خزانة المسجد الأعظم في المغرب
- تأسيسها وتاريخها العريق
تُعد “خزانة المسجد الأعظم” في المغرب واحدة من أقدم وأهم المكتبات التاريخية في البلاد. تأسست هذه الخزانة لأول مرة في عهد الدولة الموحدية، وكانت تهدف إلى حفظ كتب القاضي عياض، وعلى رأسها كتابه الشهير “الشفا“. أعيد تأسيس الخزانة وتجديدها في عهد السلطان المريني أبو عنان فارس عام 757هـ، تكريمًا لحفظ كتاب “الشفا” وتجسيدًا لقيمة العلم في تلك الفترة.
تزامن هذا التجديد مع انتهاء تأليف كتاب “تحفة النظار” لابن بطوطة، والذي اكتمل في نفس العام. وقد وثقت هذه الحقبة بأبيات شعرية محفورة على جنبات إطار باب الخزانة القديم، جاء فيها:
لي منزل بين الخزائن شامخ
قد خص من بيت الإله بمنزل
حفظًا لمجموع الشفا عن
أمر الخليفة فارس المتوكل
في عام سبع بعد خمسين انقضت
ومئين سبع في ربيع الأول
ويُعد هذا التاريخ أيضًا الموعد المنصوص عليه في نهاية رحلة ابن بطوطة، مما يربط الخزانة برحلة هذا العالم والرحالة الكبير.
- وصف الخزانة وموقعها
تقع خزانة المسجد الأعظم في مدينة تازة، وهي تحتل موقعًا بجانب المحراب، على قبلة المسجد. أشار الوزير الإسحاقي خلال زيارته إلى الكتابة التي تحيط بباب الخزانة، مؤكداً موقعها المميز وأهميتها. وقد وصفها أيضًا الدكتور عبد الهادي التازي بأنها أقدم خزانة للكتب المخطوطة في المغرب، إذ يرجع أصلها إلى العهد الموحدي.
- إرثها العلمي والثقافي
تحتوي الخزانة على مجموعة ضخمة من الكتب والمخطوطات التي لا تُقدر بثمن. تضم هذه المجموعة كتب القاضي عياض، بالإضافة إلى رسائل ومخطوطات موحدية أصلية، من بينها كتاب “أعز ما يطلب” للمهدي بن تومرت، والذي نُشر بعضه في الجزائر عام 1321هـ/1903م.
كما أشار الباحث محمد بن إبراهيم الكتاني إلى رسائل أخرى موجودة في الخزانة، وقد نشر بعضها في مجلة “هسبريس تمودة“.
- مخطوطات وإسهامات الباحثين
وفقًا لما ذكره الأستاذ إدريس ابن الأشهب التازي، كانت الخزانة تحتوي على أكثر من 11,000 مجلد في عهد المرينيين. ومع ذلك، انخفض هذا العدد بمرور الوقت، إذ وثق الدكتور عبد الرحيم العلمي في فهرسه الحديث للخزانة أن عدد الكتب وصل إلى 907 كتب مخطوطة.
ورغم ذلك، تظل هذه المخطوطات تمثل إرثًا علميًا هائلًا، حيث احتوت على كتب في مختلف العلوم، بما في ذلك الفقه، التاريخ، الأدب، والجغرافيا.
- أبرز العلماء المرتبطين بالخزانة
شهدت الخزانة نشاطًا علميًا واسعًا، حيث اجتذبت العديد من العلماء والباحثين من مختلف العصور للاستفادة من محتوياتها أو استنساخ كتبها. من بين هؤلاء:
- لسان الدين بن الخطيب
- عبد الرحمن بن خلدون
- محمد الهبطي
- حسن الوزان (ليون الإفريقي)
- أحمد الونشريسي
- أبو القاسم الزياني
- محمد بن الحسن الحجوي
- محمد المختار السوسي
- محمد المنوني
كما كانت مركزًا لاستقطاب الباحثين الأوروبيين مثل هنري باسي، هنري طراس، جان جون باي، ولويس فوانو.
أهمية الخزانة في العهد العلوي
استمرت الخزانة في الازدهار خلال عهد الدولة العلوية، حيث شهدت دعمًا كبيرًا من المحبسين والسلاطين الذين أوقفوا الكتب عليها. أصبحت الخزانة مع مرور الوقت مركزًا للبحث العلمي، ورافدًا هامًا للعلماء والباحثين من داخل المغرب وخارجه.