كلود ليفي شتراوس – Claude Lévi-Strauss

0

 

يُعد كلود ليفي شتراوس أحد كبار علماء الأنثروبولوجيا ومن رواد المدرسة البنيوية، بلجيكي المولد، فرنسي الأصل والجنسية. درس علم الاجتماع في الجامعة البرازيلية بساو باولو، وقد ساعده مكوثه هناك لمدة أربع سنوات بين 1935 و 1939 على فحص نمط العيش لدى قبائل “البورورو”، وبالتالي تطوير نظريته في “علم الأساطير”.

ولد ببروكسيل عام 1898، وتوفي بباريس سنة 2009، حيث قضى القسط الأكبر من عمره باحثاً في المجتمعات البدائية، دارساً لطرق عيشها وأنماط تفكيرها وتطور علاقاتها، ليكتشف تفاعلات الوعي لديها وتمثلاته في السلوك. وقد نشر معارفه وحصيلة تجاربه الميدانية في مؤلفاته المتخصصة والعديدة، من أبرزها “الأبنية الأولية لعلاقات القرابة” عام 1949، و”المدارات الحزينة” عام 1955 و”الأنثروبولوجيا البنيوية” عام 1958.

هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبالضبط إلى نيويورك بعد زحف الجيش النازي على فرنسا واقتحامه باريس عام 1940 وما رافق كل ذلك من حملات إبادة ممنهجة في صفوف اليهود؛ وهناك اشتغل مدرساً في جامعة “New School of Social Research” منذ عام 1941، حيث تعرف هناك على رواد العلوم الإنسانية الأمريكيين، وعاد بعد تحرير فرنسا، عام 1945، للعمل بجامعة السوربون وكوليج دي فرانس كما انضم للأكاديمية الفرنسية.

وسيعرف كلود ليفي شتراوس شهرة عالمية، لأنه، كرس ذاته للتعميم، حينما أدخل البنيوية في الأنثروبولوجيا.

يعود شتراوس إلى الإنسان البدائي لتقديم مذهبه البنيوي، لأن هذا الإنسان باعتماده الأسطورة؛ فهو يستند على نظام خاص من المعارف الرمزية والإشارية في تدبر حياته والتجاوب مع متطلبات محيطه، ومن تم مركزية الأسطورة في فكره.

حيث اهتم كلود ليفي شتراوس بدراسة الأساطير وتحولاتها ليبيّن، كما يقول محمد مخلوف، كيفية محافظتها على بناها الأساسية، ويجيب على سؤال: “كيف أن العقل البدائي ينتج البنى الأسطورية نفسها، حيثما كان؛ الأمر الذي يفسّر وجود أساطير متشابهة”، رغم تباين المواقع الجغرافية لتلك الأساطير مع “أشكال السلوك والممارسة نفسها”.

اهتم كلود ليفي شتراوس بدراسة الأساطير وتحولاتها ليبيّن كيفية محافظتها على بناها الأساسية، ويجيب على سؤال: “كيف أن العقل البدائي ينتج البنى الأسطورية نفسها، حيثما كان؛ الأمر الذي يفسّر وجود أساطير متشابهة

ويقول شاكر عبد الحميد عن شتراوس إنه “يركز على الكشف عن العلاقات التي توجد بين كل الأساطير”، التي أصبحت “موضوعات أساسية في تحليله البنيوي الذي استهدف الكشف عن الأبنية الموحدة لهذه الأساطير”؛ أي تجلي هذه الأبنية الموحدة من خلال “عملية تحليل الأسطورة، بالكيفية التي ينبثق بها الفكر اللاواعي في الوعي، خلال عملية التحليل النفسي، ولذلك يغدو الكشف عن هذه الأبنية نوعا من أنواع التحليل النفسي والثقافي”.

ويلخص شاكر عبد الحميد آراء شتراوس في الأسطورة بالقول إن معنى الميثولوجيا “لا يكمن في العناصر المنعزلة التي تدخل في تكوين الأسطورة، ولكن في الطريقة التي يتم بها تركيب هذه العناصر”، وأن اللغة هي مجرد جزء فقط من الأسطورة، وأنها تظهر في الأسطورة من خلال “بعض الخصائص النوعية الخاصة” ، وأن “هذه الخصائص النوعية يمكن أن توجد فقط فوق المستوى اللغوي المعتاد؛ أي إنها تكشف عن ملامح أكثر تعقيداً من تلك التي يمكن أن توجد في أي نوع آخر من التعبير اللغوي”.

