالما هجم عليَ، ومن خلال باب الدار المفتوح، وباب الاحتمالات المتوقعة الحدوث، وصلتُ إلى الشارع الآمن الفسيح لأستريح، بينما فتح كانون فمه على مصراعيه، وأخذ يطلق عليَ شتائمه من العيار الثقيل، مع التهديد بقصف جبهتي وسمعتي ب “التسجيل”، فالويل الويل لمن يقصفه بهذا السلاح الخطير!.


التسجيل هو السلاح الأول لكانون المجنون بحب كلثوم، ففي ذلك الزمان انتشر جهاز التسجيل على الكاسيت (المسجلة)، الذي حلّ مكان آلة التسجيل على الاسطوانات والبكرات، فكاد لا يخلو منه كل بيت، عَرِف كانون كيف يسخّر هذا الجهاز الجديد كسلاح صوتي فعال.

يثأر به من خصومه وأعدائه الكثر، يطلب من مضيفه أن يعطيه شريط كاسيت مستعمل أو جديد (فارغ أو مليء)، فهذا لا يهم لأنه سيسجل فوقه بصوته أسماء الخصوم المدرجة في جدوله الطويل، يقعد كانون على الأرض والسرور يطفح من وجهه وفمه وقلبه بعد أن يظفر بشريط الكاسيت،

يتخذ وضعية الاستعداد بمواجهة آلة التسجيل كمن يستعد للمعركة، وحالما يشغل المضيف زر التشغيل الأحمر، يبدأ كانون بإطلاق الكلمات رشّاً ودراكاً، فيقول بنغمة معينة: (فلان الفلاني في الأول والجدول، فلان الفلاني البخيل ما أعطاني شريط، فلان الفلاني الزنكين ما سقاني غلوة،

فلان الفلاني صفته نعته كذا وكذا في الأول والجدول، فلان الفلاني عشيق فلانة في الأول والجدول..)، ثم يطلب من مضيفه تسميعه ما سجله آنفاً، فيتمايل طرباً مع خروج الكلمات من مكبر صوت المسجلة، وتنتشي روحه من الشعور بالرضا والفرح والسلام التام.

هذا هو سلاح كانون الذي يعتبر من طلائع السوشيال ميديا في عصره، فبعد أن يقوم كانون بتسجيل أسماء خصومه وأفعالهم الناقصة على شريط الكاسيت، ويستعرض أسماء معشوقاتهم مع الألقاب الطريفة والصفات الخسيسة، يذيعه في كل بيت يزوره بحلب والضيعة، فيفضح الأعداء، ويثأر منهم بهذه الطريقة الفريدة.

في كل بيت يحل ضيفاً عليه، لا يسأل إلا عن شيئين: شريط كاسيت ليضيفه إلى مجموعته، وغلوة (مغلي الأعشاب) يشربها لتحسين صوته، أما الطعام والنقود، فيتناولها فقط إذا قُدمت له عن طيب خاطر بلا سؤال، فهو يأكل ما يعرض عليه إذا كان جائعاً بالفعل، ولا يسأل عن النقود طالما لا يشتري شيئاً ولا يدفع أجور المواصلات، لكنه يأخذها من الناس ويعطيها لأولاد إخوته وأقربائه.

ففي الطريق إلى حلب من دارة عزة وبالعكس، يركب الحافلة بالمجان، وضمن مدينة حلب، يركب باصات النقل الداخلي بموجب بطاقة “باص”، كنت أظنه يعني بها ورقة إعفاء، أو بطاقة اشتراك مجانية من مدير الشركة، لكن ذات يوم اكتشفتُ ما هي، فبعد دخولي المدرسة الإعدادية، سألني حين كان بزيارتنا:
ألا تجدد لي “الباص” يا جهاد؟

قلت له:
لا، لا يمكنني ذلك، فورقة الباص يجب تجديدها حصراً من شركة النقل الداخلي.
زمجر وقال:
لا، لا داعي لذلك، ألستَ تقرأ وتكتب في المدرسة؟
قلت له بلا تردد:

بلى، أعرف القراءة والكتابة بالتأكيد.. لكن لا أعرف كيف يمكنني أن أجدد لك الباص.
ابتسم كانون وأخرج من جيب شرواله الأسود كيس نايلون شفاف، فتحه وأخرج من محتوياته ورقة دفتر عادية مطوية عدة طيات، ممزقة الحواف، أصابها البُلى حتى كادت تختفي الكتابة من سطورها، ناولني إياها

وقال لي:  أكتب لي مثل ما ورد في هذه الورقة، على ورقة جديدة من دفترك، وبخط واضح.

