الصورة والتمثلات الثقافية

0

 

 

إن الصورة نص بصري مولد لدلالات، وهي ككل النصوص تتحدد باعتبارها تنظيما خاصا لوحدات دلالية متجلية من خلال أشياء أو سلوكات أو كائنات في أوضاع متنوعة. وهي خلافا للنص لا تستند إلى عناصر أولية مالكة لمعاني سابقة، بل تستند إلى تنظيم يستحضر الأسنن التي تحكم هذه الأشياء في بنيتها الأصلية. والسنن كما يحدده كوكولا وبيروتيت، هو شكل من أشكال الإيديولوجيا. وبذلك، فموقعه  جزئيا أو كليا، هو صعيد الثقافة.

يقدم بارث مثالا بالغ الدلالة. فمن صورة تمثل لرجل مستلقي على أريكة يقرأ جريدته تحت ضوء خافت، يستخرج المدلول التالي: لحظة استرخاء.

إن هذا المدلول هو نتاج تأليف لمجموعة من المدلولات التوسطية التي تحيل عليها بشكل منفصل الدوال المشكلة للصورة. فالأريكة لا تشبه الكرسي، فالأريكة للراحة أما الكرسي للعمل، والضوء الخافت، على عكس الضوء الساطع، يريح الأعصاب و يهدئها، والجريدة تختلف  عن الكتاب، فالكتاب يوحي بالجدية أما الجريدة فهي لتزجية الوقت.

فالصورة بهذا تدل استنادا إلى محيط مباشر أو ضمني يسترجع بالتناظر و الإيحاء وضعيات إنسانية سابقة، أو يسقط ما يمكن أن تتخيله الذاكرة كموقف ثابت أو حكم مسبق. بهذا يستند  المعنى في الصورة  إلى معرفة سابقة، هي الدلالات التي منحتها الثقافة ﻷشياء وهيئات الإنسان و كذا عوالم التشكيل. إن الأمر يتعلق بدلالات مكتسبة تجاهد الصورة انتشالها، من خلال التمثيل التشخيصي، من بنيتها الأصلية و إدراجها ضمن بنية أخرى تمنحها خصوصية و تغني من أبعادها.

يتعلق الأمر  بتمثيل بصري يطلق العنان لصيرورة تدليلية، وهذه الصيرورة بعيدة عما تقوله الصورة بشكل مباشر، إنها جزء من تأليفات جديدة تبنيها العين التي تشاهد. فهي تعيد بناء العناصر التي تؤثث الصورة، بعد أن قامت بفصل كل عنصر عن سياقه المألوف وتحويله إلى بؤر رمزية، تعيد تأويلها.

فما قد يبدو في الظاهر  بديهيا، يخفي مجموعة كبيرة من  التصنيفات الدينية والأحكام المسبقة التي تصنف ضمن الثقافة.

بعبارة أخرى، توحي تعددية العناصر المؤثثة للصورة بوجود مدلولات صغرى هي ما يشكل العمق الثقافي والإيديولوجي للإرسالية البصرية. فالانتقال من دال الصورة إلى مدلولها الكلي يتم عبر سلسلة من الوحدات الدلالية التي تحيل عليها كل  جزئية من جزئيات الصورة القابلة للاشتغال كدوال.

ويطلق بورشي على هذه المدلولات الصغرى “المدلولات التوسطية”. وضمنها  الأحكام والتمثلات الثقافية والإيدولوجيا والثقافة، وهي ما يعرف عند بارث ب”مدلولات الإيحاء”، معتبرا إياها” جزئية إيديولوجية”، ففيها تتناسل و تنتعش وفي أحضانها تعيد إنتاج نفسها.

فتحقق  الانتقال من الدال الأيقوني  إلى المدلول الكلي، رهين بالمرور بمدلولات توسطية لا بد من الوقوف عليها من خلا ل استكشاف المسلمات والتمثلات الثقافية المستبطنة التي تؤثر على الذات الناظرة في غفلة منها.

وهذا يقتضى أن تكون لتلك الذات معرفة تخص مكونات الصورة، وتخص الثقافة، لكي يستطيع الكشف عن المتواري بين جنباتها. ويمسك بالتالي بسلسلة من الدلالات  التي لا يمكن الكشف عنها إلا من خلال التأليف بين مختلف مكونات الصورة، أي ما يشكل دوالها.

فما يقرأ في الصورة ليس شكلا ولا لونا ولا عضوا ولا حركة، بل يتعلق الأمر بقيم دلالية تسربت عبر الزمن إلى الأشياء والوجه والإيماءات وأشكال الجلوس أو الوقوف. وهكذا ف”السعادة “و”الحزن” و”العلم”و”الجهل”و”الصدق” و”الكذب” مفاهيم مجردة تغادر موقعها لكي تسكن الأشياء والأشكال والألوان وكل مكونات السلوك الإنساني. وبهذا فهي تدل من خلال مختلف الأحكام التقييمية التي تنسجها الثقافة في مرحلة ما.


  • هومش وإحالات

Cocula, B et C. Peyroutet, Sémantique de l’image, 1986, librairie de la grave , Paris,1986, P:44

سعيد بنكراد، سيميائيات الصورة الإشهارية – الإشهار و التمثلات الثقافية، منشورات الاختلاف و منشورات ضفاف، ط:1 ،1437ه-2016 ،ص:31 نقلا عن : :257  R. Barhes: L’Aventure sémiologique, Seuil1985 ,p

 غي غوتيي، الصورة- المكونات و التأويل- مقدمة المترجم، ترجمة: سعيد بنكراد، ط1، 2012، المركز الثقافي العربي، ص:25.

 سعيد بنكراد، سيميائيات الصورة الإشهارية، الإشهار والتمثلات الثقافية، ص:45 نقلا عن :

Porcher, Louis: Introduction à une sémiotique des images, éd. Crédif Paris, p:135

 رولان بارث، بلاغة الصورة، ترجمة: أحمد جيلالي، مراجعة: أحمد الفوحي، مجلة علامات، العدد: 44، ص:72. 

 سعيد بنكراد، بعض من بارث: ـأبصر النور و تغيرت طريقتنا في الإبصار، مجلة علامات،ع:44، ص:11.

 سعيد بنكراد، السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003، ص:88.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.