سرّ الإبداع.. أين يكمن ؟

0

 

العلاقة بين حياة الأديب وإبداعه، علاقة شائكة، لا يستطيع المرء أن يجد إجابة واضحة على السؤال الذي يُطرح حولها باستمرار، وحين نقول: حياة، نعني مجمل التّجارب التي يعيشها الكاتب في حياته، وتشكِّل بالتالي النبع الذي يغرف منه عوالم أدبه. ولا يختلف اثنان على مدى أهمية التجربة الساخنة التي يحتاجها المبدع، لكي يختبر ذاته في تفاعلها مع هذا الكون الذي يحيط به، ويختبر الكون أيضا. لكن هذا الاتفاق، على ما فيه من دقّة، ليس قاطعًا إذا تأمّلنا مسيرة الكتابة ومسيرة المبدعين في خلال القرن الماضي مثلا.

فمن حياة هنري ميلر وديلان توماس الصاخبة، وبوح بابلو نيرودا الجميل في (أعترف أنني قد عشت)، إلى حياة لوركا الخاطفة الهادئة، ومن حياة نجيب سرور وخيري شلبي ومحمد شكري الشائكة، إلى حياة كتّاب تبدو أشبه ما تكون بروتين يومي؛ وبين الحالتين مسافة كبيرة، ولكننا أمام كتّاب مبدعين في حالتَي الصخب والهدوء. ومن أسفار هرمان هيسه وماركيز وفوينتس وهمنجواي، إلى حالات كثيرة، لعل نجيب محفوظ أبرزها، نجد أن كاتبا ما لم يغادر بلده أبدا، وإذا ما غادره فإن سفره يكون قصيرا ومرتبكا، كما لو أن العالم كله وراءه لا أمامه.

ومن الأعمار الطويلة المليئة بالإبداع لكتاب مثل جورج أمادو، رافائيل البرتي، إلى أعمار لم يتجاوز أصحابها الأربعين، أو الثلاثين، حين ماتوا مثل بوشكين، السياب، غسان كنفاني، لوتريامون وبورشرت وطرفة بن العبد؛ تُطرح مسألة التجربة بحدّة، فالذي عمّر أعطى كثيرا، والذي مات مبكرا أعطى أضعاف ما يمكن أن يُعطي كاتب في الحالات الطبيعية.

ومن التحصيل العلمي في أعلى مستوياته لمبدعين عالمين كبار، وعرب أيضا، إلى أقل قدر من التعليم ناله بعض الأدباء، ولكن الإبداع هو السيد في الحالتين. ومن كاتب يُعطي في بدايات شبابه أعظم وأجمل ما أعطاه في حياته كلها، مع أن عمره امتدّ وازدادت تجربته غنى وتنوّعًا وعلمًا وحكمة، لكنه لا يعطينا في النهاية حصادًا بحجم خبرته وحكمته. المسألة شائكة هنا.

يصف صلاح عبد الصبور حياة إليوت، أحد أكبر شعراء الإنجليزية والعالم في القرن الماضي وأكثرهم حضورا وتأثيرا فيقول: (هي سيرة هادئة أقرب إلى الفتور، لن نجد فيها ذلك اللهيب الرّومانتيكي الذي اصطبغت به سيَر أعلام الشعراء في القرن التاسع عشر. ليست في هذه السيرة صبوات غرام جامح… يستمدّ الفنان من وطأته انفعاله وتعبيره. وليست في هذه السيرة وقائع مدوِّية تستدرّ الدّموع أو تستدرّ النقمة، وتصطبغ بلون الدم.. بل وقائع هذه السيرة كتابة قصيدة أو مقال.)

ما هو السرُّ في أعمال هؤلاء المبدعين الكبار أذًا؟ وكيف تتحوّل أعمالهم الإبداعية إلى سيَر فذة لهم؟ وأين يكمن النبع الذي ينهلون منه إبداعهم؟ وأية إجابة قاطعة لا تقبل الشكّ يمكن أن تقال لأديب ناشئ لكي يضع قدمه على الطريق الصحيح؟ لا يوجد طريق صحيح واحد في هذا المجال، حتى لكأنّ كل الطرق يمكن أن تؤدّي إلى الإبداع الكبير، وكلّ الطرق مجتمعة من الممكن ألا تؤدّي إلى شيء.

كانت النصيحة الذهبية العربية القديمة التي توجّه للفتى الذي يريد أن يصبح شاعرا هي: (احفظ ألف بيت من الشعر ثم انس ما حفظت.) ولكن قراءة كل شعر العالم أحيانا، لا تستطيع أن تنجب قصيدة واحدة مبدعة. كما لو أن سرّ الكتابة المبدعة في الكتابة ذاتها. فالكاتب خارج قصيدته أو قصّته متفرج، إلى أن يبدأ الكتابة، فإذا به هو الذي يُكْتَب، والكتابة هي الكاتبة في أقصى حالات تجلّيه الصادقة الصّافية.

في كتابات هرمان هيسه تظهر واضحة فلسفات الشرق الذي خبره وعاشه بعمق شديد، وفي كتابات رسول حمزاتوف ذلك الحسّ الشعبيّ العارم الذي يُقطِّر الحكمة من دروب الحكايات والأشعار القروية، وفي كتابات سارتر ومالرو وأراغون وامبرتو إيكو عالم غني بالفكر والفلسفة ومقارعة العالم.

هل يمكن أن نقول إذن، إن ثمة نوعا من الكُتّاب حياتهم فيهم، وإنهم امتلكوا تلك القدرة الهائلة على اكتشاف مسيرة الحياة الإنسانية، ينابيعَ وكهوفا، صحاري، وجبالا، وأنهارا وبحارا، وكائنات طيبة متمردة بتوحّشها وبألفتها فيهم؟ وإن ثمة من لم يجد سوى آثار قليلة من تلك الحياة الكامنة فيه فراح يجوب الأرض ليجمع أطرافها ويُسكِنها بين أضلاعه؟

غريب عالم الإبداع، بسيط في آن، ويدعو للدهشة. كيف يكتب واحد مثل نجيب محفوظ حوالي خمسين رواية، خمسين عالما، وهو لم ير من العالم بوضوح غير القاهرة؟ أين تختبئ تلك الشبكة العملاقة من الحيوات، وكيف تتفجر متألقة؟ وكيف ينشق هذا الهدوء، وهو هدوء ظاهري حتما، ويُعطي بامتياز كل هذا الألق الذي تخفيه الأعماق؟

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.