نظرت إليها وقرأتُها بقلبي (لأنه أمي لا يعرف ماذا كُتِبَ فيها)، فوجدتُ كتابة بخط اليد تقول: (إلى من يهمه الأمر، حامل هذه الورقة رجل بسيط درويش على باب الله، يرجى مساعدته وقضاء حاجته لوجه الله، وجزاكم الله خيراً كثيرا.).

كتبت له مثلها بخط منمق جميل، وأخذت منه تعهداً شفوياً بعدم تسجيلي في الأول والجدول بعد اليوم، وبعدم نعتي بلقب “عشيق فلانة الكذا” بنت فلان، ثم تصافحنا بالأيدي، وشربنا “الغلوة” على شرف عقد الصلح وعهد السلام.


المرحوم كانون لم يتعدى على أحد، ولم يتطاول على أحد إلا في باب الرد على الإساءة، فكم ضايقه الكبار والصغار، وكم أثاروا جنونه بقولهم الجارح: (كلثوم لا تحبك)، أو يقول قائلهم بصوت مسموع: (أم كلثوم لا تحب شهر كانون)، فيغضب ويجن.

كم سقوه المسهّلات بدل الزهورات، وكم ضربوه بالحجارة وبالأيدي، كم هددوه بانتقام زوج محبوبته كلثوم القوي، فقد كان يخافه، ويكره سيرته، ويرتعد من ذكر اسمه.

كل هذا الجور والظلم والتعدي على كانون، كان يقابله بالشتائم والتسجيل (والضرب إذا استطاع إليه سبيلا)، لم يكن مؤذياً مثل غيره من مجاذيب دارة عزة، ولم يشكل أدنى خطر على الناس، كان عاقلاً أميناً صريحاً لا يعرف الكذب ولا يكتم السر، فهو الذي ليس له صبرٌ، ويُذاع له السر بسهولة متناهية،

فإذا أراد أحدهم تسريب خبر ما، أو إفشاء سر، أو هتك عرض عدو، يقوم بترديد ما يريد على مسامع كانون، الذي يتكفل – بتسجيلاته الصوتية – بتداولها على ألسنة الناس.

كانون لا يرمي الناس بالحجارة والطوب مثل بعض المجانين الخطرين، لا يغلق طريق البازار بالحجارة والقراقيع، لا يخرّب عربات الباعة في السوق ولا يتلف بضائعهم، لا يمد يده بالأذى مطلقاً، ولا يمد يده على شيءٍ لا يخصه أو لم يُعطَ له.

بل كان يمد يده لمساعدة الآخرين، ويعطيهم ما في جيبه من حلوى ونقود.
انقطعتْ أخبار المرحوم كانون، بانقطاع الطرق والقرى والمدن السورية عن بعضها البعض بعد ربيع عام ٢٠١١، عاش حياته مجنوناً بحب قريبته كلثوم، وقيل مات قهراً إثر القصف الوحشي المجنون على وطنه الصغير (دارة عزة)، أوَ ليس حب الوطن قتّالٌ مجنون؟.


في فيينا ١ شباط/فبراير ٢٠٢٣

جهاد الدين رمضان

جهاد الدين رمضان، محامٍ وكاتب مستقل من سوريا. مُقيم في النمسا حالياً بصفة لاجئ. أكتب القصة القصيرة والمقال ومُجمل فنون أدب المدونات والمذكرات والموروث الشعبي. نشرتُ بعض أعمالي في عدد من المواقع ومنصات النشر الإلكتروني والصحف والمجلات الثقافية العربية. لاقت معظمُها استحسانَ القراء و لفتت انتباه بعض النقاد لما تتسم به من بساطة في السرد الشيق الظريف و أسلوب ساخر لطيف؛ مع وضوح الفكرة وتماسك اللغة وسلامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى