فضاءات بيع الكتب المستعملة

أسواق الكتب القديمة والمستعملة في المغرب: ذاكرة ثقافية نابضة بالحياة

يُعدّ سوق الكتب القديمة في المغرب ظاهرة ثقافية عريقة تتجاوز حدود التجارة لتتحول إلى فضاء معرفي واجتماعي يحتضن عشّاق القراءة والباحثين عن النوادر والمخطوطات. في قلب العاصمة الرباط، وتحديدًا عند مدخل شارع فال ولد عمير، تتجلى هذه الظاهرة بأبهى صورها، حيث تختبئ محلات صغيرة تحمل عبق الماضي وتحتفظ بروح المدينة الثقافية التي لم تبهت رغم التحولات الرقمية الجارفة.

  • ذاكرة الكتب في شارع فال ولد عمير:

يقع أحد أقدم محلات بيع الكتب القديمة قرب محطة الحافلات رقم (4)، حيث يواصل الكتبي عبد الله العماري منذ سبعينيات القرن الماضي إدارة متجره الصغير الذي أصبح مزارًا للطلبة والباحثين والقراء. أغلب هذه المحلات لا تحمل أسماء، ويكتفي أصحابها بعبارة “Librairie” أو “كتبي” بالفرنسية، في إشارة إلى الإرث الكولونيالي الذي ما يزال يطبع معمار الرباط التجاري والثقافي.

يتوافد الزبائن، خصوصًا طلبة الجامعات والثانويات، مع بداية كل موسم دراسي بحثًا عن مقررات دراسية أو روايات مقررة ضمن البرامج التعليمية. ويحرص الكتبيّون على عرض هذه العناوين في الواجهة لتيسير الوصول إليها. وتُعد مقاهي شارع فال ولد عمير ملتقى للصحافيين والكتّاب وباعة الصحف الليليين الذين كانوا يتخذون من شارع فرنسا (بأكدال) مركزًا لتجمعهم في الماضي.

  • الشارع بين الذاكرة والعمران:

تسمية شارع فال ولد عمير جاءت تخليدًا لأحد الرموز الوطنية الوحدوية في تاريخ المغرب المعاصر. ويُعدّ من أكثر الشوارع النظامية والآمنة في الرباط، بما يتميز به من نظافة وأناقة عمرانية وهدوء نسبي بعيد عن ضوضاء مركز المدينة. وقد ساهم ازدهار هذا الشارع في إنعاش الشوارع المتفرعة عنه مثل فرنسا والأبطال والأطلس، التي أصبحت بدورها مراكز حيوية لأنشطة ثقافية وتجارية متنوعة.

  • جغرافيا أسواق الكتب المستعملة في المغرب:

تنتشر أسواق الكتب المستعملة في أغلب المدن المغربية، حيث تُحصي الإحصاءات الميدانية أكثر من مئتي سوق للكتاب وآلاف الأكشاك والبسطات المنتشرة على الأرصفة. ويُعتبر سوق ساحة السراغنة بالدار البيضاء الأشهر والأضخم، إذ يضم أكثر من 300 ألف عنوان بشكل دائم. وتُنظم فيه “الجمعية البيضاوية للكتبيين” مهرجانًا سنويًا للكتاب المستعمل، شاركت فيه وزارة الثقافة المغربية، واستقطب في دورته الثامنة أكثر من 400 ألف عنوان ومليون زائر، بحسب تصريح زياد نزيه عضو “شبكة القراءة بالمغرب”.

كما تحتضن مدن فاس ومراكش والرباط أسواقًا شهيرة مثل سوق الليدو بفاس، باب دكالة بمراكش، باب الأحد والمدينة القديمة بالرباط، فضلًا عن أسواق كبرى في درب السلطان والمعاريف وسيدي البرنوصي وحي الحسني والبحيرة بالدار البيضاء.

  • الاقتصاد الثقافي للكتاب المستعمل:

يُعدّ سوق الكتاب المستعمل في المغرب من الأكثر نشاطًا في الوطن العربي، ويجذب زوارًا من الخليج العربي، خاصة من السعودية والإمارات وعُمان، الذين يبحثون عن مخطوطات وطبعات نادرة لكتب عربية وإسلامية قديمة. ويُعرض في هذه الأسواق كتب نادرة مثل القانون لابن سينا المطبوع في روما، والشفاء وغيرهما من النفائس التراثية التي تُباع بأسعار مرتفعة تصل إلى آلاف الدولارات.

ويلعب عمال النظافة أحيانًا دورًا غير متوقع في دورة حياة هذه الكتب، إذ يعثرون على كتب مرمية في القمامة فيبيعونها بثمن بخس، لتتحول لاحقًا إلى كنوز ثقافية يعاد بيعها بأسعار مضاعفة. كما يحقق الكتبيون أرباحًا كبيرة من شراء مكتبات كاملة من الورثة الذين يجهلون قيمتها الحقيقية، ليعيدوا توزيعها على عشاق القراءة والباحثين.

  • خاتمة:

إن أسواق الكتب المستعملة في المغرب ليست مجرد أماكن للتبادل التجاري، بل مرايا للذاكرة الثقافية الجماعية وفضاءات تحفظ روح الكتاب الورقي في زمن الرقمنة. إنها اقتصاد موازٍ للثقافة، يؤكد أن الكتاب ما زال قادرًا على الصمود أمام عواصف التكنولوجيا، وأن شغف القراءة لا يزال يزدهر بين الأجيال الجديدة رغم كل التحولات.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى