خطاب حقوق الإنسان؛ بين الليبرالية والماركسية والفكر الإسلامي المعاصر

 

من الحقائق التي لا يجب إغفالها أن مشكلات حقوق الإنسان هي في العمق مشكلات السلطة. ذلك أن السلطة هي القوة التي تحدد الحقوق والواجبات للإفراد والشعوب. وبما أن السلطة تعتبر أساس المجتمع ومصدر تنظيمه، فإنها تختلف في الأسس التي تبني عليها باختلاف الإيديولوجيا التي تقوم عليها وبها. ومن ثمة يصح القول بأن النظرة إلى حقوق الإنسان تختلف باختلاف طبيعة السلطة السياسية وخلفياتها الإيد يولوجية. وعليه فما هي معالم نظرة الفلسفة الليبرالية في موضوع حقوق الإنسان؟ وإلى أي حد تختلف تلك النظرة عن نظرة الفلسفة الماركسية في نفس الموضوع؟ وأخيرا ما هو موقف الفكر الإسلامي المعاصر من مفهوم حقوق الإنسان وموضوعه؟([1])

1 – حقوق الإنسان في النظرية الليبرالية:

ظهرت الليبرالية، بعد انتصارها على النظام الكنسي الإقطاعي الأوروبي، بصفتها التيار الإيديولوجي الذي يطالب بالتقدم عن طريق الحرية انسجاما مع شعارها المركزي “دعه يمر، دعه يعمل”. الشيء الذي جعل العديد من الفلاسفة والمؤرخين يجزمون بأن حقوق الإنسان، بالمفهوم المتداول به اليوم عالميا، ولد وترعرع في أحضان النظام الليبرالي. وبالنظر إلى المراحل التي قطعتها الليبرالية في نموها التاريخي فإن نظرتها لحقوق الإنسان تغيرت بتغير تلك المراحل. وذلك ما يتضح من خلال ما يلي:

1-1-مرحلة فلسفة النهضة التي أعلت من قيمة الفرد:

نادى رواد النهضة الأوروبية بحرية الفرد في كل شيء باعتبار أن الفرد أسبق من المجتمع وأسمى منه. واعتبار الفرد قيمة قائمة بذاتها له جذور تاريخية تتجه نحو ما يعرف بـ”القانون الطبيعي” الذي منه استلهم فلاسفة النهضة فكرة الإنسان الفرد التي نظر لها الفيلسوف كانط (عمانويل) جاعلا بذلك “الإنسان غاية بذاته وليس وسيلة”، لذا يجب معاملته أخلاقيا بهذه الصفة وذلك ما أثبته في كتابه الشهير : “مشروع من أجل السلم الدائم”([2]).

وهكذا مضى مفكرو الليبرالية بعيدا بنظرية القانون الطبيعي حيث اتخذوها وسيلة للحد من السلطة المطلقة للملوك الحاكمين.

1-2-مرحلة اعتبار مشروعية السلطة لا تكون إلا عبر العقد الاجتماعي وحكم القانون:

إلى جانب اعتماد فلاسفة الليبرالية على القانون الطبيعي لوضع قيود على سلطة وسيادة الدولة لصالح حرية الإنسان الفرد، وجدوا في “العقد الاجتماعي” وسيلة للمزيد من الحد من تلك السلطة من خلال تأكيدهم على المبادئ الثلاثة التالية:

ـ إن الشعب هو مصدر السلطات جميعها.

ـ إن السيادة حق للشعب وحده، وأن الحاكم يمارس حقوق السيادة ومظاهرها فقط.

ـ إن الدولة هي جهاز ذو أساس تعاقدي([3]).

وبهذه المبادئ وصل مفكرو الليبرالية إلى حقيقة هامة، مفادها أن مقياس الحريات والحقوق داخل الدولة هو في مدى خضوع المشرع لحكم القانون.

1-3-مرحلة إيجاد التوازن الصعب بين الغاية الفردية والوسيلة الجماعية:

من الطبيعي أن يتصادم الاتجاه الفردي المعتمد على نظرية الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي مع الاتجاه الشعبي الديمقراطي الذي تمثله نظرية “العقد الاجتماعي”، وقد ظهر هذا التصادم جليا في نتائج الثورة الفرنسية. كيف؟

فإذا كان العمال قد تحالفوا مع البورجوازية وفرضوا سن دستور للبلاد، فإنه “ما إن سن الدستور حتى سن وفق إرادة الطرف الأقوى في التوازن الاجتماعي الجديد، وبدل الحرية والإخاء والمساواة، حفر على نصب الثورة: المال والسلطة والتنافس. في التاريخ كما في الميثولوجيا كثيرا ما يولد الأقزام من عشق العمالقة”([4]). ونفس الشيء يراه “روجي غارودي إذ يقول: “إن دستور 1793 وإن قرر مبدأ الاقتراع العام إلا أنه لم يطبق”([5]). والأغرب من ذلك العملية التي تبعته، عملية قطع رؤوس المعارضين باسم إرادة الأغلبية. وقد حصل الشيء نفسه في ثورة الاستقلال بالولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد، إذ أنه إذا كان صدور إعلان فرجينيا لعام 1776 جاء ليؤكد سيادة الشعب والمساواة في الحقوق السياسية والحرية الشخصية، فإن الإعلان نفسه بقي وهما. فالثورة لم تتورع في إباحة استرقاق السود وحرمانهم من حقوقهم المدنية والسياسية. لهذه الأسباب حاول مفكرو الليبرالية إيجاد الوسائل التي تحول دون استبداد الأغلبية بالأقلية، فوجدوا ضالتهم في اعتبار القيمة القانونية لإعلانات الحقوق التي ترد عادة في مقدمات الدساتير أسمى من النصوص الدستورية نفسها لأنها سابقة عن الدولة. ومعناه أن المشرع الدستوري لا ينشئ هذه الحقوق وإنما يكشف عنها لأنها سابقة عنه وذلك لأنها كمينة في الإنسان ذاته كطبيعة جوهرية.

1-4-مرحلة وضع الدساتير في القرن التاسع عشر(19):

إذا ما تتبعنا التطور التاريخي للحريات والحقوق سنلاحظ أنها قد بدأت كفكرة يدعو لها المفكرون ثم صارت عقيدة وبرنامجا لكفاح الشعوب ضد الحكام الطغاة سعيا وراء التحرر. وقد تبلور كفاح الشعوب خلال القرن 19 بأوروبا في شكل وثائق قانونية (دساتير) تتضمن الشروط التي أملتها الشعوب المنتصرة على حكامها، وتلك الشروط تتمثل في حقوق وواجبات كل من الحكام والمحكومين معا. وبهذا وصلت الليبرالية في القرن التاسع عشر إلى مرحلة النضج الذي تجلى في مظهرين:

ـ المظهر السياسي: تأسيس دولة القانون

ـ المظهر الاجتماعي والاقتصادي: جعل حق الملكية مقدسا يعلو على جميع الحقوق.

1-5-مرحلة الانتقال الخجول من الفردية إلى الجماعية:

مع القرن العشرين وبانتصار الثورة الاشتراكية البولشفية عام 1917 أحدثت الأفكار الاشتراكية تطورا هاما في الفكر السياسي والاجتماعي الإنساني. فبعد أن كانت فكرة الحقوق الفردية الطبيعية هي الطاغية في النظرة الليبرالية، حل محلها “فكرة التضامن” التي كادت أن تجعل المصلحة الاجتماعية العامة تعلو على سيادة الفرد المزعومة. وبهذا المفهوم الجديد صار الفكر الليبرالي يميز بين نوعين من الديمقراطية:

ـ الديمقراطية السياسية: وهدفها الأساسي هو الحد من السلطة السياسية.

ـ الديمقراطية الاجتماعية: وهدفها المركزي هو تحقيق العدالة الاجتماعية ما أمكن.

لكن بظهور الأنظمة الديكتاتورية (هلتر، فرانكو، سالازار..) وباندلاع نيران الحرب العالمية الثانية، انتهكت حقوق الإنسان أيما انتهاك بفعل عدم احترام السلطات الوطنية لمنطوق الوثائق التي تنص على حقوق الإنسان مما دفع بالأنظمة الليبرالية الديمقراطية أن تتزعم المنتظم الدولي لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948. وقد كانت معالم الفلسفة الليبرالية واضحة في مضامين جل مواده الثلاثين الشيء الذي جعل ويجعل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تدعي اليوم أن العالم مدين لها بتقرير حقوق الإنسان وبأنها صاحبة الفضل في إقرار تلك الحقوق وتقنينها وإضفاء الشرعية عليها في مواثيق وإعلانات دولية([6]).

ومع ذلك هناك من يرى أن “حقوق الإنسان لا ينبغي البحث عنها حقيقة في نصوص المشرعين أو في صياغة الفقهاء أو في أقوال الفلاسفة والخلقيين، أي لا ينبغي أن ينظر إليها من خلال تلك القواعد النظرية والإعلانات.. وإنما ينبغي البحث عن حقوق الإنسان في الممارسات والتطبيقات على أرض الواقع”([7]).

وإذا ما أخذنا بهذا الرأي فإن المرء سيندهش، لا محالة، إذا علم أن الولايات المتحدة الأمريكية كأقوى دولة ليبرالية وأكبر “محاضر” أمام العالم في مادة حقوق الإنسان، لم تصادق على العهدين الدوليين، منذ عام 1966م. وقد يستغرب المرء أكثر إذا لاحظ أن عشرات الإعلانات والمواثيق لا زالت خالية من توقيع عشرات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء، وعلى سبيل المثال نذكر:

ـ إن الولايات المتحدة الأمريكية صادقت الآن على سبعة مواثيق فقط ووقعت على ستة أخرى فقط من بين الخمسة والعشرين ميثاقا أساسيا، ولم تصادق كما قلنا على العهدين الدوليين إلا عام 1992.

ـ إن فرنسا صادقت على سبعة عشر اتفاقا ووقعت على اثنين آخرين فقط.

ـ إن بريطانيا صادقت على سبعة عشر اتفاقا من بين خمسة وعشرين اتفاق دولي أساسي يهم موضوع حقوق الإنسان([8]).

من خلال هذه الأمثلة وغيرها يتبين لنا أن الدول الليبرالية التي تدعي اليوم بأن العالم مدين لها بإخراج الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان إلى الوجود وبدفاعها عن تطبيق بنودها عالميا، تتعامل في تطبيقات تلك البنود بشكل انتقائي وإيديولوجي داخل أوطانها، فهي تسارع إلى المصادقة على إعلانات الحقوق المدنية والسياسية بينما تتلكأ عن المصادقة على إعلانات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما لاحظنا ذلك سابقا. وهذه الانتقائية تبدو عادية إذا علمنا أن الأنظمة الليبرالية في جوهرها ومبادئها تعطي الأهمية والأولوية للحقوق المدنية والسياسية التي تخدم الديمقراطية السياسية التي تطالب بها، في حين أنها لا تعير نفس الاهتمام لتطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تتلاءم مع الديمقراطية الاجتماعية التي هي من صميم مبادئ الفلسفة الاشتراكية أكثر من نظيرتها الليبرالية.

2 – حقوق الإنسان في النظرية الاشتراكية الماركسية:

لقد تكلمنا سابقا عن تطور مفهوم حقوق الإنسان تبعا لتطور الفكر الليبرالي نفسه، هذا الفكر الذي ولد في أحضان المذهب الفردي مرتكزا على مفهوم معين للحرية باعتبارها حقا للفرد تقوم الدولة بحمايته خاصة مع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث أصبح دور الدولة ينحصر في حماية تلك الحرية الفردية دون العمل على توفيرها، وهو ما يعرف في علم السياسة بنظام “الدولة الحارسة” لحقوق الملكية والحريات للأفراد تمشيا مع الشعار الليبرالي “دعه يمر، دعه يعمل”.

وقد نتج عن هذه السياسة الليبرالية المزيد من إغتناء الطبقة البورجوازية/الرأسمالية على حساب تفقير وتكديح و”بلترة” “Prolétarisation” الطبقتين العمالية والشعبية مما جعل الكثيرين يرون أنه إذا كان النظام الرأسمالي المجسد للفلسفة الليبرالية قد كسب مشروعية تاريخية في أوروبا في القرن التاسع عشر، فإنه رغم ذلك لم يحقق إلا مشروعية إنسانية ناقصة!

ففي ممارسات هذا النظام هزم فكر الأنوار (المساواة، الحرية، الإخاء) لتنتصر قيم الاستغلال والاستلاب والتفاوت الطبقي، ومن هذه الهزيمة كانت ولادة فكر اشتراكي بدأ يدفع قدما الصيغ الفكرية والنظرية الإنسانية الصادقة انطلاقا من رؤية علمية تاريخية شاملة (المادية التاريخية والمادية الجدلية). فالهيغلي اليساري الشاب كارل ماركس (1818-1883م) بدأ يكون نفسه كمفكر، خارج دائرة الفلسفة الليبرالية/الرأسمالية، اعتمادا على معاينته للظلم الاجتماعي وهو يتفاقم رغم مزاعم الليبراليين بالقضاء عليه وإحقاق حقوق الإنسان كاملة. فقد قام ماركس بتشريح أسس النظام الليبرالي/الرأسمالي بما فيها مقولة حقوق الإنسان رافضا خطاب الليبرالية عن تلك الحقوق لأنه مجرد خدعة عالمية.

إن رفض ماركس لمقولة “الحقوق” آنذاك أثار استغراب وتساؤلات الكثيرين : “أن تهاجم عقيدة حقوق الإنسان من طرف المفكرين المحافظين، فهذا أمر طبيعي، لكن المفاجئ هو النقد الموجه لها من طرف تقدميين مثل كارل ماركس!”([9]).

فما دام أن كل حق من حقوق الإنسان يحتوي على تصور معين لحرية هذا الإنسان، فإن نقد ماركس لتلك الحقوق يكمن، في نظره، في أن عقيدة حقوق الإنسان كما يصوغها الفكر الليبرالي لا تؤدي إلى التحرير الحقيقي والكامل لجميع الناس، فهي تخفي وراءها المصالح الاجتماعية للطبقة البرجوازية المدافعة عنها، ولهذا نجد ماركس يقدم نقدا لاذعا لمقولة حقوق الإنسان من خلال تأكيده على المعطيات التالية:

2-1-الإنسان المجتمع لا الإنسان الفرد:

إن إيمان ماركس بجدوى المادية التاريخية في فهم سيرورة الوجود الإنساني انطلاقا من أن العامل المادي هو محرك التاريخ البشري، جعله يرفض ربط حقوق الإنسان انطلاقا بـ “الطبيعة”. ذلك أن الطبيعة هي في الواقع ماهية مجردة بينما أن ماهية الإنسانية ليست للفرد المعزول، بل هي في واقعيتها مجموع العلاقات الاجتماعية”([10]) الناتجة عن صراع الإنسان مع الطبيعة من جهة، وصراع الإنسان مع أخيه الإنسان من جهة ثانية. وعليه فحقوق وحريات هذا الإنسان ليست صفات خاصة بإنسان لا-زماني ولا-تاريخي، وإنما هي في الواقع صفات لأفراد منخرطين في سيرورة الإنتاج الاجتماعي. لذا لا يجب، حسب النظرية الماركسية، فصل حقوق الإنسان عن حالة التطور الاجتماعي/التاريخي للمجتمع لأن تلك الحقوق تتغير وفقا لذلك التطور ومعه في نفس الوقت.

لقد وعى ماركس التشويه الأخلاقي الذي أحدثته النظرية الليبرالية في نظرتها للإنسان باعتبارها إياه فردا معزولا عن التاريخ وصيرورته، وعن المجتمع وعلاقاته وصراعاته، فقال: لا وجود لحقوق الإنسان إلا ضمن حقوق المجتمع.

2-2-حقوق الإنسان: حقوق شكلية:

ينعت ماركس الحقوق التي جاءت في إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية لعام 1789 بأنها ما هي في الواقع سوى حقوق شكلية ما دام لا يوجد الناس في نفس الوضعية الاجتماعية/الاقتصادية. ففي ظل مجتمع ليبرالي يرتكز قانونيا على مبدأ اللاتكافؤ في توزيع الثروة بين أفراده، يطرح ماركس على الليبراليين الأسئلة المحرجة التالية:

ـ ما الحاجة لحق الحرية بالنسبة للذي يوجد في علاقة تبعية كلية لرب المعمل؟

ـ ما جدوى الحق في الملكية بالنسبة لمن لا يملك شيئا؟

ـ ما الحاجة إلى الحق في ضمان الأمن بالنسبة لمن يموت جوعا؟

ـ ما معنى وما قيمة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية إذا لم يتعد الأمر إعلانها إلى ضمانها الفعلي عن طريق إقامة شروط اجتماعية واقتصادية تمكن من ممارستها فعليا؟

