جامعات تُدرّس المستقبل بأدوات الماضي
في زمن تتسابق فيه الجامعات العالمية نحو الذكاء الاصطناعي، والمكتبات الرقمية، وقواعد البيانات الذكية، ما تزال بعض الجامعات العربية حبيسة أدوات القرن الماضي. جامعات تستثمر الملايين في المباني، لكنها تبخل على عقول طلبتها بأنظمة بحث حديثة، إذ مازالت بعض مكتبات وخزانات الكليات تستعمل “الجذاذة الورقية” كوسيلة لوصول الطالب إلى بعض المراجع والكتب.
الجامعة التي ما تزال تعتبر الاستمارة الورقية بوابة للعلم، لا يحق لها أن تشتكي من ضعف البحث العلمي، ولا من هجرة الطلبة نحو منصات خارجية، ولا من تراجع تصنيفاتها الدولية. فالبحث لا يزدهر في بيئة تُضيّع وقت الباحث في طوابير وخزائن مغلقة، بل في فضاء رقمي مفتوح، سريع، ذكي، يضع المعرفة على بعد نقرة.
المشكلة ليست في قلة الموارد دائما، بل في غياب الرؤية. هناك جامعات فقيرة ماديا لكنها غنية رقميا، وأخرى غنية في ميزانياتها وفقيرة في خيالها التربوي. والفرق بينهما أن الأولى فهمت أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في النظام، وفي الأداة، وفي عقل الطالب.
من يصرّ على إدارة مكتبة جامعية بعقلية الموظف لا بعقلية المهندس المعرفي، عليه أن يقبل بنتائج هذا الخيار: طلبة ينفرون من المكتبة، باحثون يبحثون في غوغل أكثر مما يبحثون في مؤسساتهم، وجامعة تتحول من فضاء إنتاج معرفة إلى فضاء استهلاك شهادات.
الجامعة التي لا تحدّث أدواتها، لا تحدّث عقول طلبتها. والجامعة التي لا تؤمن بأن الزمن الرقمي يفرض منطقا جديدا للبحث والتعلم، ستبقى تدرّس المستقبل بأدوات الماضي… ثم تتساءل: لماذا تخلّفنا؟













