التأويل الصوفي وتجربة الحقيقة

0

 

يُنظر إلى التأويل في أكثر تعريفاته شيوعاً باعتباره محاولة لاستعادة تجربة صيغت في المعاني المضافة بعيداً عن المحددات التعيينية المباشرة، أو هو الكشف عن «مناطق» في الإنسان لم تستوعبها حالات التمثيل التقريري. يتعلق الأمر بالبحث في ذاكرة الوقائع ذاتها عن قصد آخر غير ما يقوله المنطوق أو الممثل فيها. إنه في الحالتين معاً «نقل لظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهر اللفظ» (لسان العرب)، أو هو «العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه» (المعجم الكبير). إن المؤول لا يبحث عن معنى جاهز في النص، بل يلهث وراء ما يمكن أن يقود إلى استنفارٍ لمخزون دلالي لا يشكل الظاهر في الألفاظ والوقائع سوى طبقة من طبقاته. هناك تشكيك في قدرة الكلمات على قول ما يصدق على حقيقة الكائنات والأشياء وحدها.

إنه يتضمن، من هذه الزاوية، التفسير الباطني للنصوص الدينية (نظرية المعاني الأربعة في الكتاب المقدس)، وتُصنف ضمنه أيضاً شطحات الغنوصية والهرمَسية القديمة وكل التأويلات التي تبناها منتمون إلى مذاهب دينية بغاية الانزياح عن تفسير مشترك يستقر على معنى واحد يجمع بين الضمائر والعقول. وهو المبدأ ذاته الذي تبنته كل التيارات الصوفية على اختلاف مشاربها واتخذته سبيلاً وحيداً نحو الاستغراق في ملكوت الله. وذاك هو معنى التأويل في اللغة، فهو دال على الرجوع والعودة، ومنه اشتق المآل الذي يشير إلى مصير نهائي، أي ما يصير عليه «الحال».

وهو ما يعني أن التأويل في الطقس الصوفي لا يقود إلى معنى قابل للتجلي داخل سياق مخصوص، بل إلى الانحلال في «عادة» سلوكية تفتح الذات على باريها ضمن حالات انفعال مطلق، فالعلامة تموت لحظة انكفائها على ذاتها، «إنها تجنح إلى تشكيل عادات هي الفعل العملي» حسب ما يقول بورس. يتعلق الأمر بمحاولة لتقليص «الفجوة الفاصلة بين المعرفة والحس» حسب كريماص: إنه انجذاب نحو الوحدة المنشودة، أو تجل لانفجار الواحد الكلي. وإلى ذلك استند المتصوفة في تصورهم للأولوهية: فهي « كنز مخبوء قرر أن يُعرف»، وذاك سر «إيجاد الوجود» وغايته، ومن هذه المعرفة أيضاً يَصِل المرءُ ذاتَه بذات خالقه «فمن عرف نفسه فقد عرف ربه».

وبذلك عُد التأويل عند الصوفي أداة لتحرير المعنى من قيود السياقات المألوفة، أي تخليصاً للكلمات من طاقات التسمية والتعيين داخلها. ما يعني انتشالاً للذات المتصوفة مما تراه العين عياناً، أو مما يتشكل في الذهن باعتباره معادلات مصدرها الإحالة على التجربة المشتركة وحدها. فما يعيشه الصوفي في اللغة وفي الطقوس وفي تفاصيل حياته لا يمكن أن يكون سوى سبيل نحو الانغماس في «حالات استيهام» تستوعب كل «حالاته» بما يؤدي به إلى مطلق ينتهي عنده كل شيء ضمن «مقام» هو الدال على «الفرق»: «فناء عن الخلق بقاء للحق»، «فلا وجود للأعيان الثابتة خارج الذات الإلهية».