ـ ما جدوى الحق في العمل بالنسبة للعاطل الذي لا يمكن أن يجد عملا؟([11])

ألا يكون منح الحقوق السياسية من قبل النظام الليبرالي للمواطنين أو منحهم الحماية من تدخل السلطة في رأي أفراد نصف عراة، أميين، حفاة، يشكون من سوء التغذية ومن الأمراض نوعا من الاستهزاء بظروف هؤلاء الأفراد؟ ذلك لأنهم في حاجة إلى التغذية والرعاية الطبية والتعليم… قبل أن يصبحوا قادرين على فهم الحرية وطريقة الاستفادة منها على الوجه الأصح والأكمل. في الواقع “هناك أولويات مهمة وحالات تكون فيها الأحذية أهم من أعمال شكسبير، ليست الحرية الفردية حاجة أو مطلبا أساسيا للأفراد جميعا على حد سواء([12]).

إنها قضايا شائكة وأسئلة مقلقة أحرج بها ماركس الليبراليين.

2-3-حقوق الإنسان: حقوق أنانية وذات وظيفة إيديولوجية:

من خلال مناقشته لقضية حقوق الإنسان كما طرحها الفكر الليبرالي يستنتج ماركس أن عقيدة حقوق الإنسان ليست سوى إيديولوجيا تدافع بالأساس عن القيم الأنانية للمجتمع البرجوازي التي تجعل من الإنسان شخصا معزولا عن الآخرين، بينما هو قبل كل شيء موجود اجتماعي لا يمكن أن يحقق ذاته إلا بالجماعة الاجتماعية وداخلها، أي داخل علاقته مع الناس وبهم. وهكذا:

ـ فالحق في الحرية الذي يتم تعريفه بأنه هو “الحق في كل ما لا يضر بالآخرين” هو في العمق حق الفرد في عدم الاهتمام بالآخرين، هو حق الفرد في الانطواء على ذاته، وبشكل أناني ونرجسي، إنه حق العزل والتفرقة والأنانية كما يرى ماركس.

ـ حق الملكية هو كذلك حق الفرد في التمتع بممتلكاته الشخصية دون الاهتمام بالآخرين الذين لا يملكون شيئا: إنه الحق في الأنانية كذلك.

وهكذا يتضح أن حقوق الإنسان في المجتمع الليبرالي الرأسمالي حسب المنظور الماركسي ما هي إلا حقوق في خدمة مصالح الطبقة البورجوازية الرأسمالية، وبذلك فهي حقوق ذات وظيفة إيديولوجية كما أنها حقوق خاصة بالفرد دون المجتمع. لذلك فهي كذلك أنانية.

كل هذه الملاحظات جعلت ماركس يزداد اقتناعا بأنه لا وجود لمفهوم الحق!

2-4-الحق: مفهوم ليبرالي متجاوز:

يرى جيليو (رولان) Roland Guilliot أنه إذا كانت الحرية هي القيمة النيرة (Valeur phare) للحضارة الحديثة، فإن صورتها لا تتحدد بالقانون الذي نطالب به، فالحرية تملك وجها آخر يجعلنا نتساءل عن من هو الإنسان الحر؟([13]).

بالنسبة لماركس: الإنسان الحر فعلا لا زال لم يولد بعد، إنه مشروع مستقبلي لأن النظرية الماركسية ترى أن التاريخ الذي نعرفه ما هو إلا مقدمة للتاريخ الإنساني الحقيقي الذي لم تكتب فصوله بعد؛ فحسب ماركس إن الرأسمالية أدت إلى عبودية الإنسان لشروط حياته، لذا نجده يقول: “لقد جعلتنا الملكية الخاصة حمقى وضيقي الأفق إلى درجة أننا لا نعتبر موضوعا ما موضوعنا إلا إذا امتلكناه، أي إلا إذا كان بالنسبة لنا رأسمالا أو شيئا يملك، يؤكل، يشرب، يلبس، يسكن”([14]). من هنا يبدو أنه لكي نعيد الإنسان إلى وعيه الذاتي وإلى إنسانيته يتعين علينا تجاوز مفهوم الحق، لكن ليس باستبداله بمفهوم “الواجب” كما تطالب بذلك الإيديولوجيا المحافظة أو وضعية أوجست كونت([15]).

إن الحق، يلاحظ ماركس، مرتبط دائما بالدولة، وهذه الأخيرة هي دوما التعبير عن طبقة مسيطرة على الطبقات الاجتماعية الأخرى. لهذا فالحقوق التي ترعاها قوانين الدولة هي حقوق اللامساواة، هي حقوق طبقية، حتى ولو كان المجتمع اشتراكيا فإن الحق الذي تدافع عنه الدولة الاشتراكية حسب الرؤية الماركسية هو حق اللامساواة لأنه “ستظل الدولة قمعية بما أنها ستستمر في كونها التعبير عن طبقة البرولتاريا. لهذا يجب أن تكون دكتاتورية البروليتاريا مجرد مرحلة انتقالية في اتجاه المرحلة النهائية للتاريخ، مرحلة الشيوعية التي ستنمحي خلالها الدولة والحق معا وستزول الطبقات وتقسيم العمل والنقص في الإنتاج الاقتصادي.

ففي ظل هذا المجتمع الشيوعي المنشود، مجتمع الإخاء والضمير والوفرة سيصبح الحق نفسه عديم الجدوى بما أن كل حاجيات الناس ستتم تلبيتها([16]). بهذا التصور وخلافا للفلسفة الليبرالية، فإن مجتمع ماركس المأمول سيتمكن من تأسيس علاقة التناغم بين الإنسان والطبيعة، وعلاقة التكامل بين الفرد والمجتمع وعلاقة المصالحة الحميمة بين الإنسان وذاته، فينتج عن ذلك كله انعدام الحاجة إلى الحقوق.