يصف المفكر المصري عبد الوهاب المسيري فلسفة ليفي شتراوس والبنيوية عموماً، التي ارتبطت باسمه وتطورت تحت تأثير أفكاره ومناهجه، “بأنها شكل من أشكال وحدة الوجود المادية”.

ويعرفها بأنها “فلسفة لا عقلانية مادية تشكل ثورة ضد الوضعية وضد تشيؤ الواقع واللغة (والتمركز حول الموضوع) وتحاول في الوقت نفسه ألا تسقط في الذاتية (والتمركز حول الذات)”. ويضيف أنها تدَّعي تجاوز “الميتافيزيقا، ولذا فهي ترفض الوجودية والفكر الإنساني الهيوماني بشكل عام”.

وعلى الرغم من رفض البنيوية للهيومانية؛ أي لفكر الأنسنة، فإنها هي الأخرى متمحورة حول مركزية الإنسان، وهو التناقض الذي رصده المسيري في دراسته لها، لأن الطبيعة البشرية بحسبه تتخذ أحياناً في الفكر البنيوي كمعيار ومرجعية نهائية، وهو ما يتبين من حديث ليفي شتراوس “عن رغبة البشر في التواصل، باعتبار أن هذه الرغبة إحدى سمات الإنسان الأساسية، وهي رغبة تعزله عن عالم الطبيعة/ المادة وتخلق مسافة بينهما”.

كما أن هذه الرغبة في التواصل تتبدَّى “في واقع أن الإنسان ينتج أنظمة إشارية”، وأن “الإنسان البدائي، رغم بدائيته وبساطته، لا يبحث مثل الحيوان عن طعامه وحسب (كما يتصور النفعيون) ولا يبحث عن لغة طبيعية نفعية مباشرة (كما يتصور الوضعيون)، وإنما يبحث دائماً عن رموز وإشارات للتواصل ولتفسير العالم”. فهذا الإنسان، عندما “يجد شيئاً لا يسأل «هل هذا الشيء صالح للأكل” كما يفعل دعاة النفعية المادية، بل يسأل “هل هو صالح للتفكير من خلاله” أو هل هو “صالح لاستخدامه رمزاً”.

ويؤكد المسيري على ظهور النزعة الإنسانية لدى ليفي شتراوس في قوله: “إن للعقل الإنساني وظيفة رمزية وإنه يتسم بالقدرة على توليد دوال أكثر من عالم المدلولات، إذ إن الإنسان يجد أن العالم ليس مفعماً بما فيه الكفاية بالمعنى، وأن العقل يحوي من المعاني ما يفوق ما يوجد في الواقع من أشياء”.

وهنا يعتبر المسيري هذه الفكرة “هي طريقة ليفي شتراوس في الحديث عن أسبقية الإنسان على الطبيعة”، وأنه ذهب إلى “أن مشكلة الإنسان الحديث هي أنه قد قمع هذا الاتجاه في العقل الإنساني نحو توليد الرموز والإشارات”.

يؤكد المسيري على ظهور النزعة الإنسانية لدى ليفي شتراوس في قوله: “إن للعقل الإنساني وظيفة رمزية وإنه يتسم بالقدرة على توليد دوال أكثر من عالم المدلولات، إذ إن الإنسان يجد أن العالم ليس مفعماً بما فيه الكفاية بالمعنى، وأن العقل يحوي من المعاني ما يفوق ما يوجد في الواقع من أشياء”

كما يتحدث المسيري عن نمط التمركز حول الذات الذي يؤدي إلى التمركز حول الموضوع، غير أن “التمركز حول الموضوع سيأخذ في حالة البنيوية شكل التمركز حول البنية”؛ والبنية كما يعرفها “تُستخدَم في علم اللغة البنيوي للإشارة إلى المنهج الذي يدرس السمات اللغوية المختلفة لا كتفاصيل في حد ذاتها، وإنما كجزء من بنية عامة”.

