الهندسة الأوقليدية – الهندسات اللا أوقليدية

0

 

إن الله يمكن أن يخلق مثلثات مجموع قياسات زواياها أكبر من قائمتين. / ريمان

قبل الثورة في علم الهندسة في القرن التاسع عشر ، كانت تطرح الأسئلة التالية رغم أن مضمونها واحد : أليس هناك مكان آخر دون المكان الأوقليدي ؟ ألا يمكن فرض مصادرات أخرى غير مصادرة أوقليدس؟ وبعبارة أخرى ألم يكن مجموع قياسات زوايا مثلث أكبر أو أصغر من قائمتين ؟ (180 درجة ) .

لقد جمع اوقليدس الأبحاث التي قام بها اليونانيون في الفترة التي تمتد ما بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن الثالث قبل الميلاد في كتابه “الأصول “. وهو الكتاب الذي ظل منذ ذلك العهد وحتى القرن التاسع عشر أساسا لدراسة الهندسة . لقد شيد اقليدس هندسته على مجموعة من الفروض وعليها يتوقف صدق النظريات والنتائج الهندسية . وعلى جملة من البديهيات والمسلمات والتعاريف .. إلا أن هذه الفروض والمسلمات بقيت دوما مجالا للشك والتساؤل . من بينها المسلمة الخامسة التي أثارت كثيرا من التردد والشك، التي تعرف ب “مسلمة التوازي” . والتي تقول: من نقطة معلومة خارج مستقيم معلوم يمر مستقيم وحيد لهذا المستقيم. ومن نتائجها أن مجموع قياسات زوايا المثلث يساوي 180 درجة .

حاول الرياضيون عبر العصور البرهنة على هذه المسلمة ولكنهم لم يفلحوا ، كما أنهم لم يستطيعوا الاستغناء عنها ، والاستغناء عنها هو انهيار للهندسة الأوقليدية كلها .

لكن جرأة العالم لوباتشوفسكي الروسي (1793-1856) كانت بداية ثورة وانقلاب على هندسة أوقليدس ( ليس انقلاب على الحكام في دول العالم الثالث ) . انطلق لوباتشوفسكي من مصادرة مغايرة لمصادرة اوقليدس مستعملا في استدلاله البرهان بالخلف . والبرهان بالخلف هو برهان استنباطي يقوم على افتراض عكس النتنيجة مما يؤدي بهذا الافتراض خلال الاستنتاج الى تناقض مع المقدمة .

مصادرة لوباتشوفسكي

افترض لوباتشوفسكي أنه من نقطة خارج مستقيم يمكن أن نرسم أكثر من مواز واحد للأول . وفي الاستدلال بالخلف لم يتوصل الى تناقض مع المقدمة ، بل توصل الى نتنائج جديدة مخالفة لتلك التي سبق أن توصل إليها أوقليدس. فهو لم يثبت صحة المسلمة الخامسة بل توصل إلى قيم ابستمولوجية رياضية جديدة منها أن مجموع قياسات زوايا مثلث أقل من قائمتين .( أصغر من 180درجة ). وهي القيم التي بنى عيلها لوباتشوفسكي نسق هندسي جديد ( مكان جديد ) بجانب نسق أوقليدس .

مصادرة ريمان

انطلق ريمان من مصارة افترض فيها أنه من نقطة خارج مستقيم معلوم لا يمكن أن يمر أي مستقيم مواز للأول وأن مستقيمين كيفما كان وضعهما النسبي لابد أن يتقاطعا .
فباستعماله للبرهان بالخلف لم يتوصل ريمان الى أي تناقض مع النتيجة ، بل توصل الى نتائج رياضية جديدة وقيم ابستمولوجية منها أن مجموع قياسات زوايا مثلث أكبر من قائمتين ( أكبر من 180درجة ) وقد يصل إلى حدود 270 درجة .

إنها قيم ابستمولوجية جديدة أدت الى بناء نسق هندسي جديد ( مكان هندسي ) بجانب نسق أوقليدس ونسق لوباتشوفسكي ، فالمكان عند ريمان أصبح كروي الشكل والخط المستقيم المعتاد أصبح عبارة عن دائرة . أما المكان عند لوباتشوفسكي فأصبح مكانا مقعرا concave .
إنها ثورة في علم الهندسة : ثورة ريمان ولوباتشوفسكي على أوقليدس أي ثورة الهندسة اللاأوقليدية (غير الأوقليدية ) على الهندسة الأوقليدية وثورة مفاهيم جديدة على مفاهيم قديمة والبقاء للأصلح .
فالجديد في العلم يحوي العلم السابق عنه لأنه أوسع وأشمل منه .وبالتالي أصبحت الهندسة الأوقليدية جزءا من الهندسة اللاأوقليدية.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.