عودة إلى الواحد الكلّيّْ إنها عودة الذات إلى الواحد الكلّيّْ القادر على استيعاب كل التناقضات، أي استثارة حالة إيجاب مطلق تُصفي الكون من شروره (نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا). فإذا كان العقل يدرك التعدد وحده، ففي المتصل انتفاء المعنى، فإن الوجدان الروحي يمسك بالهلامي والملتبس وما استعصى على التقاطبات الضدية، أي ما ليس مدرجاً ضمن آليات التأمل المنطقي. يتعلق الأمر بالانتشاء بما يمكن أن يوجد خارج الزمنية وضدها، ذلك أن «الزمن محاكاة مشوهة للخلود» كما أعلنت الغنوصية ذلك. إن الله يوجد خارج التقاطب، فهو « ليس محصوراً ولا محمولاً ولا محدثاً»، كما يقول المتصوفة، «فالله تعالى ليس في شيء أو من شيء أو على شيء»، ومن قال بذلك فقد أشرك.

وبذلك تكون الصوفية أقرب التجارب إلى التأويل الهرموسي   (herméneutique)  وأشدها ارتباطاً بممكناته في تناسل السياقات رغبة في الوصول إلى ما يشكل «جوهر» المعنى، وهو «جوهر» الذات الإلهية التي يفيض عنها الكون كله، «فالكل لها، بل هي الكل عينه» (ابن عربي)، ما يوازي بين «فيض» أول هو من عند الله، وبين «شوق» إليه هو من عند الذات. وهذا أمر تتضمنه الطبيعة التي يكون عليها «الحال» ذاته؛ فهو انفعال خالص، أي استهواء كلي لا يعرف التجزُّؤ أو التفصيل، لذلك ستكون الاستكانة إلى محدداته إلغاءً للوسيط المفهومي الذي يمنع الذات من الاستغراق في حسيتها الأصلية.

وتلك هي «حال الشهود»، حيث لا يرى الصوفي سوى الله، ما يشبه الذوبان، أي مغادرة القمقم الجسدي والانصهار في ذات أخرى هي مصدر الوجود فيه، ما يسمى في لغة الأهواء بالعودة إلى الحسي الأدنى، حيث لا شيء هناك سوى الانفعالات، ما يوجد سابقاً على ممكنات الدلالة، كما يمكن أن تنبثق عن المتناقض والمختلف والمتشابه. وتلك أيضاً «حال الوجود» أيضاً، حيث ينهض الكون بكل موجوداته شاهداً على وجود الله وحده (وسع ملكه السماوات والأرض). لذلك يُدرج المتصوف «الحالات» مجتمعة ضمن الحنين إلى الواحد المطلق، الحقيقي في العقيدة. ففي هذا الواحد تنصهر كل التناقضات ضمن «منتهى» في الزمان وفي المكان لا شيء قبله ولا شيء بعده. يتعلق الأمر بإحساس جديد يتجاوز حقيقة الانفعال كما تصفه اللغة، لكي يطلق الطاقة الحسية في الذات ويدفعها نحو الالتحام بالحسي في الوجود، وذاك هو المآل.

  • الأنوثة عند المتصوف

وذاك أيضاً ما تشير إليه الأنوثة عند المتصوف، فجزء كبير من مفاهيم تجربته العرفانية مستوحى، بشكل صريح أو ضمني، من عوالم تحيل على فكرة التزاوج، حقيقة ومجازاً، فهو المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود.

إن الخصوبة في الطبيعة عفوية، وهي عند المرأة مُستثارة، إنها حاصل تلاقح بين ذكر وأنثى. ومع ذلك، هناك تناظر دلالي قوي بين رحم الأم وبطن الأرض، وهو مصدر الدلالات الاستعارية التي تجعل الفرد مشدوداً إلى حضنه الأول. يتخلص المرء حين يعود إلى حضن الأم، أي إلى الأنوثة في مفهومها المطلق، مما علق به من موبقات الممارسة النفعية في حياته، إن «وصل الحبيب هو الصفاء» (ابن حزم).

وعلى عكس كتب الإباحة التي روج لها الكثير من الفقهاء، فإن المرأة في نظر الصوفي كيان استعاض عن الحسية فيه بنفحات الروح وحدها. وبذلك تتحول الأنوثة، في وعي الصوفي، إلى رحم كوني منه تنبثق الحياة وإليه تعود. وهي الصيغة الاستعارية الكبرى التي يشير إليها المثل العامي عندما يربط بين الدار والمرأة والقبر (قبر الدنيا).