لقيت البنيوية نقداً لاذعا من جانب التيار الهيوماني أو الأنسنة (humanism)، وقد سجل المسيري اعتراضاتها على البنيوية في عدد من النقط منها تجاهل التحليل البنيوي للواقع المادي والإنسان الفرد، مادام يرمي إلى إلغاء الذات الفردية أو على الأقل إزاحتها عن مركز الكون، وميل النموذج البنيوي “نحو التجريد المخل الذي يُسقط التجربة الإنسانية المتعيِّنة” واهتمامه “بشكل متطرف بقواعد البنية دون مضمونها”، كما أن البنيوية، خاصةً التي يمثلها كلود ليفي شتراوس، تعادي التاريخ وتَغرق في تجريدات شكلية تنصب على حضارات بدائية.

كما لقيت البنيوية انتقاداً مماثلا من جانب أنصار ما بعد الحداثة، الذين يحاولون التحرر تماماً من مفهوم الإنسان ومركزيته، بحسب المسيري الذي حدد مواقع النقد لديهم في كون “البنية ليس لها وجود مادي، وإنما هي كامنة في العقل الجمعي للإنسان وفي بنية هذا العقل ذاته”، فهي بهذا المعنى “ذات وجود ميتافيزيقي سابق على الواقع المادي”، وأيضا معاودة الموضوع الإنساني للظهور، رغم زعم البنيويين اختفاءه، بل إن المشروع البنيوي بأسره ليس سوى “محاولة لتطوير مفهوم الإنسان وتأكيد لمقدرة البشر على الترميز والتواصل”.

كما انتقدها تيار ما بعد الحداثة في محاولتها نفي الأصول الربانية والإنسانية للإنسان، وهو ما شرحه المسيري، بجعل البنية (بديل المادة) هي الأصل، غير أن “البنية (مثل المادة في الفلسفات المادية القديمة) تتسم بشيء من الثبات، ولذا فهي ميتافيزيقا مادية”. وأعاب هذا التيار عليها أيضا سقوطها في الثنائيات المتعارضة، واحتفاظها بالثنائية، باعتبارهـا طبيعية وحتمية وذات دلالة، ومن هذه الثنائيات “جسد/عقل ـ داخل/خارج ـ كتابة/قراءة ـ حضور/غياب ـ مكان/زمان ـ حرفي/مجازي ـ ذكر/أنثى”، وقد علق المسيري على هذا القول بأن “افتراض مثل هذه الثنائيات يعني تجاوز الصيرورة وعالم الحس المادي المباشر”.

  • من مؤلفاته

– الحياة العائلية والاجتماعية لهنود النامبيكوارا . (1948)(La vie familiale et sociale des Nambikwara)

– البنى الأولية للقرابة(1949).(Structures élémentaires de la Parenté)

-العرق والتاريخ. (1952) . (Race et Histoire) .

-مداريات حزينة. (1955) . (Tristes trópicos) .

-الأنتروبولوجيا البنيوية(ج.1) . (1958) . (Antropología estructural).

-ملحمة اديسواي . (1960) . (La Geste d’Adiswai).

– الطوطمية اليوم . (1962) . (Le Totémisme aujourd’hui).

– الفكر البري . (1962) . (La Pensée Sauvage).

-أسطوريات(مج.1) الني والمطبوخ . (1964) . (Mythologiques: Le Cru Et Le Cuit).

-اسطوريات(مج.2) من العسل إلى الرماد . (1966)أو (1967) . (Du Miel Aux Cendres).

-أسطوريات(مج.3) اصل اداب المائدة . (1968) . (L’origne Des Matiéres de Table).

-أسطوريات(مج.4) الانسان العاري . (1971) . (L’homme Nu).

-الأنتروبولوجيا البنيوية(ج.2) . (1973) . (Antropología estructural).

-الأسطورة والمعنى . (1978) . (Mito e Significado).

-طريق الاقنعة . (1979) . (La Voie Des Masques).

-النظرة من بعيد . (1983) . (La Regard Eloigné).

-الخزافة الغيورة . (1985) . (La Potiere Jalouse).

-من قريب ومن بعيد . (1988) . (De Perto e de Longe).

-تأريخ الوشق . (1991) . (Historia de Lince).

-ينظر يقرأ يسمع . (1993) . (Régarder écoulter Lirre).[9]

  • جوائزه

 حصل على جائزة أبي واربورغ عام 1996.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.