منبرُنا

تأملات في عصر سيطرة التفاهة

يكتب ألان دونو أستاذ الفكر النقدي في العلوم السياسية في جامعة مونتريال ـ كندا، في مستهل كتاب «نظام التفاهة»: ضع عنك تلك المؤلفات المعقدة، لأن دفاتر الحسابات سوف تفي بالغرض. لا تكن مزهوا بنفسك ولا حصيفا، بل ولا في دَعَة، قد تبدو متغطرسا.

الْجَم غلبة شهواتك، إنها مخيفة. وقبل كل شيء لا تُدلِ بأدنى «فكرة حسنة»، إن مِمْزَقة الأوراق تطفح بأمثالها مسبقا. تلك النظرة الثاقبة المخيفة، وسِعها ولتكن شفتاك مسترخيتين ـ يجب أن تفكر برخاوة وتُظهِر ذلك، وتتحدث عن نفسك بتحقيرها إلى قدْر لا يؤبه به: ينبغي أن تُسهل على الغير وضعك في خانة.

لقد تغيرت الأحوال. لم تسقط قلعة الباستيل، ولا ثمة ما يشبه حريق الرايشتاغ، ولم تطلق في الفجر رصاصة واحدة بعد. ومع ذلك فإن الهجوم قد تم حقا وحقيقة، وتكلل بالنجاح: لقد استولى التافهون على السلطة.


أين تكمن مقدرة التافه الرئيسية؟ في تعرُّف تافه مثله. هكذا يعملان معا بمبدأ: أضئ لي أقدح لك، وبيِّن لي أجبك، حتى تقوى شوكة جماعة عددها في ازدياد، إذ لن يطول بهما الأمد في حشد أمثالهما إليها. ليس المُهِم تجنب السَخافة، بل جعلها تكتسي صور السلطة. (ألان دونو، «نظام التفاهة» لوكس، كندا، 2016).


يبدو التفكير اليوم غريبا في صحراء قاحلة لا ماء فيها وهو مهدد بالموت جوعا وعطشا ولا أحد من العابرين حوله يرغب في نجدته

لقد أصبحت ثقافة التفاهة تسيطر على الحياة اليومية للبشر وتأخذ من جهد عقولهم الكثير فتجد الناس يقضون أغلب ساعات أعمارهم في جدال ونقاش وخصام أحيانا حول أجمل قميص وأفضل حذاء رياضي وآخر صيحات الموضة الرجالية والنسائية والشبابية وأجمل طلة يمكن أن تقدم بها نفسك للناس وأجمل بقرة في العالم وأفضل ثور وما هي أحلى نظرة للمعز وتقام الحلقات النقاشية والأمسيات الطويلة في التلفزات حول العالم لمناقشة ذلك.

ويجتمع كبار خبراء عيون المعز للتناظر حول أحلى نظرة ويصوت الجمهور لاختيار المعزة ذات العيون الجميلة صاحبة النظرة الحالمة معبودة الجماهير ويطاف بها حول العالم ويكسب من خلفها مالكها آلاف المليارات من التفاهة المنتشرة في عالم اليوم. إن التافهين أصبحوا قدوة للأجيال القادمة حتى أصبح العالم مهددا بتأبيد سلطة التفاهة.


إن نظام الرداءة والتفاهة يسمح لإنسان تافه وجاهل بأن يتاجر في المخدرات، ويعمد إلى تبييض أمواله، فيبني مستشفى يُشغل فيه الأطباء، أو يُشيد مدرسة أو جامعة تُشغل مدرسين وأساتذة، أو يُنشئ مقاولة يُوظف فيها مهندسين، فيغدو هذا التافه النكرة رمزا وقدوة في المجتمع، لا بل صاحب الرأي والمشورة والسلطة والقول؛ أمرا ونهيا.