الحقيقة في التأويل استناداً إلى هذا الترابط بين ظاهر عياني وبين ملكوت تختصره اللغة الصوفية في الكثير من الحالات في النور، يبني الخطاب الصوفي تصوره للحقيقة. فلا شيء في الوجود قادر على تجسيد جزئية منها إلا بالإحالة على واحد أحد هو الحقيقة ذاتها. «فالنور» و«الضياء» و«الإشراق» و«التجلي» و«الكشف» كلها مفاهيم تحتفي بجوهر الحقيقة باعتبارها كل ما يتغنى بالذات الإلهية القادرة على النفخ من روحها جزءاً من الحقيقة في مخلوقاتها. إن الحقيقة، بعبارة أخرى، ليست في ما تقوله النصوص في منطوقها، فلا يمكن للعبد المنغمس في الملذات أن يدرك سرها، إنها في نص آخر يبنى في التأويل.

لقد كان على الصوفي أن يؤول النص لكي يصل إلى «الخالص» في كل شيء، في «الحق» و «الخير» و«الصدق» و«الجمال»، أي التوق إلى إيجاب مطلق ضمن دائرة تخلو من زمنية شريرة في النفس وفي المحيط. لذلك واجه المتصوفة الشر في الطبيعة فتغنوا بالنور الذي هو في مجمل السياقات مصدر للحقيقة والوضوح والصفاء والطهارة والرؤية الصاحية. ولكنه نور لا يُسَلم نفسه إلا من خلال إجلاء طبقات النصوص الظاهرة والوصول إلى ما يشكل جوهره، أي حقيقة لا يملكها أحد، فهي عند الخالق وحده، ونحن لا نقوم سوى بالبحث عنها.

بعبارة أخرى، إن التأويل عند الصوفي ضرورة، لا بحكم ما يتسرب إلى الذات من بقايا معان لا معادل لها في حقيقة الوجود، بل لأن التمثيل المفهومي ذاته ناقص، فالعاجز عن الإحاطة المباشرة بالعالم لا يمكنه ادعاء امتلاكه. فنحن، مثلنا في ذلك مثل الصوفية، منتجات لغة لا تخلص دائماً لما تقوم بتسميته. لقد كان الصوفي يبحث عن تجدد الظاهر وتنوعه في الكلي الإلهي.

  • الكلمات لا تفي

التشكيك في قدرة الكلمات على قول ما يصدق على حقيقة الكائنات والأشياء مبدأ تبنته كل التيارات الصوفية، واتخذته سبيلاً وحيداً نحو الاستغراق في ملكوت الله.

  • الأنوثة

المرأة في نظر الصوفي كيان استعاض عن الحسية فيه بنفحات الروح وحدها، والأنوثة تتحول في وعي الصوفي إلى رحم كوني، منه تنبثق الحياة وإليه تعود.

  • انتشال الذات مما تراه العين

التأويل عند الصوفي أداة لتحرير المعنى من قيود السياقات المألوفة، أي تخليصاً للكلمات من طاقات التسمية والتعيين داخلها. ما يعني انتشالاً للذات المتصوفة مما تراه العين عياناً، أو مما يتشكل في الذهن باعتباره معادلات مصدرها الإحالة على التجربة المشتركة وحدها. فما يعيشه الصوفي في اللغة وفي الطقوس وفي تفاصيل حياته لا يمكن أن يكون سوى سبيل نحو الانغماس في «حالات استيهام» تستوعب كل «حالاته» بما يؤدي به إلى مطلق ينتهي عنده كل شيء ضمن «مقام» هو الدال على «الفرق»: «فناء عن الخلق بقاء للحق»، «فلا وجود للأعيان الثابتة خارج الذات الإلهية».

  • ضد جاهزية المعنى

إن المؤول لا يبحث عن معنى جاهز في النص، بل يلهث وراء ما يمكن أن يقود إلى استنفارٍ لمخزون دلالي لا يشكل الظاهر في الألفاظ والوقائع سوى طبقة من طبقاته.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.