وفي الأخير نشير إلى أنه إذا كان البعض يجد في انتقادات ماركس لمقولة حقوق الإنسان في المجتمع الليبرالي نقطة ضعف في التحليل العلمي الصارم الذي قام به ماركس للرأسمالية، فإن آخرين يجدون في تلك الانتقادات قوة مضيئة في النظرية الماركسية الداعية إلى التحرير الحقيقي والكامل للبشرية جمعاء.

3 – حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر:

3-1-دواعي انشغال الفكر الإسلامي المعاصر بحقوق الإنسان وتوجهاته المنهجية:

خلافا لما جرى في الغرب (أوربا، أمريكا الشمالية)، فإن المتتبع لمسارات الحركة الفكرية والثقافية العامة في الإسلامية المعاصرة بامتداداتها الجيوبوليتيكية الواسعة والمختلفة، سيلاحظ أن اشتغال الخطاب الإسلامي بقضية حقوق الإنسان كقضية فكرية وسياسية وقانونية وحضارية جاء متأخرا جدا، إذ “يمكن أن نؤرخ لهذا الاشتغال بالنصف الأول من عقد الثمانينيات من القرن التاسع عشر. وقد تزايد الاهتمام بصورة مميزة ومتصاعدة مع النصف الثاني من العقد نفسه سواء على الصعيد النظري كالكتابة والنشر والندوات (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمان الكواكبي..) أو على صعيد بعض الممارسات العملية من خلال تشكيل بعض المؤسسات والهيئات الحقوقية التي ترعى حقوق الإنسان”([17]).

لقد ارتبط الخطاب الإسلامي بالموضوع بسبب التحولات التي عرفها الواقع الإسلامي (المد الاستعماري) والعالمي (إعلانات الحقوق) والتي فرضت على الخطاب الإسلامي قراءة بعض المفاهيم الجديدة قراءة جديدة بمنهجية التأصيل المعرفي الإسلامي، وبالذات المفاهيم التي كانت غائبة عنه واكتسبت أهميتها الاستراتيجية مع المتغيرات الدولية، ومن أبرز هذه المفاهيم مفهوم حقوق الإنسان الذي تحول إلى قضية حيوية ذات حضور متميز في البنية السياسية والقانونية والفكرية وحتى الفقهية التشريعية العالمية.

كما أنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي كأكبر قلعة شيوعية في العالم ودخول هذا الأخير في زمن الأحادية القطبية انطلاقا من بداية التسعينات من هذا القرن، ازدهرت “الصحوة الإسلامية” مما جعل الحركات الإسلامية تصطدم مع الأنظمة الإسلامية الحاكمة والغرب معا. فكان من الضروري على المشروع الحضاري الإسلامي أن يعطي أهمية خاصة لقضية حقوق الإنسان في حركته السياسية والاجتماعية، وأن ينفتح ويتواصل مع المنظمات الحقوقية بمختلف اهتماماتها في العالم، وذلك ضمانا لمشروعية تاريخية ما، سيما “وأن الغرب كان يلاحق المشروع الإسلامي ويتقصد بوصمه بانتهاك حقوق الإنسان لكي يبرر لنفسه سلوكه العدائي من هذا المشروع، ويعطي صورة مشوهة للرأي العام العالمي عن هذا المشروع الذي يقدم أطروحة حضارية من خارج المنظومة الفكرية، الثقافية الغربية، وعلى خلاف حضاري معها”([18]). وقد اتضح هذا الخلاف، وبشكل جلي في العديد من المؤتمرات العالمية التي نظمتها الأمم المتحدة خاصة منها:

ـ المؤتمر العالمي للسكان والتنمية الذي عقد بالقاهرة في 5 سبتمبر 1994 وموقف بعض التيارات الإسلامية المعارض لأطروحة تحديد النسل ولمقولة إباحية الإجهاض.

ـ المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقد في بكين في 5 سبتمبر 1995 وموقف بعض التيارات الإسلامية المعارض لأطروحاته في قضايا عديدة مثل: قضية ومفهوم الأسرة، قضية العلاقات والسلوكات الجنسية المثلية…

كل تلك المعطيات مجتمعة وغيرها دفعت بالغيورين على المشروع الحضاري الإسلامي كبديل للمشروع الغربي أن يخصوا قضية حقوق الإنسان بالدرس والتحليل محاولة منهم تأصيلها معرفيا وثقافيا. فكانت النتيجة لذلك ولادة العديد من الإعلانات والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، نذكر من بينها ما يلي:

ـ البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1980.

ـ بيان حقوق الإنسان في الإسلام الذي صدر عام 1980.

ـ إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام عام 1981.

ـ الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الصادر بطهران عام 1989([19]).

هذا فضلا عن الكتابات العديدة التي تنظر في قضية حقوق الإنسان في الإسلام انطلاقا من رؤية إسلامية لكن في علاقتها مع الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان خاصة تلك التي ينشرها أو يشرف على إصدارها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بفرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، أو تلك التي يصدرها أولئك المحسوبين على “الصحوة الإسلامية المعاصرة” من أمثال: راشد الغنوشي (تونس)، حسن الترابي (السودان)، محمد عمارة (مصر).. وغيرهم كثير.

لكن ما هي الخطوط العريضة التي تميز مواقفهم من خطاب حقوق الإنسان في صيغته الدولية؟

3-2-انتقادات الفكر الإسلامي المعاصر لخطاب حقوق الإنسان:

تتعدد الانتقادات التي يوجهها ممثلو الفكر الإسلامي المعاصر لخطاب حقوق الإنسان كما أعلن عنها أمميا ويروج لها عالميا من قبل الغرب والهيئات والمنظمات الدولية كذلك. ومع ذلك يمكن إيجاز تلك الانتقادات في النقط التالية:

3-2-1- مسألة المفهوم:

إن طبيعة العلاقة التاريخية التي حكمت العالم الغربي بالعالم الإسلامي جعلت الفكر الإسلامي يتعامل بنوع من الحساسية والتحفظ مع كل ما هو وافد من الغرب خاصة ما يتعلق بما هو ثقافي محض. ففيما يخص مفهوم حقوق الإنسان كنتاج ثقافي يقال إنه غربي التأسيس، نجد الخطاب الإسلامي المعاصر يؤكد على ما يلي:

ـ إن مفهوم حقوق الإنسان غربي النشأة والتطور أما مضمونه فهو فكري وفقهي وقانوني وفلسفي تضمنته كل الفلسفات والعقائد، ولو بنوع من الاختلاف مثل العقيدة الإسلامية التي يرى بعض من يتكلم باسمها أنه من الواجب الشرعي استبدال مفهوم حقوق الإنسان بمفهوم بديل هو “الكرامة الإنسانية” لأن هذا المفهوم الأخير مأخوذ من داخل المنظومة الثقافية الإسلامية وحيا من قوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا” (سورة الإسراء، الآية 7).

– إن مفهوم حقوق الإنسان أوروبي الأصل والبديل الإسلامي الأصيل من منظور البعض([20]) هو مفهوم “ضرورات الإنسان” وليس حقوقه. فمحمد عمارة يفرق بين مفهوم الحقوق ومفهوم الضرورات قائلا :إن الحقوق قد يتنازل عنها الإنسان أو قد لا يطلبها، بينما الضرورات فلا سبيل إلى حياة الإنسان بدونها ويستحيل العيش بفقدانها. لكن يمكن أن يقال كاعتراض علة هذا: هل حق الإنسان في السفر أو التنقل ضرورة؟

– إن مفهوم حقوق الإنسان يركز على الحقوق دون أن يتحدث عن الواجبات، بينما أصالة الفكر الإسلامي تستوجب الحديث عن الحقوق وما يقابلها من الواجبات: حق الزوجة =< واجب الزوج، حقوق الله =< واجبات الإنسان..الخ.

ـ مفهوم حقوق الإنسان حسب التصور الأممي يفتقد الموازنة بين حقوق الإنسان الفرد وحقوق المجتمع شكلا ومضمونا (فلسفة القانون الطبيعي ومقولة الحرية الفردية…) خلافا للتصور الإسلامي الذي يستوجب حضور تلك الموازنة حفاظا على وحدة الأمة وتماسكها وتكافئها([21]).

3-2-2-في مسألة المرجعية:

إن حقوق الإنسان في الخطاب العالمي تأسست على مرجعية علمانية (القانون الطبيعي + فلسفة الأنوار) وهي تستبعد الدين من أن يكون مصدرا في هذا المرجعية، في حين أن حقوق الإنسان من المنظور الإسلامي وكما أكد ذلك البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام لعام 1981 “هي حقوق شرعها الخالق… فليس من حق بشر كائنا من كان أن يعطلها أو يعتدي عليها”([22]). من هنا كان من الطبيعي أن تصطدم المرجعية الدينية الإسلامية مع المرجعية العلمانية العالمية بصدد حقوق الإنسان.

3-2-3-في مسألتي الحرية والملكية:

يرى منظرو الفكر الإسلامي المعاصر أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 يتعارض مع التشريع الإسلامي في بعض بنوده ذ: مثلا في قضية حرية المعتقد والرأي والتفكير التي تدخل في مجال الحقوق الفكرية/المدنية، فالإعلان العالمي أقر بحق الارتداد عن الدين، في حين أن الإسلام لا يقبل بذلك. ويبرر الجابري معقولية الرفض الإسلامي للردة الدينية بالقول إنه “لا بد من معرفة أسباب النزول. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن دولة الإسلام في المدينة زمن النبي وزمن الخلفاء الأربعة كانت تخوض حربا مستمرة ضد المشركين من العرب والروم والفرس، أدركنا أن المرتد زمن هذه الدولة هو في حكم الشخص الذي يخون وطنه، ويتواطأ مع العدو زمن الحرب بالتعبير المعاصر”([23]).

كما يرفض الشرع الإسلامي كذلك المساواة الكاملة، وفي كل شيء، بين المرأة والرجل في مجال الحقوق الاجتماعية التي أقرها الإعلان العالمي لعام 1948. فالفقه الإسلامي لا يقر للمرأة بالمساواة التامة مع أخيها خاصة في مجالات الميراث والشهادة والزواج. فمثلا في مجال الميراث جعل الإسلام نصيب الذكور أكبر من نصيب نظائرهن من الإناث تبعا لقوله تعالى: “يوصكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” (سورة النساء، الآية 11).

ويبرر د. علي عبد الواحد وافي هذه اللامساواة بالقول: “وقد بنيت هذه التفرقة على أساس التفرقة بين أعباء الرجل الاقتصادية في الحياة وأعباء المرأة، فمسؤولية الرجل في الحياة من الناحية المادية أوسع كثيرا من مسؤولية المرأة، فالرجل هو رب الأسرة والقوام عليها والمكلف بالإنفاق على جميع أفرادها بالفعل إن كان متزوجا”([24]) وهكذا يعارض التصور الإسلامي منطوق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 أو غيره في هذه النقطة.

3-2-4-في مسألة علاقة القانون/ الإعلان بالأخلاق:

خلافا للتصور الإسلامي، نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يفصل ما بين القانون والأخلاق بحيث يشرع بعض الحقوق التي تتنافى والشرائع الدينية، خاصة منها الشريعة الإسلامية، مثل حق الإنسان في جسده حيث يجيز للمرأة أن تبيع جسدها (أي ممارسة البغاء) كما لا يمانع القانون البريطاني باسم حقوق الإنسان في ممارسة اللواط بين الرجال أو السحاق بين النساء، كما توجد كنائس في هولندا والدانمارك تقيم مراسيم الزواج بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة، وفي نفس الوقت نجد بعض القوانين الغربية تسمح بتأسيس جمعيات للعراة ولممارسي الشذوذ الجنسي، كل ذلك باسم حقوق الإنسان.

لهذا يعترض الخطاب الإسلامي على هذا النوع من المعاشرات الجنسية لأنها تتعارض مع فطرة الإنسان قبل أن تكون متعارضة مع المبادئ الدينية الأكثر ليبرالية، الشيء الذي جعل محمد الخمليشي يقول: “فحقوق الإنسان اتخذت اليوم مسارا آخر غير المسار الذي كان سنة 1789 وغير المسار الذي كان في القرن التاسع عشر، في هذا المجال” (مجال العلاقات الجنسية)، فأين نسير بمفهوم حقوق الإنسان؟([25]).

3-2-5-في مسألة كونية الحقوق:

رغم أن الجابري يرى بأن “عملية التأصيل الثقافي لحقوق الإنسان في فكرنا العربي المعاصر يجب أن تنصرف إلى إبراز عالمية حقوق الإنسان في كل من الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية، أعني كونها تقوم على أسس فلسفية واحدة”([26])، رغم القول بهذا التماثل ما بين الخطابين العالمي والإسلامي حسب تصور الجابري، فإن بعض ممثلي الفكر الإسلامي المعاصر يرون أن كل المواثيق والإعلانات التي صدرت في أوروبا وأمريكا قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كانت موجهة أساسا لإنسان تلك المجتمعات الغربية، وبداية العالمية/الكونية لم تبدأ إلا مع عام 1948 متناسية التمايز بين الثقافات والحضارات في العالم. وعليه فـ”كونية الحقوق” ما هي في الواقع حسب التصور الإسلامي، سوى وجه من وجوه “التمركز الحضاري الغربي” الذي يجسد هيمنة المركز على الأطراف.

3-2-6-في مسألة علاقة الخطاب بالممارسة:

حسب رؤية الفكر الإسلامي المعاصر فإن تاريخ الغرب الناطق باسم الشرعية الأممية ويتباهى اليوم باحترامه لحقوق الإنسان، تاريخه القريب، هو تاريخ استعمار أو ما عبر عنه الإيراني علي شريعتي بتاريخ “الاستحمار” الذي سلب ثروات الشعوب بالقوة والعنف([27]).

كما أن ممارساته اليومية المتحيزة تفقد خطابه حول حقوق الإنسان كل مصداقية، إنه خطاب إيديولوجي، لا إنساني يقصد به التشهير بالإسلام وبكل من يخالف الأطروحة الحضارية الغربية. لكن محمد سبيلا يرى أنه رغم قيادة الغرب للحركة الاستعمارية العالمية في العصر الحديث والمعاصر، فذلك لا يجعلنا نرفض كونية حقوق الإنسان التي تقود خطابها الأمم المتحدة ومن ورائها الغرب، يقول : “إن أوروبا هي الفضاء التاريخي الذي تبلورت فيه حقوق الإنسان.

وهي القارة التي لطخت هذه الحقوق بالدماء عن طريق استعمار شعوب الأرض الأخرى في إفريقيا وآسيا. وهي التي كانت مسرحا لحرب كونية.. ذهب ضحيتها حوالي ستين مليونا من البشر، لكن التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين الشعار والواقع في التجربة الأوروبية لا يلغي البعد الكوني لمفهوم حقوق الإنسان..”([28]).

3-3-تقييم الكتابات الإسلامية المعاصرة حول حقوق الإنسان:

في إطار تقييم مؤقت للكتابات الإسلامية حول حقوق الإنسان، نجد أن الباحثين في الفكر الإسلامي درسوا حقوق الإنسان من زاويتين وهما([29]):

ـ زاوية التجديد الإيجابي من خلال منهج الاستكشاف والاستنباط والتأصيل لما جاء به الإسلام من حقوق للإنسان (التأييد المتحفظ لمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).

ـ زاوية التجديد السلبي من خلال منهج النقد والمطارحة والمقارنة للمواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان (الاعتراض الجوهري عن بعض مواد الإعلان العالمي لعام 1948 باسم الشريعة الإسلامية).

يرى محمد مهدي شمس الدين، في إطار تقييمه لمنهجية الكتابات الإسلامية حول حقوق الإنسان، أن تلك الكتابات تنطلق في الغالب من ثلاثة خلفيات وهي:

أ – الخلفية الأولى: خلفية الروح الدفاعية: فبعض الأبحاث نصبت نفسها للدفاع عن الإسلام أمام من يتهمه بمخالفة احترام حقوق الإنسان. وعليه فهي بمثابة متهم يدافع عن نفسه.

ب – الخلفية الثانية: خلفية التناظر: وتمثلها الأبحاث التي كتبت لبيان احتواء الإسلام على حقوق إنسانية نظيرة لتلك التي تم الإعلان عنها في الغرب أو من قبل الأمم المتحدة، وعليه فالإسلام ليس شاذا في ذلك أو مخالفا عنه (كتابات م.عبد الجابري مثلا).

ج – الخلفية الثالثة: خلفية التظلم: وتتمثل في تلك الكتابات التي يأتي بها أصحابها ليعرفوا من خلالها بكل ما يتعرض له المسلمون من ظلم وانتهاك لحقوقهم لا لشيء إلا لأنهم مسلمين، وذلك بالاحتكام إلى حقوق الإنسان كما أعلن عنها دوليا([30]).

أما من منظور التقييم المعرفي لتلك الكتابات، فإننا نسجل الملاحظات التالية:

أ – إن الغالبية الساحقة من الأبحاث التي زعمت الانطلاق من الإسلام، قد اتسمت بقدر كبير من الهجومية والتعالي المعرفي، وصرفت همها في إثبات سبق الإسلام في التشريع لحقوق الإنسان، وتفوق هذا التشريع معرفيا وأخلاقيا على المنظومة الراهنة للحقوق، وممارستها في الغرب.

ب – إن جوهر المهمة التي يطرحها المشتغلون بموضوع “الإسلام وحقوق الإنسان” هي الدفاع عن سمو الإسلام عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان وليس شرعنة حقوق الإنسان من منظور إسلامي. من هنا فهذه البحوث لم تتمكن من حل أي من المعضلات الكبرى المماثلة في العلاقة بين التشريع الإسلامي من ناحية والشرعية الدولية لحقوق الإنسان من ناحية أخرى، وقد انتهى بها ذلك إلى تبرير مصداقية إعلانات صدرت باسم الإسلام ولا صلة لها في الحقيقة بروح القانون الدولي لحقوق الإنسان كما تبلور ويتبلور في إطار الأمم المتحدة([31]).

ج – إن تلك الكتابات تغض الطرف عن التجربة التاريخية الإسلامية، وحتى إن تطرقت لها، فغالبا ما تقف عند نهاية العهد الراشدي فقط، لأن ما بعده قد شهد انحرافا خطيار عن التعاليم الإسلامية الأصيلة، فبرز العديد من مظاهر انتهاك حقوق الإنسان إلى يومنا هذا.

إجمالا نقول إن اعتراض بعض التيارات الثقافية أو الإيديولوجية (الماركسية مثلا) والأطروحات الدينية، ومنها الأطروحة الإسلامية، على كونية حقوق الإنسان باسم الخصوصية الثقافية/الحضارية، كما رأينا، يضعنا أمام إشكالية حدود الخصوصية والكونية في خطاب حقوق الإنسان حاليا؟


[1] – محمد عامر. حقوق الإنسان: دعوة إلى الأمل والعمل.، ضمن كتاب حقوق الإنسان وتأخر مصر، ص162.

[2] – أنطوان سيف،. الإنسان العربي وحقوق الإنسان.. مجلة الفكر العربي، ص50.

[3] – حقي إسماعيل بربوتي. فلسفة الليبرالية والاشتراكية في حقوق الإنسان.، مجلة الوحدة، العدد 63-64، السنة 1990، ص53.

[4] – سناء أبو شقرا. حقوق جديرة بحلم. مجلة الفكر العربي، العدد 65، السنة 1991، ص..

[5] – حقي إسماعيل بربوتي، مرجع سابق، ص54.

[6] – حقي إسماعيل بربوتي، المرجع نفسه، ص51.

[7] – علي حرب، لعبة المعنى. المركز الثقافي العربي، بيروت، 1991، ص152.

[8] – حلمي شعراوي، ملاحظات حول حقوق الإنسان الجماعية والاجتماعية، ضمن كتاب:حقوق الإنسان وتأخر مصر، القاهرة، 1993، ص207-208.

[9] – سليفان ماتون، حقوق الإنسان من سقراط إلى ماركس، ترجمة محمد الهلالي، الرباط، 1995، ص70.

[10] – سليفان ماتون، نفس المرجع، ص71.

[11] – سليفان ماتون، نفس المرجع، ص71.

[12] – إيزايا برلين، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، دار الساقي، 1992، ص14.

[13] – Guilliot (Rolland), La liberté, PUF, Que sais-je, Paris, 1995, p71.

[14] – سناء ابو شقراء، مرجع سابق، ص79.

[15] – سليفان ماتون، مرجع سابق، ص71.

[16] – سليفان ماتون، نفس مرجع، ص73.

[17] – زكي الميلاد، .حقوق الإنسان في الخطاب الإسلامي المعاصر.، مجلة الكلمة، عدد 13، 1996، ص9.

[18] – زكي الميلاد، مرجع سابق، ص12.

[19] – مصطفى الفيلالي،. نظرة تحليلية في حقوق الإنسان من خلال المواثيق وإعلان المنظمات.، مجلة المستقبل العربي، العدد 223، ص84.

[20] – محمد عمارة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1985، ص14.

[21] – زكي الميلاد، مرجع سابق، ص19.

[22] – باقادر (أوب بكر)، حقوق الإنسان… مجلة الكلمة، العدد 14 السنة 1997، ص39.

[23] – الجابري (م.عابد)، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1994، ص178.

[24] – وافي (علي عبد الواحد)، حقوق الإنسان في الإسلام، القاهرة، 1979، ص103.

[25] – الخمليشي (محمد)، (حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية) ضمن كتاب حقوق الإنسان في المدرسة المغاربية..، مرجع سابق، ص132.

[26] – الجباري (م.عابد)، الديموقراطية وحقوق الإنسان..، مرجع سابق، ص143.

[27] – زكي الميلاد، مرجع سابق، ص23.

[28] – سبيلا (محمد)، حقوق الإنسان والديمقراطية، سلسلة شراع، رقم 19، ص24-25.

[29] – زكي الميلاد، مرجع سابق، ص12-13.

[30] – محمد مهدي شمس الدين، حقوق الإنسان في الإسلام، إصدارات منظمة افعلان الإسلامي، القاهرة، 1988، ص389.

[31] – محمد السيد سعيد: نحو تأسيس شرعية لحقوق الإنسان في الثقافة العربية، مجلة أبواب، العدد 14، السنة 1997، ص20.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!