كما بين ألان دونو. بل ويصبح أيضا صاحب السيادة في الدولة ويوجه ثقافة المجتمع مع زمرة من الإعلاميين التافهين حتى يحقق التطبيع بين الفساد والمجتمع لدرجة تصبح فيه الفضيلة خطيئة تستوجب العقاب والخطيئة فضيلة الفضائل. وتغدو الطيبة حمقا والخبث عبقرية وذكاء.


لقد سيطرت التفاهة على العالم حتى أصبح الحديث عن الثقافة ضربا من العبث العقلي في العصر الراهن فالإنسان الحالي لا رغبة له في التأمل والتفكير ولا وقت له لذلك فلقد حاصره التافهون من كل حدب وصوب بالمشاهد وحاصروه بالصور حتى أصبحت الصورة هي الوسيلة الوحيدة للتفكير وأصبحت الكتابة غريبة في العصر الراهن وغدت الكلمات مشردة تبحث لها عن مأوي بين الأنامل فلا تجد. فقد احتلت الصورة كل المواقع.


  • هل لا يزال للفكر مكان في عصر التفاهة؟

يبدو التفكير اليوم غريبا في صحراء قاحلة لا ماء فيها وهو مهدد بالموت جوعا وعطشا ولا أحد من العابرين حوله يرغب في نجدته. لا أحد يريد أن يزعج نفسه بالتفكير فالتفكير يمثل مصدر ازعاج للجميع. الكل يتجنب التفكير مثلما يتجنوا مرضا خبيثا.

لقد قرروا وضع التفكير في الحجر الصحي خشية إصابة المجتمع بعدوى التفكير. فالتفكير كالفيلسوف يمثل تهديدا ليقين المجتمع الذي أسسه التافهون.

عندما نقول إن الإنسان مسؤول عن نفسه لا نعني أن الإنسان مسؤول عن وجوده الفردي فحسب بل هو بالحقيقة مسؤول عن جميع الناس

وأنت تشاهد في كل يوم أي قناة تلفزية لا تجد متصدرا أمامك إلا أحد التافهين كمنشط أو محلل لا يفقه شيئا في المجال الذي يحلله ولكن المشهدية تحوله إلى اينشتاين عصره في ذلك المجال وتصبح كلماته قولا مقدسا لا يأتيه الخطأ من أي جهة قيل بها.

بل أصبح هؤلاء يتصدرون السلطة فنجدهم في كل المجالس. إنهم مهرجي العصر الراهن. نجوم المجالس النيابية. لقد تحولت الفضاءات السياسية إلى خيمة سرك كبيرة ينشطها التافهون. إنهم يزحفون كل يوم نحو المزيد من المواقع حتى أصبح الإنسان المفكر مهددا بالانقراض.. إننا بدأنا نعيش عصر انقراض التفكير.


لم يعد أحد يحلم بالمعرفة بل لو سألت أي طفل سيجيبك أن حلمه سيارة فاخرة وفتاة جميلة وبيت على البحر وحسابات بنكية فيها أموال لا تنتهي وليس مهم مصدرها فالمال مقدم على كل القيم والسلطة أيضا فهي حلم الجميع ولكن يريدونها سلطة بلا عقل ولكن بها كل المال.

لم تعد السلطة تطلب لتقدم وازدهار المجتمع بل لتقدم وازدهار الذات. إن المصلحة الشخصية هي المحرك الحقيقي لطالبي السلطة. أما مصلحة المجتمع فلا تهم إلا بقدر تحقيقها للمصلحة الشخصية.


في النهاية إن التحرر من سيطرة التفاهة مسؤولية الجميع إذا ما أرادوا انقاذ الإنسان الأخير. فالمسؤولية عن انقاذ الذات هي في النهاية مسؤولية عن انقاذ الكل فعندما نقول إن الإنسان مسؤول عن نفسه لا نعني أن الإنسان مسؤول عن وجوده الفردي فحسب بل هو بالحقيقة مسؤول عن جميع الناس وكل البشر كما يقول سارتر.


المصدر

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى